السد الإثيوبي

سد النهضة ” والعودة لمجلس الأمن من بوابة “الجامعة العربية”

بعد اجتماع عاجل لوزراء الخارجية العرب في العاصمة القطرية “الدوحة”، دعت جامعة الدول العربية ؛ مجلس الأمن لعقد جلسة عاجلة للتشاور حول قضية سد النهضة وإطلاق عملية تفاوضية جادة وفق إطار زمني محدد للتوصل إلى اتفاق ملزم يراعي مصالح الدول الثلاث في ظل التعنت الذي أبدته إثيوبيا طوال عشر سنوات من التفاوض.
وأكدت جامعة الدول العربية دعمها الكامل لحقوق مصر والسودان في مياه النيل والارتباط الوثيق بين الأمن القومي المصري السوداني والأمن القومي العربي.
يأتي اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ استجابةً لدعوة مصر لعقد اجتماع عاجل توضح فيه آخر ما تم التوصل إليه بشأن السد الإثيوبي خاصةً بعد تعثر المفاوضات وإعلان إثيوبيا نيتها البدء في الملء الثاني لخزان سدها الضخم دون اتفاق مع دولتي المصب ودون مراعاة للآثار السلبية لهذه الخطوة عليهما.
وقد أوضح زير الخارجية سامح شكري في كلمته أمام نظرائه العرب أنه بالرغم من مرور ما يقرب من عام على الوساطة الإفريقية، إلا أنها لم تسفر عن أي تقدم يذكر.

كما أشار إلى أن الطرف الوحيد الذي يمكن أن يتحمل اللوم على ذلك هو الجانب الإثيوبي الذي رفض كل المبادرات والمقترحات التي كان من الممكن أن تفضي إلى اتفاق مرضٍ أو تقلل من حدة التوتر بين الدول الثلاث بخصوص تلك القضية على أقل تقدير.

خطاب مصري شامل لمجلس الأمن

سبق اجتماع وزراء الخارجية العرب اليوم في الدوحة خطاب مصري إلى مجلس الأمن في الحادي عشر من يونيو الجاري. بدأ الخطاب المكون من 4 صفحات تقريباً بإشارة إلى خطاب سابق إلى رئيس مجلس الأمن كانت الخارجية المصرية قد ارسلته بتاريخ 13 أبريل 2021 بخصوص الأزمة الحالية حول السد الإثيوبي وما تم التوصل إليه في اجتماعات كينشاسا، وقد أكد الخطاب على أن التصرفات الأحادية من جانب الإثيوبيين وملء وتشغيل السد دون التفات للأضرار التي يمكن أن يسببها لدولتي المصب والمجتمعات المحلية فيهما من شأنها أن تهدد السلم والأمن والاستقرار في منطقتي حوض النيل والقرن الإفريقي.
وأشارت الخارجية المصرية في خطابها الأخير لمجلس الأمن إلى خطابها الذي أرسلته في يونيو 2020 قبل أن تقدم إثيوبيا على الملء الأول لخزان السد في يوليو من نفس العام، مشيرةً بذلك إلى أن إثيوبيا لم تُعر مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي اهتماماً وأكملت عملية الملء الأول على الرغم من تحذيرهما لها من عواقب اتخاذ خطوات أحادية أو استفزاز مصر والسودان. وجاء في الخطاب أيضاً أن المفاوضات التي استمرت لمدة عامل كامل برعاية الاتحاد الإفريقي سواء برئاسة جنوب إفريقيا أو الكونغو لم تسفر عن أي تقدم، بل أعلنت إثيوبيا نيتها المضي قدماً في الملء الثاني خلال الأسابيع القادمة، واستمر الخطاب في توضيح أسباب فشل المفاوضات وذكر البراهين عليها، لينتهي بدعوة مجلس الأمن لتحمل مسؤوليته في حفظ السلام والأمن الدوليين في ظل إصرار إثيوبيا على تصرفاتها الأحادية التي تهدد السلم والأمن في المنطقة بما يستدعي تدخل المجتمع الدولي بشكل فعال للتوصل إلى اتفاق سلمي بشأن هذه القضية.
يذكر أن الخطاب لم يختلف كثيراً عن خطاب العام الماضي في مضمونه، ولكن الاختلاف الحقيقي يتمثل في إرفاق الخارجية المصرية مذكرة من 91 صفحة أوضحت فيها كل ما يتعلق بالسد الإثيوبي والعملية التفاوضية التي استمرت لعشر سنوات، وتضمنت هذه المذكرة القضايا الفنية التي تناولتها المفاوضات وتقييم آثار الملء والتشغيل الأحادي للسد الإثيوبي على مصر، وتنوعت هذه التأثيرات بين تأثيرات الملء الأحادي، وتأثيرات التشغيل الأحادي، والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للملء والتشغيل الأحادي للسد، ودعمت مصر كل ذلك بالوثائق الفنية والقانونية التي تمت صياغتها طوال سنوات التفاوض.

دوافع تحرك مجلس الأمن هذه المرة

نجحت إثيوبيا في العام الماضي في تأجيل المساعي المصرية لإشراك الأمم المتحدة في المفاوضات، وتحويل قضية السد إلى الاتحاد الإفريقي على اعتبار أنها شأن إفريقي يمكن معالجته بحلول إفريقية، وقد رضخ مجلس الأمن للمطالبات الإثيوبية لعدة أسباب، أهمها:

  • كان الموقف السوداني آنذاك متأرجحاً وغير داعم للتحركات المصرية بشكل كامل كما هو الحال الآن، فقد وصل بهم الحال وقتها لرفض إقحام اسم السودان في بيان رسمي من جامعة الدول العربية لدعم حقوق مصر والسودان في مياه النيل.
  • سعت حكومة آبي أحمد للحصول على الدعم اللازم من جنوب إفريقيا – رئيس الاتحاد الإفريقي وقتها – وبعض دول إفريقيا بحكم العلاقات الطيبة التي تجمع رئيس الوزراء الإثيوبي وزعماء هذه الدول ليتولى الاتحاد الإفريقي مسؤولية تسيير المفاوضات بين الدول الثلاث.
  • تمكنت إثيوبيا من كسب تعاطف بعض دول الاتحاد الأوروبي بسبب الأوضاع الداخلية السيئة التي تعاني منها، والتي تهدد بتفكك الدولة الإثيوبية، ويبدو أنها لم تجد قضية لتوحيد الشعوب الإثيوبية سوى قضية سد النهضة.
    ولكن بعد مرور عام كامل على هذه الخطوة، اتضح أن الاتحاد الإفريقي غير قادر على تقديم حلول أو إحداث أي تقدم على مسار المفاوضات، وهو ما سمح لمصر بالتصعيد مرة أخرى وطلب تدخل مجلس الأمن لحفظ السلم والأمن، وتشير الأوضاع الحالية إلى إمكانية تدخل مجلس الأمن وفرض مسار تفاوضي محدد بمدى زمني لعدة أسباب، منها:
  • التحول الكبير في الموقف السوداني، حيث أصبحت مصر والسودان تتبنيان نفس الرؤية تقريباً فيما يتعلق بملء وتشغيل السد الإثيوبي والأضرار المتوقعة جراء تشغيله بشكل أحادي، وقد بلغ الأمر أن السودانيين خرجوا في تظاهرات أمام السفارة الإيطالية للتنديد بدور الشركة الإيطالية في تشييد السد الذي ستكون أضراره ومخاطره كارثية على السودانيين.
  • الدعم العربي الكامل والاصطفاف بشكل أكبر مما كان عليه في العام الماضي خلف الموقف المصري السوداني، وهو ما اتضح في اجتماع وزراء الخارجية اليوم في العاصمة القطرية الدوحة.
  • فشل المساعي الأمريكية في تقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث، حيث أصدرت الخارجية الأمريكية بياناً بعد زيارة فيلتمان المبعوث الخاص للقرن الإفريقي للدول الثلاث تؤكد فيه حرصها على التوصل إلى اتفاق سلمي، ولكن يبدو أن الإثيوبيين يرفضون الوساطة الأمريكية بسبب ما وصفوه تدخلاً في شئونها الداخلية فيما يتعلق بأزمة إقليم التيجراي، وانعقاد الانتخابات في موعدها المقرر بعد أسبوع من الآن.
  • ضعف الثقة الدولية وخصوصاً الاتحاد الأوروبي في نظام آبي أحمد بعد الأزمة الإنسانية التي تسبب فيها في إقليم التيجراي والسماح للقوات الإريترية بالتدخل في الأراضي الإثيوبية التي كان يخشى عليها من التفكك.
  • قد تلعب النبرة الحادة للرئيس السيسي في حديثه عن المساس بالأمن المائي المصري دوراً في تحريك المجتمع الدولي للضغط على إثيوبيا للتخلي عن موقفها المتعنت والمخالف للقانون الدولي واتفاق إعلان المبادئ وتبني نهجاً أكثر مرونة من أجل التوصل لاتفاق.
  • قد يمثل النزاع الحدودي بين إثيوبيا والسودان دافعاُ لمجلس الأمن للتدخل وتقديم حلول لقضية السد هذه المرة خشية أن يتطور النزاع المسلح بين الجانبين لحالة حرب محتملة في المنطقة.
    مما سبق، يتضح أن الخطوات الدبلوماسية المصرية ثابتة ومتدرجة نحو هدف أساسي هو تحميل المجتمع الدولي ممثلاً في مجلس الأمن مسؤوليته في منع إضرار إثيوبيا بأمن مصر والسودان والهيمنة على مياه النيل بداعي حاجتها للتنمية، أما فيما يتعلق بالحل العسكري، فقد نفت كل من مصر والسودان مراراً وتكراراً إمكانية اللجوء لهذا الحل، كما أكد السيد سامح شكري خلال كلمته أمام اجتماع وزراء الخارجية العرب اليوم على أن هذا الاجتماع لا يهدف إلى الدفع نحو اصطفاف ضد دولة إفريقية شقيقة، ما يؤكد على توافر مبدأ حسن النية لدى مصر. أما السودان فقد سار على نفس النهج بإعلان الوزير ياسر عباس موافقة بلاده على توقيع اتفاق بشأن ما تم التوافق عليه إلى الآن، ولكن اشترط أن يتم جدولة المفاوضات حول النقاط الخلافية بمدد زمنية محددة.

ختاما

يمكن القول إن شروع إثيوبيا في الملء الثاني دون موافقة مصر والسودان يخالف المواثيق الدولية، ويستدعي تدخلاً دولياً جاداً على خط الأزمة، وفي نفس الوقت فإن إثيوبيا ليست في موقف جيد للوقوف أمام المجتمع الدولي في ظل الأزمة الإنسانية الحالية في إقليم التيجراي، وحالة الانقسام والصراع الداخلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى