مصر

التصالح على مخالفات البناء والاشتراطات البنائية الجديدة,, خطوات حكومية جادة لإصلاح الحالة العمرانية

رغبة منها في إصلاح حالة التشوه العمراني التي أصابت كافة محافظات البلاد في كل من مناطق الحضر والريف، أطلقت الحكومة المصرية خلال عام 2020م الماضي مشروعين قانونين كان أولهما التصالح على بعض مخالفات البناء، أما ثانيهما فكان الاشتراطات البنائية الجديدة، ولقد حمل هاذين المشروعين في فلسفتهما هدف حضاري تحتاجه مصر بشدة، ألا وهو إنهاء عصر البناء العشوائي بشكل كامل، وبداية التحول ناحية البناء المخطط الذي يخدم المواطنين ويوفر لهم جودة الحياة المطابقة للمعايير العالمية. 

مشكلة متجذرة تضر بحياة المواطنين اليومية

منذ منتصف القرن الماضي بدأت كافة المناطق الحضارية على مستوى الجمهورية في المعاناة من ظهور كثافات عمرانية عشوائية غير مخططة، ويرجع ذلك إلى تزايد تعداد السكان وانتشار ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدن بهدف العثور على فرص العمل والقرب من الخدمات العامة التي نادرًا ما تتواجد في التجمعات القروية. الحكومات المتعاقبة لم يكن لها رد فعل حاسم تجاه تلك الظاهرة الخطيرة، حيث لم تستطع تلك الحكومات أن توفر للمواطنين المقيمين في الحضر أماكن مخططة للإقامة مثل الشقق السكنية والمنازل المستقلة، كما لم تستطيع ايضًا تنسيق مجهودات القطاع الخاص في عملية التعمير وذلك لتلافي مشكلة البناء العشوائي، وعلى جانب آخر لم تنجح تلك الحكومات في تطور الحالة الاقتصادية في الريف الفقير، وهو ما سيؤدي بدوره إلى حد هجرة المواطنين الريفين إلى مناطق الحضر.

أغلب المدن المصرية طالتها التشوهات العمرانية بسبب البناء العشوائي، حيث سجلت الإحصاءات الرسمية معاناة 226 مدينة من وجود ظاهرة العشوائيات وذلك من أصل 234 على مستوى البلاد, كما أن حالة العشوائية استفحلت في عموم الجمهورية لتتسبب في معاناة كافة المحافظات المصرية من وجود تجمعات عشوائية فاقت في مساحاتها آلاف الأفدنة – انظر الشكل التإلى رقم 1 -, وتعتبر محافظات إقليم القاهرة الكبرى بالإضافة إلى محافظة الإسكندرية من أكثر المناطق التي تعاني من ظاهرة البناء العشوائي والغير مصرح نتيجة لتوجه أغلب الهجرات البشرية إليها من كافة أقاليم البلاد.

*المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

الخطوة الأولى.. التصالح على بعض مخالفات البناء

في أبريل 2019م أقر مجلس النواب المصري القانون رقم 17, والذي بمقتضاه فتح الباب أمام تقنين أوضاع كافة العقارات المخالفة والمبنية دون ترخيص في عموم البلاد، باستثناء بعض المخالفات التي لا يمكن التصالح عليها بأي شكل وهي: 

1- الأعمال المخلة بالسلامة الإنشائية للبناء .
2- التعدي على خطوط التنظيم المعتمدة, وحقوق الإرتفاق المقررة قانونًا ما لم يكن قد تم الاتفاق بين طالب التصالح وأصحاب حقوق الإرتفاق على النحو الذي تبينه اللائحة التنفيذية لهذا القانون.
3- المخالفات الخاصة بالمباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز.
4- تجاوز قيود الارتفاع المقررة من سلطة الطيران المدني, أو تجاوز متطلبات شئون الدفاع عن الدولة.
5- البناء على الأراضي المملوكة للدولة ما لم يكن صاحب الشأن قد تقدم بطلب لتوفيق أوضاعه وفقا للقانون.
6- البناء على الأراضي الخاضعة لقانون حماية الآثار وحماية نهر النيل .
7- تغيير الاستخدام للمناطق التي صدرت لها مخططات تفصيلية معتمدة من الجهة الإدارية, ما لم توافق الجهة الإدارية.
8- البناء خارج الأحوزة العمرانية المعتمدة.

فكرة المشروع لاقت القبول لدى الشارع المصري, فحتى منتصف العام الحالي تقدم ما يقرب من 1.6 مليون مواطن من أصحاب العقارات المخالفة لإنهاء إجراءات التصالح مع الجهات المختصة, ولقد كان من اللافت أن أكثر من 50% من أهل المناطق الريفية, لكن الحكومة المصرية لاحظت عزوف شريحة من المواطنين المالكين للعقارات المخالفة عن فكرة التصالح, وربما يعود ذلك لعدم إدراكهم للفوائد العائدة والمتوقعة من عملية التصالح على القيمة المادية للعقار, لذلك قامت الدولة مع بداية شهر يونيو الحالي بإصدار حزمة من القرارات التحفيزية لدفع هذه الشريحة من المواطنين إلى البدء في إجراءات التصالح, لذلك ينتظر خلال الأيام القادمة أن نشهد زيادة ملحوظة في أعداد الطلبات الجديدة المقدمة لدى الجهات المحلية المختصة. 

الخطوة الثانية.. الاشتراطات البنائية الجديدة

في أواخر شهر مايو من عام 2020م الماضي أصدرت الحكومة المصرية قرارها بوقف إصدار تصاريح البناء على مستوى الجمهورية, كما علقت كافة أشكال البناء الجارية بالمدن المصرية وذلك لمنع ظهور أي منشأة عشوائية جديدة, وبموازاة ذلك أعلنت الحكومة عن البدء في صياغة اشتراطات عمرانية جديدة, يكون مرتكزها ومرجعها قانون البناء الموحد والمعروف بقانون 119 لسنة 2008، وتقوم فكرة الاشتراطات الجديدة على قيام الجامعات الإقليمية بدراسة حالة التجمعات الحضرية في إطار كل محافظة، وتقوم كل جامعة بعد ذلك بطرح مجموعة من النقاط الإستراتيجية التي تبين حالة احتياج كل محافظة من مختلف أنواع المنشآت سواء السكنية منها أو الخدمية او حتى الصناعية والتجارية.

وفور انتهاء الجامعات الإقليمية في كافة المحافظات من عملية دراسة حالة التجمعات الحضارية، قامت أجهزة الحكومة المختصة بأخذ ما نتج من تقارير وصاغته في شكل اشتراطات بنائية جديدة تم عرضها لاحقًا على مجلس النواب المصري والذي اثنى على الكثير منها، لكنه تحفظ على البعض الآخر وطالب الحكومة بمراجعته حتى لا تكون تلك الاشتراطات معرقلة لحركة البناء والتعمير في ربوع البلاد. الحكومة بدورها استجابت لمطالب نواب الشعب ووقفت على كافة الملاحظات المطروحة. واستغرقت عملية إصدار الاشتراطات برمتها قرابة عام، حيث أطلقت الحكومة أخيرًا تلك الاشتراطات بشكل تجريبي مطلع مايو الماضي في 27 مدينة ومركز، وذلك لاختبار فاعلية تلك الاشتراطات على الأرض، فيما ينتظر أن يتم تفعيل الاشتراطات على مستوى الجمهورية، وذلك بعد بيان صلاحيتها التامة خلال شهر يوليو القادم. 

ختامًا، يمكن القول إن الدولة المصرية وضعت نصب أعينها توجه واضح لعلاج مشكلة العشوائية العمرانية في عموم البلاد، ولعل الطريق لن يكون يسيرًا فالحكومة المصرية الحالية تحاول علاج مشكلة معقدة امتدت على مدار عقود، لكن مجهودات الدولة في هذا الملف تفضي بلا شك إلى إحداث تغييرات جذرية بشكل العمران المصري، وهو ما سيبشر بعودة الرونق الحضاري لكافة التجمعات الحضارية على مستوى البلاد مما سينعكس بالإيجاب بشكل مباشر على جودة الحياة المتوفرة للمواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى