روسيا

“فلاديمير بوتين”.. رجل “المخابرات الذي لا يتقاعد”

صرح الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، خلال مقابلة أجراها الاثنين 14 يونيو الجاري مع قناة “إن. بي. سي”، الأمريكية، أن شيئًا لن ينهار في البلاد بين عشية وضحاها بعد مغادرته منصبه. شارحًا، أنه إلى حين يحل شخص آخر محله، فإن روسيا لن تنهار، مؤكدا أنه سيدعم أي خليفة يُظهر أنه مستعد حقًا لخدمة البلاد.

جاءت هذه الردود بعد أن سأله المحاور ما إذا كان يخشى انهيار كل شيء بمجرد وصول خليفة آخر إلى منصبه، وعندها قال له “بوتين” بهدوء، “ما الذي سينهار بين عشية وضحاها؟! يوجد الآن عديد من المشكلات لكن الوضع مختلف تمامًا، ويوما ما سيأتي شخص آخر بالتأكيد لمكاني، لكن لماذا ينهار كل هذا؟”.

وأوضح بوتين:” أنه عندما تولى السلطة في عام 2000، كان يوجد عدد كبير من الناس يعيشون تحت خط الفقر، وكان مستوى الناتج المحلي الإجمالي انخفض إلى ما دون المستوى الأساسي، أما في الوقت الراهن، فإن الأوضاع مختلفة تمامًا على الرغم من وجود العديد من المشكلات في روسيا”.

وشدد الرئيس الروسي على أنه سيدعم مرشحي الرئاسة إذا عملوا على تقوية البلاد، وقال “إذا رأيت شخصًا مخلصًا للبلاد، وعلى استعداد لوضع روحه فداءً للوطن ليس فقط على مدار عدد من السنوات ولكن لطوال حياته، وبغض النظر عن الطريقة، التي سيعاملني بها شخصيًا، سأفعل كل شيء حتى أدعم هؤلاء الناس”.  وخلال لقائه، عبر بوتين عن ثقته في أسس الدولة الروسية التي ستبقى كما هي وستقف بثبات على قدميها حتى وإن تغيرت البلاد.

هل يتقاعد رجال المخابرات؟

في عام 2019، خلال مقابلة له مع صحيفة “فاينانشيال تايمز”، ذكر الرئيس الروسي إنه كان يُفكر في كيفية انتقاء خليفة له منذ عام 2000. لكنه شرح في الوقت نفسه إنه على الرغم من حصوله على دعم من سلفه بوريس يلتسين، إلا أنه يرى أن الناخبين ينبغي أن يقولوا “القول الفصل” في ذلك.

وفي خلال وقتٍ لاحق على هذا اللقاء، ذكر أحد المسؤولين لدى صحيفة “روسيا اليوم”، أن بوتين كان يُعد بالفعل خليفة لنفسه، لكن سرعان ما رد الكرملين بعد ذلك مؤكدًا أنه من السابق لأوانه إثارة مسألة خليفة جديد لبوتين. كما صرح السكرتير الصحفي للرئيس، “ديميتري بيسكوف”، إن الحد الأدنى لسن رئيس الدولة يُحدده الدستور الروسي، والذي كان في ذلك الوقت 70 عامًا فقط.

وما دمنا نتناول الحديث عن خليفة بوتين، وما دام الشيء بالشيء يُذكر، نرى أنه قبل التمعن في محاولة التكهن بهوية الخليفة المنتظر لبوتين، من الضروري أولا مراجعة لقطات مهمة من تاريخه، وذلك إعمالاً بالمقولة الشهيرة التي تنص على “لا تتوقع من نبتة الصبار أن تُثمر لك التفاح، حاول أن تعرف أصل الأشياء وماضيها، كي لا يصدمك المستقبل!”، لكاتبها محمد الرطيان.

والمقصود بالإتيان على ذكر هذه المقولة هنا ليس في الإشارة إلى نبات الصبار وما يحمله من رمزية المعنى قط، لكن المقصود هنا هو محاولة التمعن في تفاصيل ماضي الأشياء أملاً في التكهن بالملامح المتوقعة لمستقبلها. وبالنسبة لبوتين، فهو في الأصل لم يكن رجلاً خرج من بيئة سياسية عادية، أو حتى قائد انبثق عن بيئة عسكرية، بل أنه في الأساس سليل واحد من أعتى أجهزة المخابرات في العالم. وما نعرفه عن المنخرطين في مجال العمل الاستخباراتي، يؤكد لنا أن هؤلاء أبدًا لا يتقاعدون.

إذ أنه توجد هناك بعض الحرف التي بمجرد أن امتهنها الإنسان مرة، فهو بالتأكيد سيظل وفيا لها إلى الأبد خاصة بعد أن تمتزج هذه المهن به وتصبح جزءا لا يتجزأ من كيانه وشخصيته العادية.

وبالنسبة لبوتين، فهو الرجل الذي تعكس أدنى وأدق تصرفاته وكلماته، أنه لا يزال وفيًا لما اكتسبه من خبرات وتدريبات منذ لحظة ولوجه في هذا الجهاز عام 1975، وهو نفسه الذي يعد برهانًا دامغا على أن القول المأثور “إن ضابط المخابرات لا يتقاعد”، هو حقيقة واقعية للغاية.

وبناءً على مهاراته الخاصة التي كانت جلية منذ نعومة أظافره بأيام دراسته الأولى للقانون في جامعة مدينة ليننجراد، مرورًا بعمله الاستخباراتي، وصولاً إلى لحظة وقوع اختيار الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين عليه ليكون خليفته، حتى اللحظة الراهنة. فإنه من المستحيل أبدًا تخيل فكرة أن يتخلى بوتين تمامًا عن العمل السياسي، أو أن يبتعد لوهلة عن خدمة بلاده في أي موقعٍ كان.

إذا، تحدث بوتين عن احتمالات اختيار خليفة جديد له، ولا تعد هذه هي المرة الأولى التي يثار بها الحديث عن هذا الأمر. فقد أثيرت هذه المسألة من قبل في عدد من المواقف المختلفة على فترات متباعدة، لكن يذكر أن بوتين كان عادة ما يتلقى انتقادات في كل مرة تثار بها هذه المسألة، من قبل الصحافة الغربية التي تتهمه بالتشبث بالحكم وعدم نية الرحيل.

وما بين انتقادات الأمس والحاضر والغد حول نفس المسألة، يُثار هنا التساؤل ذاته، حول أيهما أجدر، أن يبقى رئيسًا محترفًا في منصبه لفترة طويلة من الزمن قد تستمر لما يزيد عن عشرين عامًا؟ أم اتخاذ الخطوة الجريئة والإقدام على تبديله بآخر، قد يُثبت في نهاية المطاف عدم جدارته بالمنصب، ودفع الثمن من وراء ذلك غاليًا، فقط لمجرد تطبيق قاعدة التغيير المستمر للرؤساء والمعمول بها في بلدان أخرى؟

نرى أن الرد على هذه المفاضلة لن يكون موجودًا عن أي طرف آخر عدا الشعب الروسي نفسه، فهو وحده المنوط به اتخاذ القرار الحاسم في هذا الصدد. وصحيح أن محللين عرب وأجانب، لطالما أسهبوا في وضع سيناريوهات محتملة لفترة ما بعد بوتين في ضوء معطيات أخرى كثيرة سابقة. لكن الحقيقة أن غالبية تصريحات الرئيس الروسي، بالأمس، حول هذا السياق، تبدو هي الأقرب إلى الواقع والمنطقية من حيث إمكانية تطبيقها. فقد تحدث الرئيس الروسي عن اختياره لخليفة، وتقديم الدعم له، وعن احتياج هذا الخليفة للعثور على الكلمة النهائية من الشعب، أوليس هذا التسلسل الزمني يجعل اليوم أشبه بالبارحة؟

وفي دورة حياة التاريخ، لطالما رأينًا قصصًا جديدة تبدأ من عند ذات النقطة التي انتهت عندها القصص القديمة. لذا ليس من المستبعد أن يسير الرئيس بوتين على خُطا سلفه في مسألة اختيار خليفة له، وليس من المستبعد أن يكون حديثه عن وطنية الخليفة الجديد صدقًا، ولم لا؟! وقد برهن بوتين نفسه في مواضع كثيرة ومختلفة عبر مسيرة عمله المديدة على حبه الأوحد لبلاده. كما أظهر نفس درجة التكريس للوطن، التي عادة ما يتحلى بها رجال المخابرات في كل دول العالم، وهم الذين يخرجون من أوطانهم حاملين أرواحهم على أكفهم من دون ثقة أكيدة بعودتهم مرة أخرى سالمين.

إذاً، من المرجح أن كلمات بوتين عن الخليفة المنتظر له، هي الأقرب للحقيقة، وهي الأقرب للواقع، ومن المعروف أن أحدا لا يعيش للأبد أو بمعنى آخر حتى وإن حدث وعاش بوتين عمرًا مديدًا مثل الرئيس الروسي الأسبق “ميخائيل جورباتشوف”، الذي لايزال على قيد الحياة حتى يومنا الحالي ويبلغ من العمر 90 عامًا. فإن بوتين من المُحتمل أن يتنحى عن الحكم بإرادته في هذه الحالة، وعندها سيحيل نفسه بنفسه إلى وظيفة سياسية عليا أو منصب آخر بديل، يستطيع من خلاله أن يظل في الصورة متابعًا للأحداث، فهو كما قُلنا عنه “رجل مخابرات”، ورجال المخابرات في نهاية المطاف لا يتقاعدون. مما يجعل من الأحاديث التي تتكهن بأن بوتين يعد، في الوقت الراهن، خليفة مناسب له، حقيقية بشكل أو بآخر. فهو خير من يُدرك حجم الدور المحوري الذي لعبه هو منذ توليه منصب الرئاسة في تغيير مستقبل بلاده نحو الأفضل، لذا فليس من الممكن أن يُخطط للحظة رحيله ويترك للأمور احتمالا وحيدًا ضئيلاً بأن تنهار من بعده. لكن المؤكد أنه بلحظة رحيله سيكون قد أمن لنفسه موضعا بديلا يظل من خلاله على مقربة من موقع صناعة القرار.

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى