السد الإثيوبي

النص الكامل لخطاب مصر إلى مجلس الأمن الدولي بشأن سدّ النهضة (11يونيو 2021)

ترجمة وعرض: أسماء عادل – نسرين الصباحي 

قدّمت مِصر مُذكرةً لمجلس الأمن الدولي بشأن سدّ النهضة الإثيوبي، وشملت هذه المُذكرة مُلخصًا تنفيذيًا ومُقدمة، وهي عبارة عن جزأين؛ الجزء الأول، نظرة عامة على عقد من المُفاوضات حول سدّ النهضة، بما في ذلك لجنة الخبراء الدوليين (IPoE)، وبيان مالابو واللجنة الوطنية الثلاثية (TNC)، واتفاقية إعلان المبادئ عام 2015 (DOP)، واللجنة الوطنية الثلاثية، وآلية الأطراف التسعة والدراسات التي أوصى بها إعلان المبادئ، والمجموعة الوطنية المُستقلة للبحث العلمي (NISRG)، وجهود الوساطة التي قدمّتها الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة البنك الدولي واتفاقية واشنطن. بالإضافة إلى ذلك، جولة المُفاوضات برعاية رئيس وزراء السودان “عبد الله حمدوك”، وجلسة مجلس الأمن بشأن سدّ النهضة، والمُفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي. 

أما الجزء الثاني فيشمل الجوانب الفنية لمُفاوضات سدّ النهضة، وتقييم آثار ملء وتشغيل خزان السدّ على مصر، والآثار الاجتماعية والاقتصادية. وتحتوي المُذكرة على مُرفقات مهمة، وهي:   

  1. النظام الهيدرولوجي لحوض النيل.    
  2. البيان المُشترك لجمهورية مصر العربية وجمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية (2014).
  3. اتفاقية إعلان المبادئ عام 2015 (DOP).
  4. رسالة بتاريخ 19 ديسمبر 2017 إلى محمد عبد العاطي وزير الري والموارد المائية من سيليشي بيكيلي وزير المياه والري والكهرباء الإثيوبي بشأن على خطة الملء الإثيوبية لسدّ النهضة. 
  5. نتائج الاجتماع الثاني لوزراء الخارجية والمياه ورؤساء المخابرات في مصر وإثيوبيا والسودان.
  6. الوثيقة الختامية للاجتماع الثالث للمجموعة الوطنية المُستقلة للبحث العلمي (NISRG) بتاريخ 20-21 يوليو 2018.
  7. بيانات مشتركة صادرة عن مصر وإثيوبيا والسودان والولايات المتحدة الأمريكية بعد الاجتماعات الوزارية التي عُقدت في واشنطن العاصمة.
  8. اتفاق بشأن المبادئ التوجيهية والقواعد لملء وتشغيل سدّ النهضة، وقعّت عليه جمهورية مصر العربية بالأحرف الأولى في واشنطن العاصمة في 28 فبراير 2020.
  9. بيانا مكتب الاتحاد الأفريقي الاستثنائي لاجتماع رؤساء الدول والحكومات بشأن سدّ النهضة في 26يونيو 202 و21يوليو 2020.

أولًا: مُلخص تنفيذي ومُقدمة

طوال عقدٍ كامل، منذ أن أعلنت إثيوبيا من جانب واحد عزمها على بدء بناء سدّ النهضة الإثيوبي الكبير (GERD) في أبريل 2011، انخرطت مصر في مفاوضات مُكثفة وشاقة حول هذا المشروع، وكانت سياسة مصر بالتركيز على مجموعة من الأهداف خلال هذه المفاوضات:  

  1. سعت مصر إلى دعم إثيوبيا لتحقيق أهدافها التنموية من خلال توليد الطاقة الكهرومائية من سدّ النهضة وفق مبدأ عادل ومتوازن ومتبادل بمُوجب اتفاقية مفيدة لملء وتشغيل السدّ على أساس مبدأين؛ تقاسم الأعباء والمنافع، وتستند هذه الاتفاقية إلى مبادئ القانون الدولي، وينبغي أن تُحافظ على حقوق ومصالح الدول الثلاث على ضفاف النيل الأزرق.
  2. وعملت مصر للتوصل إلى اتفاق يحمي دول المصب والمجتمعات ضد الآثار السلبية (الاجتماعية والاقتصادية والبيئية) لهذا المشروع على مصر. 
  3. تعكس أهداف سياسة مصر الخارجية التزام مصر الثابت بدعم دول الحوض النيل لمُتابعة النمو الاقتصادي والتنمية من خلال تسخير موارد نهر النيل وإنشاء محطات المياه ومشاريع الطاقة الكهرومائية، مع ضمان ألا تسبب هذه المشاريع ضررًا كبيرًا على مصر في استخداماتها المائية أو التكاليف الاقتصادية، إذ تعتمد مصر تعتمد كليًا على نهر النيل لبقائها، وتحصل على 97٪ من مياه نهر النيل.    
  4. وبناءً عليه، انخرطت مصر في عملية تفاوضية استمرت عقدًا من الزمان للتوصل إلى اتفاق بشأن سدّ النهضة، فعملت مصر على التكيف مع مخاوف إثيوبيا وقدمت مُقترحات لا حصر لها للقواعد الفنية التي تحكم ملء وتشغيل السدّ الذي يضمن أن إثيوبيا ستُعظم توليد الطاقة الكهرومائية في جميع الظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق، وتقليل الآثار السلبية لسدّ النهضة. ولذا، سعت مصر إلى تضمين اتفاق سدّ النهضة مجموعة من التدابير الوقائية بهدف تخفيف الآثار السلبية لسدّ النهضة، لا سيما تأثير عملية الملء والتشغيل على توافر المياه في مصر.

 وفى هذا السياق، تُشير الدراسات حول التأثير المُحتمل لسدّ النهضة على الأمن المائي لمصر أنه إذا تم ملء هذا السدّ وتشغيله من جانب واحد، وفي غياب حالة التعاون والاتفاق على قواعد الملء وآليات التخفيف، يمكن أن تُعاني مصر من نقص المياه التراكمي لأكثر من 123 مليار دولار متر مكعب على مدى عشرين سنة. فضلًا عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية، ووفقًا لدراسات الخبراء الدوليين التي أثبتت أن نقص المياه مليار واحد متر مكعب من المياه فقط في مصر ستؤدي إلى فقدان 290.000 شخصًا دخولهم، و130.000 هكتار من الأراضي الزراعية، وزيادة 150 مليون دولار في الواردات الغذائية، وانخفاض 430 مليون دولار أمريكي من الإنتاج الزراعي. 

وبالمثل، أشارت دراسة أخرى إلى آثار سدّ النهضة المُتمثلة في؛ انخفاض الإنتاج الزراعي والوظائف، وزيادة حالة الفقر، وتفاقم حدة التوترات الاجتماعية، وتدهور الظروف المحلية، وتحفيز الهجرة من الريف إلى المناطق الحضرية وخارج مصر بما في ذلك الهجرة غير الشرعية، وتزايد مُعدلات الجريمة.

وعلى الرغم من النوايا الحسنة لمصر لم ترد إثيوبيا بالمثل، بل تبنت إثيوبيا سياسة المراوغة والعرقلة، وهو ما اتضح خلال العقد الماضي من المفاوضات، والتي تَمت مُناقشتها بالتفصيل في الجزء الأول من هذه المذكرة، وقد عُقدت هذه المفاوضات في أشكال مختلفة، بما في ذلك مُحادثات ثلاثية ومُفاوضات مع وسطاء دوليين بقيادة الاتحاد الأفريقي.

ولكن، في كل جولة من جولات المفاوضات، عكست مواقف إثيوبيا عدم وجود الإرادة السياسية اللازمة للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن بشأن سدّ النهضة، واعتمدت إثيوبيا على سياسة تهدف إلى فرض الأمر الواقع واستكمال أعمال بناء وتشغيل السدّ حتى لو يضر ذلك بمصالح دول المصب. علاوةً على ذلك، يستند موقف إثيوبيا بشكلٍ واضحٍ إلى الرغبة في إجبار شركائها في دول المصب على توقيع اتفاق غير عادل ومن جانب واحد، واستعداد إثيوبيا لاستنتاج جميع مزايا سدّ النهضة في الاتفاق، دون أن تكون على استعداد للالتزام بأي تدابير من شأنها أن تُوفر أي حماية لدول المصب، ويتجسد ذلك في المقترحات الفنية لإثيوبيا وموقفها حول القضايا القانونية التي يتم التفاوض عليها. وتسعى إثيوبيا أيضًا إلى استخدام اتفاق سدّ النهضة كوسيلة لتقنين وتكريس حق غير مُقيد في القيام في المستقبل ببناء مشاريع لسدود أخري، دون اعتبار لتأثيرات هذه المشاريع.

واستنتاجًا لهذه الجولات من التفاوض خلال العشر سنوات الماضية، نلاحظ أن سدّ النهضة جزء من سياسة إثيوبية تهدف إلى تحقيق الهيمنة المائية على حوض النيل، فقد قوضت سياسات إثيوبيا كل الجهود المبذولة للتوسط في اتفاق بشأن سدّ النهضة، وهذا يشمل العملية التي يقودها الاتحاد الأفريقي والتي تم إطلاقها في يونيو 2020. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، ورئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي الرئيسان السابق والحالي للاتحاد الأفريقي، حالت سياسات إثيوبيا دون تحقيق أي تقدم خلال عام كامل من المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي. 

وتظل مصر مُلتزمة بالتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن بشأن سدّ النهضة. ومع ذلك، بالنظر إلى السجل الحافل لعقد من المفاوضات وفي ضوء موقف وسياسة إثيوبيا، ترى مصر أن التقدم لا يمكن أن يتحقق إلا بالمشاركة الفعّالة من خلال الوسطاء لتسهيل المفاوضات وتقديم الأفكار الأقرب للاتفاق بين الدول الثلاث في ظل الفشل المُستمر للتوصل إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل سدّ النهضة.

ثانيًا: نظرة عامة على عقد من مُفاوضات سدّ النهضة

أُقيم الاحتفال ببدء إنشاء سدّ النهضة في 2 أبريل 2011، وتم اتخاذ القرار ببناء سدّ النهضة من طرف واحد دون إخطار أو استشارة دول المصب (مصر والسودان) التي ستتأثر بإدخال مثل هذا المشروع على النيل الأزرق. ويُمثل ذلك اختراقًا إثيوبيًا لقواعد القانون الدولي سواء التقليدي والعرفي العام، وبمُوجبه عندما تُخطط أي دولة لإجراء محطات مياه رئيسة على المجرى المائي الدولي مُلزمة بإخطار الدول المشاطئة لها في المشاريع المُخطط لها، والدخول في مُشاورات لمراجعة مُواصفات تصميم هذه المشاريع. والغرض من هذه القواعد ليس منع أو عرقلة مشروعات التنمية لـدول المنبع، وإنما تحديد الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لهذه المشاريع، والاتفاق على تدابير التخفيف لتقليل الآثار السلبية من هذه المشاريع، إذ أكدّت محكمة العدل الدولية ضرورة القيام بتقييمات بيئية لآثار محطات المياه. 

  • لجنة الخبراء الدوليين (IPoE)   

بعد الإعراب عن قلق مصر بشأن البدء من جانب واحد في بناء سدّ النهضة، وافقت إثيوبيا على إنشاء لجنة الخبراء الدوليين (IPoE) لتقييم أثر سدّ النهضة، وتتألف لجنة الخبراء من عشرة خبراء، اثنين من كل دولة من الدول الثلاث وأربعة خبراء دوليين مُستقلين.

وأصدر مكتب المفتش العام تقريره في 31 مايو 2013. وكانت نتائج الاكتتاب مُقلقة للغاية، وأعربت اللجنة عن مخاوفها بشأن الدراسات التي أجرتها إثيوبيا بشأن سدّ النهضة، بما في ذلك السلامة الهيكلية للسدّ، وخصائص تصميمه، والنماذج الجيولوجية والهيدرولوجية التي استُخدمت في المُخططات الإنشائية، وعدم وجود تقارير أو دراسات لتقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي والبيئي لسدّ النهضة على دول المصب. وكذلك، وصف تقرير لجنة الخبراء الدراسات الإثيوبية بأنها لم تصل بعد إلى مستوى تفاصيل يلائم تطورًا بهذا الحجم. وأشار التقرير إلى أن التأثيرات المُحتملة على دول المصب من خلال استراتيجية حجز المياه لم يتم تناولها بشكل كافٍ.

ولذلك، أوصى تقرير لجنة الخبراء الدوليين بإجراء تقارير إضافية بما في ذلك إجراء تقييم شامل لتأثيرات مشروع سد النهضة على دول المصب على أساس نموذج محاكاة الموارد المائية/ الطاقة الكهرومائية من خلال التأثير الإيجابي والسلبي المحتمل، وينبغي تحديدها وتأكيدها من خلال دراسة تفصيلية وشاملة. علاوةً على ذلك، ضرورة إجراء مزيد من الدراسات لحالة دول المصب في مصر والسودان، ودراسة شاملة لمشروع سدّ النهضة في سياق نظام النيل الشرقي باستخدام نموذج نظام الموارد المائية / الطاقة الكهرومائية لتكون قادرة على تقييم وتحديد الآثار على دول المصب بالتفصيل.

وبشكل عام، أوصى تقرير اللجنة بتقييم الآثار البيئية والاجتماعية عابرة للحدود بشكل كامل (TEISA)، ودمج جميع المكونات التي تم تناولها سابقًا، وإجرائها بشكل مًشترك من قِبل الدول الثلاث من خلال الترتيب المناسب التي تقررها الدول الثلاث.

والأمر الأكثر إثارة للقلق تصريح اللجنة بشأن استقرار السدّ الرئيسي وضرورة التحقق من الهياكل الجيولوجية في ضوء حجم وأهمية برنامج تطوير البناء والتنمية، ولابد من إعادة نسخة مُحدثة من التقرير الرئيسي، مما يعكس كل التعديلات والتغييرات التي تم إدخالها حتى الآن. وليس لدي مصر معلومات يمكن التحقق منها بشكل مُستقل فيما يتعلق بتوصيات السلامة الهيكلية لسدّ النهضة.

  • بيان مالابو واللجنة الوطنية الثلاثية

خلال الأشهر التي أعقبت تقديم تقرير لجنة الخبراء الدوليين، لم يتحقق تقدم يُذكر في المباحثات بين مصر وإثيوبيا والسودان، وفي 26 يونيو 2014 أصدر رئيس مصر ورئيس وزراء إثيوبيا بيانًا مشتركًا في مالابو بدولة غينيا الاستوائية. وقد أدى ذلك إلى تشكّيل لجنة وطنية ثلاثية (TNC) تم تكليفها بالإشراف على إجراء الدراسات الإضافية التي أوصت بها لجنة الخبراء. وكذلك، تم الاتفاق على أن تعيِّن استشاري دولي للقيام بهذه الدراسات خلال هذه الفترة، وعقدت اللجنة الوطنية الثلاثية أربعة اجتماعات فشلت في تحقيق أي تقدم ملحوظ، ولم تنجح في تعييّن استشاري دولي بسبب عرقلة إثيوبيا المسائل الإجرائية مثل القائمة المُختصرة للخبراء الاستشاريين الدوليين، والجدول الزمني لاختتام الدراسات التي أوصى بها لجنة الخبراء.   

  • اتفاقية إعلان المبادئ عام 2015

لتجاوز هذا الجمود وتسريع عملية استكمال الدراسات التي أوصت بها لجنة الخبراء، تم الاتفاق على إعلان المبادئ بشأن مشروع سدّ النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان في الخرطوم في 23 مارس 2015، حيث تلزم المادة رقم (5) من هذه المعاهدة البلدان الثلاثة بتنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية، وتحترم النتائج النهائية لتقرير الجنة الوطنية الثلاثية حول الدراسات المشتركة التي أوصى بها التقرير الختامي للجنة الخبراء الدوليين طوال مراحل المشروع المختلفة. ويُحدد إعلان المبادئ الأغراض التي من أجلها سيتم استخدام الدراسات التي أوصى بها تقرير لجنة الخبراء. وذكرت أن الدول الثلاث يتوجب عليها الاستفادة من النتائج النهائية للدراسات المشتركة التي سيتم إجراؤها وفقًا لتوصيات اللجنة من أجل: 

  1. الاتفاق على المبادئ التوجيهية والقواعد الخاصة بالملء الأول لسد النهضة الذي يغطي كافة السيناريوهات المختلفة بالتوازي مع بناء سدّ النهضة.
  2. الاتفاق على المبادئ التوجيهية وقواعد التشغيل السنوي لسدّ النهضة.
  3. إبلاغ دول المصب بأي ظروف غير متوقعة أو عاجلة تتطلب تعديلات في مشروع سدّ النهضة من خلال الحفاظ على التعاون والتنسيق بشأن التشغيل السنوي لسدّ النهضة مع خزانات دول المصب عن طريق الوزارات التنفيذية المسؤولة عن المياه، ويجب إنشاء آلية تنسيق مناسبة فيما بينها. ويكون الخط الزمني لإجراء العملية المذكورة أعلاه 15 شهرًا من بدء الدراستين الموصى بهما من قبل لجنة الخبراء الدوليين. 

وعملًا بهذه الأحكام، فإن إثيوبيا مُلزمة بالتوصل إلى اتفاق يحكم ملء وتشغيل السدّ على أساس الدراسات التي أوصت بها لجنة الخبراء، والتي كان من المفترض أن تشرف عليها اللجنة الوطنية الثلاثية. علاوة على ذلك، تلزم هذه الأحكام إثيوبيا بعدم البدء في ملء خزان سدّ النهضة بدون اتفاق مع شركائها حول القواعد التي تحكم تلك العملية. في الواقع بالمادة رقم 5 في إعلان المبادئ قد يستمر بناء مشروع سدّ النهضة فيما يتم الانتهاء من الدراسات التي أوصى بها لجنة الخبراء، ولكن لا يمكن أن يتم الملء الأول بدون اتفاق على القواعد المنظمة لملء وتشغيل السد. 

أعلنت إثيوبيا مؤخرًا أنها تعتزم البدء في حجز المياه في خزان سدّ النهضة خلال صيف عام 2021 وبدء عملية الملء دون اتفاق مع دول المصب، وسعت إثيوبيا لتبرير هذا الموقف من خلال المادة رقم (5) من إعلان المبادئ، رغم أن السماح لملء سدّ النهضة من جانب واحد غير مُتسق مع المعني البسيط للنص وسياقه والغرض منه. وتنظم المادة رقم (5) عملية إجراء الدراسات الموصي بها من قبل لجنة الخبراء للاتفاق على قواعد تنظيم ملء وتشغيل سدّ النهضة.

  • اللجنة الوطنية الثلاثية وآلية الأطراف التسعة والدراسات التي أُوصى بها إعلان المبادئ

بعد التوقيع على اتفاقية إعلان المبادئ في مارس 2015 عُقدت جولات عديدة من المفاوضات للاتفاق على مستشار دولي لإجراء الدراسات التي أوصى بها لجنة الخبراء. وعلى مدار عام من المُحادثات تم توقيع عقد أخيرًا مع شركة BRLi الفرنسية في سبتمبر 2016 لاستكمال الدراسات التي أوصى بها لجنة الخبراء في غضون أحد عشر شهرًا. ومع ذلك، لم يتم التقيد بهذا الموعد النهائي بسبب مُراوغة إثيوبيا. بينما وافقت مصر على التقرير الاستهلالي، بينما رفضته إثيوبيا بسبب اعتراضها على خطط إجراء دراسات حول تأثير سدّ النهضة على دلتا النيل. وسعت إثيوبيا أيضًا إلى تغيير “سيناريو خط الأساس” الذي سيتم استخدامه كحالة مرجعية لقياس تأثيرات سدّ النهضة، وكان الموقف الإثيوبي مُخالفًا لتوصيات لجنة الخبراء واختصاصات شركة BRLi التي اتفقت عليها الدول الثلاث.

وخلال هذه الفترة، وفي دليل آخر على أحادية الجانب الإثيوبي، أرسلت إثيوبيا رسالة إلى مصر والسودان بتاريخ 19 ديسمبر 2017، حيث حدّدت خطة ملء سدّ النهضة، خلال 5-6 سنوات، وتم وضع خطة الملء من جانب واحد دون الأخذ في الاعتبار نتائج الدراسات التي أوصت بها لجنة الخبراء.

لتجاوز هذا الوضع، خلال اجتماع قمة لقادة مصر وإثيوبيا والسودان في يناير 2018، اقترحت مصر إنشاء آلية من تسعة أطراف تشمل وزراء الخارجية والمياه ومدراء وكالات المخابرات في الدول الثلاث للتداول حول سُبل التغلب على الخلافات حول عملية إجراء الدارسات المُوصى بها من لجنة الخبراء حول ملء وتشغيل خزان سدّ النهضة. 

اجتمعت آلية الأطراف التسعة مرتين، وقررت في اجتماعها الثاني يوم 15 مايو 2018 أن الدول الثلاث سترسل استفسارات وملاحظات إلى شركة BRLi فيما يتعلق بمسودة التقرير الأولي، وتم منح شركة BRLi ثلاثة أسابيع للنظر في هذه الاستفسارات والملاحظات، واستئناف الدراسات التي أوصى بها تقرير لجنة الخبراء. وتقرر ذلك إثيوبيا بصفتها رئيس اللجنة عبر الوطنية في تلك المرحلة، وستحيل هذه الاستفسارات والملاحظات إلى شركة BRLi في شكل بريد إلكتروني بواسطة أعضاء آلية الأطراف التسعة. ومع ذلك، رفضت إثيوبيا إحالة هذه الاستفسارات والملاحظات لشركة BRLi. ونتيجة لذلك، فشلت الجهود لاستكمال الدراسات التي أوصت بها لجنة الخبراء.

ويكشف سجل مسار هذه المفاوضات عن وجود نمط ثابت من السياسة الإثيوبية سواء في اللجنة الوطنية الثلاثية أو في مواقفها بخصوص تقرير شركة BRLi التأسيسي أو في عملية ملء سدّ النهضة التي طورتها إثيوبيا من جانب واحد، وكان الهدف العام لإثيوبيا فرض سياسة الأمر الواقع وتجنب أي قيود يتم وضعها على حرية التصرف فيما يتعلق بسدّ النهضة.

  • المجموعة الوطنية المستقلة للبحث العلمي (NISRG)   

بالرغم من عرقلة إثيوبيا ومراوغتها، اقترحت مصر خلال اجتماع آلية الأطراف التسعة الذي عُقد في 15 مايو 2018 بإنشاء مجموعة البحث العلمي المُستقلة (NISRG)، وهذه مجموعة غير حكومية تتكون من خمسة علماء من البلدان الثلاث، لعقد تسعة اجتماعات لمناقشة وتطوير سيناريوهات مختلفة تتعلق بقواعد الملء والتشغيل لسدّ النهضة. وفى البداية، حققت المجموعة بعض التقدم خلال الاجتماع الثالث الذي عُقد خلال الفترة 20 –21 يوليو 2018 في أديس أبابا، وتم الاتفاق على عملية الملء والتشغيل وفقًا للمبادئ الأربعة التالي:

  • اتباع نهج التكيف والتعاون فيما يتعلق بملء وتشغيل سدّ النهضة.
  • الاستفادة من الموارد المائية المُشتركة مع اتخاذ جميع التدابير المناسبة لمنع التسبب في ضرر كبير لدول المصب.
  • تطبيق حد أدني لضمان الإدارة المُستدامة من الأنظمة بمجرد وصول سدّ النهضة للحد الأدنى من مستوي التشغيل.
  • تحديد المُستويات الحرجّة في جميع السدود من خلال استخدام الخزانات الاحتياطية للتخفيف من الجفاف والجفاف المُمتد.
  • التنسيق المُشترك حول آلية التنبؤ والمُراقبة لجميع السدود.

وفّرت هذه المبادئ الأربعة الأساس لتطوير صيغة شاملة والاتفاق المُنصف والعادل بشأن ملء وتشغيل سدّ النهضة من خلال عملية مُتعددة الخزانات يتم تنسيقها مع دول المصب ومنشآت الطاقة الكهرومائية خاصةً السدّ العالي بأسوان، وبتطبيق هذا النهج سيضمن بطريقة تعاونية ومُنسقة المُشاركة في أعباء التكيف مع فترات الجفاف المُستقبلية.

ولكن، مثل مسارات التفاوض الأخرى، فشلت المجموعة بسبب تراجع الفريق العلمي الإثيوبي في الاجتماع الرابع بالقاهرة خلال الفترة من 9–10 أغسطس 2018 عن الاتفاقيات التي تم التوصل إليها خلال الاجتماع الثالث واعتمادها مواقف خارجة عن المبادئ الأربعة المذكورة سابقًا. وعلاوةً على ذلك، خلال الاجتماع الأخير للمجموعة في الخرطوم خلال الفترة من 30 سبتمبر إلى 3 أكتوبر 2019، أظهرت مُناقشات المجموعة أن الفجوة بين البلدان الثلاث آخذة في الاتساع بسبب تراجع إثيوبيا وإخفاقها في احترام الالتزامات والاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال الجولات المتتالية من مفاوضات المجموعة، وعدم احترامها جهود الوساطة من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة البنك الدولي واتفاقية واشنطن.

  • جهود الوساطة التي تبذلها الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة البنك الدولي

تتضمن المادة رقم (10) من إعلان المبادئ لعام 2015 الوساطة باعتبارها إحدى آليات تسوية المنازعات، ويُمكن للدول الثلاث الاستناد إلى هذه المادة للتغلب على الصعوبات في تنفيذ إعلان المبادئ. لذلك، في ظل استمرار فشل المُحادثات الثلاثية، دعت مصر الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة البنك الدولي للانضمام إلى المُحادثات والمُفاوضات بين البلدان الثلاث كوسطاء. وتبعًا لذلك، فإن الإدارة الأمريكية وجّهت دعوة إلى الحكومات الثلاث لحضور اجتماع وزاري في واشنطن العاصمة بتاريخ 6 نوفمبر 2019، وانطلقت عملية تفاوضية جديدة، حيث شارك ممثلو الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي كمراقبين لتسهيل المحادثات وسد الفجوة بين البلدان الثلاث.

وخلال أربعة أشهر من المباحثات المكثفة، أنجزت البلدان الثلاثة أكثر مما تحقق في خمس سنوات من المُحادثات منذ اختتام إعلان المبادئ لعام 2015، وتم التوصل إلى اتفاقات بشأن الجوانب الفنية المختلفة لملء وتشغيل سدّ النهضة، والبنية المؤسسية والقانونية لضمان التنفيذ الفعّال للاتفاقية، وتم تسجيل هذه الاتفاقيات في سلسة البيانات المُشتركة التي تم اعتمادها وإصدارها من قِبل الأطراف الثلاثة.

ومن ناحية أخرى، كانت هذه المفاوضات مُحبطة، حيث لم تؤد إلى توقيعّ اتفاقية نهائية مُلزمة بشأن ملء وتشغيل سدّ النهضة. وبينما وافقت إثيوبيا على العديد من المكونات الفنية والقانونية للاتفاقية، رفضت الاتفاقية الشاملة التي صاغتها الولايات المتحدة الأمريكية مع البنك الدولي، وكتعبير عن حسن النية، وقّعت مصر بالأحرف الأولى على اتفاقية واشنطن التي صاغتها الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي في 28 فبراير 2020، والتي قدمّت حلًا عادلًا ومتوازنًا لسدّ النهضة، ويتضمن البنود التالية:

أولًا: ملء خزان سدّ النهضة:       

تم الاتفاق على عملية ملء خزان سدّ النهضة على مراحل يتم تنفيذها بطريقة تكيفية وتعاونية تأخذ في الحسبان الظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق والتأثير المُحتمل على دول المصب. وبشكل عام، تُمكّن خطة الملء على أساس مراحل إثيوبيا من ملء سدّ النهضة على نطاق واسع في ظل الظروف الهيدرولوجية بما في ذلك، فترات الجفاف. علاوةً على ذلك، في السنوات التي يكون فيها العائد السنوي للنيل الأزرق في المتوسط ​​أو أعلى من المتوسط، تُمكّن خطة الملء إثيوبيا من إكمال عملية الملء في خمس سنوات.

وبناءً على طلب إثيوبيا، ستصل المرحلة الأولية لملء سدّ النهضة إلى مستوى 595 ملي أمبير ساعة “م.أ.س” على مدار عامين لاستيعاب احتياج إثيوبيا لبدء إنتاج الطاقة الكهرومائية على وجه السرعة، وقبلت مصر عتبة منخفضة للغاية ليتم تطبيقها خلال المرحلة الأولية من عملية ملء السدّ، الذي يصل خلاله منسوب المياه عند السدّ إلى 595 متر مكعب (18.4 مليار متر مكعب)، وإذا تم استيفاء هذه العتبة، فستكون إثيوبيا مُطالبة فقط بتأخير عملية الملء للسنة اللاحقة، وتم تحديد هذه العتبة عند تدفق نهر النيل عند 31.0 مليار متر مكعب، وفى الماضي لم ينخفض منسوب مياه النيل عند هذا الحد باستثناء عامين.

وتم الاتفاق أيضًا خلال هذه المرحلة الأولية على أن تكون تدابير التخفيف لحماية دول المصب إذا تزامن الجفاف الشديد مع المرحلة الأولى من الملء، إذ انخرطت البلدان الثلاث في مناقشات مستفيضة حول إجراءات وتدابير التخفيف التي يتعين اتخاذها خلال فترات طويلة من سنوات الجفاف، أو فترات الجفاف المُمتد التي قد تحدث خلال المراحل اللاحقة من عملية الملء. وفي 30 يناير 2020، بعد النظر في مواقف الدول الثلاث، اقترح الوسطاء الأمريكيون نصًا توفيقيًا يتضمن آلية تخفيف شاملة تتضمن كميات مُحددة من المياه التي سيتم إطلاقها من السدّ لمُساعدة دول المصب في مُعالجة ظروف الجفاف. في البداية، قبلت الدول الثلاث هذا النص التوفيقي، ولكن تراجع الوفد الإثيوبي في وقت لاحق وأعلنت إثيوبيا أنها لن تقبل النص الذي اقترحه وسطاء الولايات المتحدة الأمريكية. 

وكان رفض إثيوبيا لإجراءات التخفيف التي تفاوضت عليها الدول الثلاث وصاغتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع مجموعة البنك الدولي مخيبةً للآمال، فقد تم تصميم هذه التدابير لضمان أن إثيوبيا ستقوم بتوليد الطاقة الكهرومائية بأعلى مستويات الكفاءة الممكنة، بما في ذلك، فترات الجفاف والجفاف المُمتد، وضمنت الاتفاقية استمرار إنشاء سدّ النهضة للطاقة الكهرومائية بحد أدنى 80٪ من قدرتها. وحقيقة إن رفض إثيوبيا هذا الاقتراح يدل على أحادية الجانب، وعدم استعدادها للتعاون ورغبتها في ملء سدّ النهضة بغض النظر عن تأثيره على دول المصب.

ثانيًا: تشغيل سدّ النهضة:   

 تتضمن القواعد التشغيلية لسدّ النهضة في اتفاقية واشنطن ثلاثة مكونات؛ الأول: قاعدة عامة لتشغيل السدّ على المدي الطويل خلال الظروف الهيدرولوجية العادية. والثاني: آلية التخفيف للتشغيل السنوي طويل الأجل للسدّ خلال فترات الجفاف والجفاف المُمتد، والثالث: قواعد إعادة ملء سدّ النهضة.

فيما يتعلق بتشغيل سدّ النهضة على المدى الطويل خلال الظروف الهيدرولوجية العادية (أي عندما لا يُعاني نظام النيل الأزرق من حالات الجفاف أو فترات الجفاف المُمتد)، اتفقت البلدان الثلاثة على بقاء سدّ النهضة عند مستوى التشغيل الأمثل 625 ملي أمبير ساعة “م.أ.س”، وإطلاق الكمية الإجمالية من المياه الداخلة لخزان سدّ النهضة كل عام. وهذا يعكس حقيقة أن سدّ النهضة مشروع صُمم فقط لتوليد الطاقة الكهرومائية.

في 30 يناير 2020، اقترحت الولايات المتحدة ومجموعة البنك الدولي نصًا وحلًا وسطًا تضمن إجراءات وتدابير التخفيف التي سيتم تنفيذها خلال فترة طويلة من سنوات الجفاف، أو فترات الجفاف المُمتد، وتضمن هذه الإجراءات استمرار سدّ النهضة في توليد الطاقة الكهرومائية على الأقل 80٪ من قدرته خلال فترات الجفاف المُمتد، ولكن بعد قبول هذه المقترحات في البداية، تراجعت إثيوبيا ورفضت هذه الحلول والمقترحات، مما يدل على رغبة إثيوبيا في ملء وتشغيل سدّ النهضة دون الالتزام بأي إجراءات وتدابير لحماية حقوق ومصالح دول المصب. 

في الواقع، على الرغم من حقيقة أن الوثائق المتعاقبة التي اعتمدتها الدول الثلاث بما في ذلك البيانات المشتركة الصادرة في نهاية كل اجتماع وزاري عقد في واشنطن يشير إلى أن الاتفاقية النهائية يجب أن تتضمن قواعد الملء على المدى الطويل، فقد أعلنت إثيوبيا مؤخرًا عن تشغيل سدّ النهضة وأنها لن تدخل في أي منها، كما وصفت الترتيبات بأنها “العملية طويلة الأمد” لسدّ النهضة. ويكشف ذلك عن رغبتها في تشغيل السد بطريقة غير مقيدة وغير منظمة. 

ثالثًا: البنية المؤسسية: 

اتفقت الدول الثلاث على إنشاء آلية تنسيق تتألف من اللجنة الفنية واللجنة الوزارية، وتم تفويض هذه الآلية لرصد ومُراقبة والتحقق من تنفيذ الاتفاقية، والتأكد من تبادل البيانات الهيدرولوجية والتقنية بشكل فعّال.

رابعًا: المكونات القانونية والاستخدامات المُستقبلية:   

تم إجراء مناقشات مستفيضة حول أحكام تسوية المنازعات الخاصة بسدّ النهضة. بينما طالبت مصر بإدراج حل إلزامي للنزاع، أصرت إثيوبيا على قصرها على العمليات والمشاورات السياسية. في النهاية، اقترح وسطاء الولايات المتحدة الأمريكية نصًا يتضمن عناصر من الاستشارات السياسية، ورفضت إثيوبيا نص تسوية النزاع الذي اقترحته الولايات المتحدة.

وكذلك، رفضت إثيوبيا نصًا تم اقتراحه بشأن المشروعات المستقبلية في المرحلة النهائية من سدّ النهضة، وأكدّت مصر خلال مفاوضات سدّ النهضة أنها لا تملك مصالح في منع إثيوبيا من المشروعات المُستقبلية. ومع ذلك، لابد أن تكون المشاريع المستقبلية على النيل يحكمها مبادئ القانون الدولي، وتُواصل إثيوبيا رفض أي نوع من التنظيم القانوني لاستخداماتها المائية، وتسعى إلى إنشاء حق غير مُقيد في القيام بالمشاريع المستقبلية، بغض النظر عن التأثير على دول المصب، وأصرت إثيوبيا على حق أحادي لتغيير اتفاقية سدّ النهضة من أجل تنفيذ المشاريع المستقبلية، ومن شأنه منح إثيوبيا السيطرة الكاملة على النيل الأزرق.

مثل أي نص توفيقي عادل ومُتوازن، فإن الاتفاقية التي صاغتها الولايات المتحدة ومجموعة البنك الدولي غير كاملة ولا تُلبي احتياجات مصر. ومع ذلك، نظرًا لالتزامها السياسي للتوصل إلى اتفاق عادل، وفي ضوء حقيقة أن النص الذي أعده الوسطاء الدوليون عادل ومتوازن، اختارت مصر توقيعّ هذه الاتفاقية بالأحرف الأولى. ومن ناحيةٍ أخرى، رفضت إثيوبيا هذا النص وأعلنت من جانب واحد الشروع في ملء خزان سدّ النهضة وانتهاك التزاماتها بموجب إعلان المبادئ لعام 2015، وأعلنت نيتها مُواصلة المرحلة الثانية من عملية الملء في صيف عام 2021.  

  • جولة المُفاوضات برعاية رئيس وزراء السودان “عبد الله حمدوك”  

في أوائل أبريل 2020، اقترحت إثيوبيا أن تتفق البلدان الثلاثة على اقتصار قواعد الملء على العامين الأولين من عملية الملء، والاستمرار في التفاوض على عملية الملء في السنوات اللاحقة، ولم يتم قبول هذا الاقتراح من قِبل مصر والسودان. إذ، يتطلب إعلان المبادئ لعام 2015 من الدول الثلاث الاتفاق على اتفاقية شاملة بشأن ملء وتشغيل سدّ النهضة، ومدة الاتفاقية تبلغ عامين ولم تقدم أي حماية لحقوق ومصالح دول المصب.

وللتغلب على هذا المأزق الذي وصلت إليه المفاوضات، أطلق رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك جولة مُحادثات في الخرطوم استمرت عدة أسابيع من أواخر مايو حتى منتصف يونيو 2020، وخلال جولة المُحادثات، تبادلت الدول الثلاث العديد من المقترحات من أجل قواعد ملء وتشغيل سدّ النهضة.

  • جلسة مجلس الأمن بشأن سدّ النهضة  

في 29 يونيو 2020، عَقد مجلس الأمن الدولي جلسة بشأن سدّ النهضة، وكان انعقاد هذه الجلسة غير المسبوقة في تاريخ مجلس الأمن لمُناقشة الآثار السياسية لمشروع سدّ النهضة. وهذا يعكس إدراك المجتمع الدولي للأخطار الكامنة في السياسة الأحادية التي تسعى إثيوبيا إلى ممارستها للسيطرة على نهر عابر للحدود من خلال مشروع ضخم مثل سدّ النهضة، وهذا ينطبق بشكلٍ خاصٍ على منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل التي تُعاني من أزمات وصراعات مُتعددة، إذ عبّر مجلس الأمن عن تقديره واعترافه أن سياسة إثيوبيا الأحادية يمكن أن تُؤدي إلى وضع يُهدد السلام والأمن في المنطقة. 

خلال جلسة مجلس الأمن، أكدّت مصر موقفها الثابت بدعم حق دول المنبع في جهودهم لتحقيقه التنمية والازدهار، وسلطت الضوء على حقيقة أنها لم تعترض على بناء محطات المياه من قِبل دول حوض النيل، لكنها أيدت أهمية امتثال جميع الأطراف لقواعد القانون الدولي في تنفيذ هذه المشاريع. وكررت مصر التزامها بضرورة التوصل إلى حل تفاوضي بشأن سدّ النهضة واتفاق عادل ومتوازن لمزيد من التعاون والتكامل بين الدول الثلاث. مع ذلك، لن تتسامح مصر مع تعرض مصالحها الحيوية وسُبل عيش مواطنيها للتهديد، وأكدّت أن السياسة الإثيوبية المتمثلة في إقامة سيطرة غير مقيدة على النيل الأزرق ستؤدي إلى تقويض السلام والأمن في المنطقة.

  • مفاوضات سدّ النهضة برعاية الاتحاد الأفريقي          

بدأت المفاوضات بشأن سدّ النهضة برعاية الاتحاد الأفريقي بعد اجتماع على مستوى رؤساء الدول والحكومات المنعقد في 26 يونيو 2020، وترأسه رئيس جنوب أفريقيا “سيريل رامافوزا” بصفته رئيس الاتحاد الأفريقي، وقت ذلك، ودعا الأطراف إلى العمل بسرعة للوصول إلى تسوية سلمية تفاوضية ومقبولة للبلدان الثلاثة بشأن سدّ النهضة، وتعزيز المفاوضات الثلاثية من خلال دعوة المراقبين للمساعدة في مُعالجة القضايا الفنية والقانونية العالقة.

في 21 يوليو 2020، عُقد اجتماع إضافي للاتحاد الأفريقي على مستوى رؤساء الدول والحكومات لاستعراض التقدم المحرز في المفاوضات، وخلال هذا الاجتماع تم الاتفاق على أن الدول الثلاث ستعمل على وجه السرعة لوضع اللمسات الأخيرة على نص اتفاقية مُلزمة بشأن ملء وتشغيل سدّ النهضة، إذ عُقدت عدة جولات من المفاوضات كجزء من العملية التي قادها الاتحاد الأفريقي، ولكنّ فشلت في تحقيق أي تقدم خلال هذه المفاوضات نتيجة تبني إثيوبيا موقفها المتعنت على كلٍ من الجوانب الموضوعية  المتعلقة بقواعد ملء وتشغيل سدّ النهضة والإجرائية للمفاوضات، وتعكس عدم وجود إرادة سياسية للتوصل إلى اتفاق بشأن سدّ النهضة. فضلًا عن تقنين وتكريس حق غير مُقيد ومُنظم في استخدام موارد النيل الأزرق، حتى لو كان على حساب دول المصب.

 على سبيل المثال، عندما سعّت الدول الثلاث إلى تجميع مسودة اتفاق أولية لسدّ النهضة، قدّمت إثيوبيا مُقترحات بشأن الجوانب القانونية والفنية التي تُثبت عدم رغبتها في إبرام اتفاق مُلزم قانونًا، وفيما يخص الجوانب الفنية للاتفاق-أي القواعد الخاصة بملء وتشغيل سدّ النهضة- قدمت إثيوبيا مُقترحات واضحة لضمان جني فوائد اتفاقية سدّ النهضة بدون توفير أي حماية لمصالح دول المصب ضد الآثار السلبية لملء وتشغيل السدّ. 

ويتضح ذلك بشكلٍ خاصٍ في مسألة تدابير التخفيف من آثار الجفاف لحماية مصر والسودان. وبدون تدابير التخفيف المناسبة، سيؤدي ملء وتشغيل سدّ النهضة إلى إلحاق ضرر كبير بدولتي المصب خلال الفترات الجفاف. وقد أعربت إثيوبيا عن استعدادها لتضمين التخفيف من آثار الجفاف ضمن تدابير اتفاقية سدّ النهضة. ومع ذلك، تقتصر تدابير التخفيف من الجفاف المقترحة من قِبل إثيوبيا على حالات الجفاف التي لديها احتمالية حدوث مُنخفضة للغاية، وحتى في تلك الحالات، تدابير التخفيف المقترحة لا تُوفر أي حماية لدول المصب.

وعلاوةً على ذلك، تصر إثيوبيا على أن أي تدابير تخفيف إضافية لمُعالجة فترات لا ينبغي تحديدها في اتفاقية سدّ النهضة، بل يجب أن يكون موضوعًا للمناقشات المستقبلية بين الدول الثلاث. بينما تطالب مصر بقبول القواعد التفصيلية لملء وتشغيل سدّ التي تمكن إثيوبيا لتوليد الطاقة الكهرومائية، وإثيوبيا ليست مُستعدة للالتزام بأي شيء مُحدد بشأن تدابير التخفيف من الآثار السلبية لسدّ النهضة على مصر، وباختصار، عندما يأتي لمصالح مصر، إثيوبيا مُستعدة للتفاوض لأجل غير مُسمى ولكنها ليست مُستعدة للالتزام بأي شيء مُحدد.

وفيما يتعلق بالجوانب القانونية للاتفاق، فإن مواقف إثيوبيا تعكس عدم اهتمام بإبرام اتفاقية مُلزمة قانونًا وفعّالة من شأنها الحفاظ على مصالح البلدان الثلاثة، ويتضح ذلك في عدم استعداد إثيوبيا لقبول اتفاق مُلزم بموجب القانون الدولي، وترى أنه مجرد المبادئ التوجيهية والقواعد. ورفضت إثيوبيا عدة مقترحات سابقة لكلٍ من مصر والسودان.                           

وفى هذا السياق، إثيوبيا ليست مُستعدة لقبول آليات لصنع القرار من شأنها أن تضمن تسوية مُلزمة للنزاعات المتعلقة بتفسير أو تطبيق اتفاقية سدّ النهضة. وبالرغم من أن هذه المفاوضات تقتصر على ملء وتشغيل سدّ النهضة، تصر إثيوبيا على إدراج بند من شأنه السماح بالاستخدامات المستقبلية لسدّ النهضة، وتعديل اتفاقية سدّ النهضة من جانب واحد لتمكينها من تنفيذ هذه المشاريع في المُستقبل. ومع ذلك، يجب أن تمتثل هذه المشاريع لقواعد القانون الدولي، بما في ذلك مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، والالتزام بالتعاون وعدم إلحاق الضرر بدول المصب. كما تبنت إثيوبيا باستمرار موقف بشأن اتفاق يجوز إنهائه من جانب واحد في غضون فترة معينة بعد إبرامها (اقترحت إثيوبيا أن تكون هذه الفترة عشر سنوات، أي أن إثيوبيا يمكن إنهاء الاتفاقية بعد وقت قصير من الانتهاء من عملية الملء).

وقدّمت إثيوبيا مزاعم كاذبة حول ما يُسمى بالاتفاقيات أو المُعاهدات الاستعمارية لمنع استغلال موارد نهر النيل، وإن إثيوبيا ليست طرفًا في هذه الاتفاقيات، ولكنّ إثيوبيا طرف في الاتفاقية الأنجلو- إثيوبية لعام 1902، واتفاق عام 1993، وإعلان المبادئ لعام 2015، والتي وقعتها إثيوبيا جميعها بصفتها دولة مُستقلة ذات سيادة. علاوةً على ذلك. لم تقتصر مصر فقط على أي اتفاقيات ثنائية أو مُتعددة الأطراف، بما في ذلك اتفاقية مياه النيل لعام 1959. ومع ذلك، فإن إثيوبيا مُلزمة باحترام قواعد القانون الدولي، بما في ذلك مبدأ الإنصاف والاستخدام المعقول، والالتزام بعدم التسبب في حدوث ضرر بمصالح دول المصب.      

وقوضت إثيوبيا المفاوضات التي قادها الاتحاد الأفريقي باقتراحها في عدة مناسبات، بما في ذلك 4 أغسطس 2020 و8 يناير 2021، بضرورة وصول الدول الثلاث إلى إرشادات وقواعد تقتصر على الملء الأول لسدّ النهضة مع استبعاد القواعد التشغيلية لسد النهضة، واقترحت أيضًا في 8 أبريل 2021، ضرورة توافق الدول الثلاث على تبادل البيانات الفنية الخاصة بملء سدّ النهضة، دون الاتفاق على القواعد التي تحكم ملء أو تشغيل السدّ.

تتعارض هذه المقترحات مع نتائج اجتماعات الاتحاد الأفريقي الذي أكد أن الغرض من هذه المفاوضات إبرام اتفاق بشأن ملء وتشغيل سدّ النهضة.  وتتعارض هذه المقترحات أيضًا مع بنود إعلان المبادئ لعام 2015 الذي يتطلب من الدول الثلاث إبرام اتفاقية بشأن ملء وتشغيل سدّ النهضة. وعلى الرغم من أن هذه المقترحات قد تبدو بنّاءة، إلا أن الغرض منها إضفاء الشرعية على سياسة الأمر الواقع لإثيوبيا بحيث لا تفرض أي التزامات عليها ولا تُوفر أي حماية لمصالح دول المصب.

وتستلزم هذه المقترحات موافقة دولتي المصب على عملية ملء سدّ النهضة، والذي يتضمن حجز 50 مليار متر مكعب من المياه دون مُطالبة إثيوبيا باتخاذ أي تدابير للتخفيف من آثار عملية ملء وتشغيل سدّ النهضة، وبدون اتفاق يحدد القواعد الفنية التي تحكم ملء وتشغيل سدّ النهضة، فإن تبادل البيانات الفنية من شأنه أن يرقى إلى الاعتراف بملء إثيوبيا من جانب واحد لسدّ النهضة، وسيتيح لإثيوبيا آلية لإبلاغ مصر والسودان بخططها لتنفيذ عملية الملء دون تقديم حتى الضمانات الأساسية أو الحماية لمصالح دول المصب، وقد تكون آلية تبادل البيانات جزءًا من اتفاقية شاملة بشأن سدّ النهضة لضمان تنفيذ القواعد الفنية التي تحكم ملء وتشغيل سدّ النهضة.

 من الناحية الفنية والهيدرولوجية، من المستحيل توفيق عملية ملء وتشغيل سدّ النهضة بسبب آثار عملية الملء المُمتدة لفترة ما بعد الملء، حيث ستستنفد أكثر من 50 مليار متر مكعب من المياه من الاحتياطيات الاستراتيجية لمصر المخزنة في السد العالي بأسوان، وهذا سيجعل مصر أكثر عرضةً لتأثيرات فترات الجفاف سواء خلال عملية الملء أو فترات الجفاف والجفاف المُمتد، ومن الضروري أن تتضمن أي اتفاقية بشأن سدّ النهضة قواعد تضع تدابير التخفيف على المدى الطويل وآثار ما بعد عملية الملء، من خلال تقديم هذه المقترحات والبحث المستمر عن بدائل والدخول في مفاوضات بناءة حول ملء وتشغيل سدّ النهضة.

أضعفت إثيوبيا الثقة بين الأطراف، وكشفت أنها تفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة للتوصل إلى اتفاق عادل ومُلزم بشأن سدّ النهضة، وتم تقويض المفاوضات التي قادها الاتحاد الأفريقي بسبب الخلافات حول القضايا الإجرائية المتعلقة بدور المراقبين والخبراء المعينين من قِبل الاتحاد الأفريقي في ظل التزام مصر بالعملية التفاوضية التي يقودها الاتحاد الأفريقي، إّ جادلت مصر بأن عقدًا من المفاوضات أوضح أن المفاوضات الثلاثية وحدها لن تنجح وهناك حاجة إلى المُشاركة النشطة من شركاء إقليميون ودوليون. ومن ناحيةٍ أخرى، تسعى إثيوبيا إلى الحفاظ على المفاوضات الجارية، مع ضمان ألا تُحقق أي تقدم أو بلورة حلول للمسائل القانونية والفنية العالقة. 

كانت سياسة المراوغة الإجرائية لإثيوبيا واضحة خلال الاجتماع الوزاري الذي عُقد في كينشاسا خلال الفترة من 4 إلى 5 أبريل 2021، بهدف إعادة إطلاق المفاوضات بشأن سدّ النهضة من خلال الاتفاق على طريقة أكثر فعالية لإدارة المفاوضات، واقترح السودان تشكّيل الرباعية الدولية بقيادة جمهورية الكونغو الديمقراطية (الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي)، بما في ذلك شركاء من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة للتوسط بين الدول الثلاث. 

واقترحت مصر والسودان تسمية هذا الشكل 1 + 3 لتسليط الضوء على قيادة جمهورية الكونغو الديمقراطية والتأكيد على أن الشركاء الدوليين سيعملون تحت قيادتها. واقترحت مصر اختصاصات بديلة للعملية التي يقودها الاتحاد الأفريقي من خلال تسهيل رئيس الاتحاد الأفريقي المفاوضات مع السماح للخبراء المؤهلين المعينين من قِبل الشركاء الدوليين للمساعدة في تطوير حلول للمسائل التقنية والقانونية العالقة، لكنّ إثيوبيا رفضت كل هذه المقترحات.

باختصار، تَبنت إثيوبيا الموقف القائل بحضور رئيس الاتحاد الأفريقي وأي شركاء دوليين المفاوضات كمراقبين فقط. على الرغم من الادعاء بأنها تقبل “دورًا معززًا” للمراقبين، إلا أن الحقيقة إثيوبيا عارضت كل اقتراح من شأنه أن يمنح دورًا نشطًا لشركائنا الإقليميين والدوليين. وفي الشهرين اللذين انقضيا بعد اجتماع كينشاسا الوزاري، طلبت مصر في عدة مناسبات، عقد اجتماع للاتحاد الأفريقي لاستئناف المفاوضات، ولكن، لم يتم عقد مثل هذا الاجتماع، وأعلنت إثيوبيا في أواخر مايو 2021 أنها تعتزم الاستمرار من جانب واحد في ملء سدّ النهضة خلال صيف عام 2021، ويعد ذلك خرقًا إضافيًا لاتفاقية إعلان المبادئ لعام 2015، وهو عمل أحادي الجانب ترفضه مصر رفضًا قاطعًا.

الجزء الثاني الجوانب الفنية لمفاوضات سد النهضة وتقييمات لتأثير ملء وتشغيل سد النهضة على مصر

تستند رؤية مصر للقواعد المنظمة لملء وتشغيل السد على لتحقيق هدفين عامين:

  • الهدف الأول: التعاون مع إثيوبيا لضمان تحقيقها التنمية من خلال البدء على وجه السرعة في إنتاج الطاقة الكهرومائية وضمان التوليد المستمر والمستدام للطاقة الكهرومائية من سد النهضة.
  • الهدف الثاني: التأكد من أن قواعد ملء السد وتشغيله قابلة للتكيف مع للظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق. بما في ذلك عن طريق تسريع عملية التعبئة خلال السنوات الرطبة وإبطاء عملية الحشو سنوات جافة. وبالمثل، ينبغي لقواعد التشغيل أن تمكن البلدان الثلاثة بشكل جماعي التكيف مع الظروف الهيدرولوجية المتغيرة للنيل الأزرق، بما في ذلك فترات الجفاف الذي يضع ضغطًا أكبر على استخدامات المياه في اتجاه مجرى النهر.

توفر هذه الأهداف العامة أساسًا لاتفاق عادل يرضي مصالح وحقوق الأطراف الثلاثة. ويشير الخطاب إلى أن مصر مُستعدة لتحمل درجة معينة من الضرر، بما في ذلك تقليل احتياطيات المياه الاستراتيجية المخزنة في السد العالي بأسوان لضمان تحقيق إثيوبيا أهدافها التنموية من خلال توليد الطاقة الكهرومائية من السد بشكل سريع ومستدام. في المقابل، ينبغي أن تكون إثيوبيا مستعدة لاتخاذ تدابير التخفيف خلال فترات الجفاف أثناء ملء وتشغيل السد لأن هذه العمليات سوف تسبب انخفاضًا ملحوظًا في قدرة مصر على معالجة موجات الجفاف المستقبلية في النيل الأزرق.

يوضح جدول ملء سد النهضة حجز حوالي 50 مليار متر مكعب. وفقًا لذلك، فإن خزان السد العالي بأسوان سيفقد حوالي 50 مليار متر مكعب من المياه نتيجة ملء السد. هذا يمثل 56٪ من التخزين الحي للسد العالي بأسوان. سينطوي ملء سد النهضة أيضًا على خسائر إضافية تصل إلى حوالي 6.5-15 مليار متر مكعب. هذا يعني أنه حتى لو ظل العائد السنوي للنيل الأزرق عند مستويات متوسطة طوال فترة ملء السد، ستفقد مصر كمية كبيرة من مياهها الاستراتيجية المخزنة في السد العالي بأسوان. يظهر هذا في الرسم البياني التالي، والتي يوضح أن ملء السد سيؤدي إلى انخفاض واضح في المياه المخزنة فيه السد العالي بأسوان، حتى في الظروف الهيدرولوجية العادية / المتوسطة.

يوضح هذا الرسم البياني مدى صمود السد العالي بأسوان (أي قدرته على المعالجة ظروف الجفاف) بسبب ملء سد النهضة، حيث ستكون مصر معرضة بشكل متزايد لتأثيرات الجفاف في المستقبل. تدعو مصر إثيوبيا إلى اتخاذ أي تدابير للتخفيف خلال فترات شديدة والجفاف لفترات طويلة، وتتوقع مصر أن تتخذ إثيوبيا إجراءات تخفيف فعالة وتدابير لمعالجة موجات الجفاف الشديدة والممتدة، والتي لن تتمكن مصر من معالجتها بسبب انخفاض مستوى التخزين في السد العالي بسبب ملء السد. إذا تزامن الجفاف مع ملء سد النهضة، فقد يكون التأثير على مصر كارثي.

في الختام، أن هذا الخطاب بمثابة ملف متكامل لدى مجلس الأمن حول قضية سد النهضة ورؤية مصر إزائها؛ وذلك ليكون بمثابة مرجع للمجتمع الدولي حول هذا الموضوع، ولتوثيق المواقف البناءة والمسؤولة التي اتخذتها مصر على مدار عقد كامل من المفاوضات، ولإبراز مساعيها الخالصة للتوصل إلى اتفاق يراعي مصالح الدول الثلاث ويحفظ حقوقها.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى