الأمريكتان

“كامالا” في جواتيمالا.. “من دمر البيت أولى باستضافة أهلُه”

غادرت نائبة الرئيس الأمريكي، ” كامالا هاريس”، في أول رحلة عمل خارجية لها باتجاه دولتي “جواتيمالا” و”المكسيك”، في 7 يونيو الجاري، في توقيت ترزح فيه البلدان تحت وطأة تفشي فيروس كوفيد، وتسوء أوضاعهما بالشكل الذي يجعلهما قوة طاردة للمهاجرين باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية.

ويعد انتقاء جواتيمالا كوجِهة أولية لكامالا أمرًا مفهومًا، خاصة بعد أن بلغت الاعتقالات بحق المهاجرين غير الشرعيين المتسربين إلى الولايات المتحدة عبر طول خط حدودها مع المكسيك، في إبريل الماضي معدلاً قياسيًا غير مسبوق منذ 15 عامًا، بعد أن تم اعتراض طريق نحو 180 ألف شخص، حضر أغلبهم من المكسيك أو مما يعرف بـ “المُثلث الشمالي”، والذي يضم بين حدوده “جواتيمالا، وهندوراس، والسلفادور”.  لذلك عهد الرئيس الأمريكي، “جو بايدن”، إلى نائبته “هاريس، بقيادة الجهود الدبلوماسية المرتبطة بهذا الملف منذ مارس الماضي، والتي غادرت بدورها إلى جواتيمالا أملا في عقد محادثات صريحة مع قادة المنطقة، ومنح الناس مزيد من الشعور بالأمل للبقاء في بلدانهم.

كما أعلنت وزارة العدل الأمريكية، بالتزامن مع زيارة “هاريس”، خطوات جديدة لمكافحة الإتجار بالبشر، بما في ذلك تشكيل فريق عمل مشترك لإنفاذ القانون، وتقديم مساعدات إضافية لحكومات أمريكا الوسطى، بغرض التصدي للمشكلات المتصاعدة في بلادهم.

كما تعتزم الولايات المتحدة كذلك، تقديم 40 مليون دولار لتمويل مبادرة لدعم مشاريع اقتصادية للحد من العنف القائم على النوع ضد الفتيات، بالإضافة إلى تخصيص مبلغ 48 مليون دولار إضافي لبرامج ريادة الأعمال والإسكان والأعمال التجارية الزراعية والقروض الصغرى.

“تاريخ دموي” من التدخل الأمريكي في القارة اللاتينية

توجد قاعدة راسخة في شتى العلاقات الإنسانية، مفادها أن الإنسان يبقى دائما على مقربة مما يُحب. وبالمثل، نجد أن القاعدة ذاتها حاضرة بقوة على نطاق العلاقات بين الدول الكبرى. والحُب في اللغة العربية، تمامًا كما في الحقيقة له درجات، تبدأ من عند لفظة “الحُب”، ثم “الوجد”، وتنتهي عند حد “العِشق”.

ولو نظرنا عبر التاريخ السياسي المُعاصر، لعرفنا أن ما يربط الولايات المتحدة الأمريكية بعلاقة مع النفط لا يمكن وصفه إلا بلفظة “العشق”، الذي يجعلنا نرى دائمًا الولايات المتحدة أينما حل النفط.

وهو ما يُفسر سبب الاهتمام الأمريكي الشديد ليس بشبه الجزيرة العربية فحسب، بل كذلك بالقارة اللاتينية الغنية بموارد النفط، والتي لطالما شهدت تدخلات سافرة من قبل الولايات المتحدة التي عكفت على مدار عقود مستمرة وممتدة على تغذية الصراعات المسلحة، والمساعدة في شن الانقلابات على الأنظمة السياسية للبلدان المختلفة في تلك القارة، أملاً في ضمان الاستمرار بتحقيق مصالحها من حيث الوصول المستمر لمصادر النفط التي تعد القارة مصدر غني للغاية بها.  

ففي الأرجنتين، وقع انقلاب عسكري بالرئيسة المنتخبة ديموقراطيًا “إيزابيلا بيرون”، عام 1976. وللعلم، لم يأت رد الفعل الأمريكي في شكل تنديد وشجب وإدانة كما العادة في كل هذه الانقلابات المناهضة للروح الامريكية الديموقراطية، بل حدث العكس تمامًا. فقد أيدت الولايات المتحدة هذا الانقلاب الذي نجم عنه حالات اختفاء قسري وصلت الى الآلاف، بالإضافة الى وقوع حالات انتهاك في حقوق الانسان بالجُملة؛ اشتملت على اغتصاب وعذيب واعدامات جماعية.

وفي بوليفيا، دعمت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية الانقلاب الذي وقع عام 1971، بقيادة الجنرال “هوجو بانزر”، والذي أطاح بالرئيس البوليفي “خوان خوسيه توريس”، بعد أن كان “تريس” اتخذ توجها مناهضا للسياسات الأمريكية.

ونتج عن هذا الانقلاب، انتهاكات في مجال حقوق الإنسان لا تقل وطأة عما شهدته فيما سبق. وقد أيدت الولايات المتحدة هذا الانقلاب علانية كذلك، بل والأكثر أنها قدمت للحكومة الانقلابية المساعدات العسكرية الملائمة لمساعدته على استكمال قمعه.

وفي البرازيل، دعمت الولايات المتحدة الأمريكية انقلاب ابريل 1964.

وفي تشيلي، دعمت المخابرات الأمريكية الانقلاب على الرئيس “سلفادور أليندي” عام 1973، بسبب ميوله الاشتراكية. وترتب على ذلك تولي الديكتاتور العسكري “أوجستو بونشيه”، للحكم على مدار سنوات ممتدة.  وفي الدومينيكان، لقي “رافائيل تروجيلو”، حتفه على يدي متمردين يحملون أسلحة أمريكية في مايو 1961، وهو الأمر الذي أعدته المخابرات الأمريكية نجاحاً ملموسًا لها في تغيير رأس السلطة في هذا البلد، وتحويله من ديكتاتورية شمولية إلى ديموقراطية على النمط الغربي.

وفي السلفادور، اندلعت الحرب الأهلية في السلفادور عام 1979، بعد أن “خلع” المجلس العسكري الحكومي الثوري، الرئيس “كارلوس أومبرتو”، في انقلاب عسكري مدعوم من قِبَل الولايات المتحدة.

وفي جواتيمالا، عاشت البلاد ما يقرب من 40 عامًا من الحرب الأهلية بسبب التدخل الأمريكي في شؤونها الداخلية. فقد وقع تمرد بين الفلاحين والعمال خلال النصف الأول من القرن العشرون بسبب الظروف المعيشية القاسية، وسوء المعاملة من الشركات الأمريكية المدعومة من الحكومة آنذاك. ثم تم قمع التمرد بوحشية شديدة، لكنه أدى إلى انتخابات ديموقراطية تولى “جاوكوبو أربينز”، من خلالها الحكم. وبعد ذلك، تمت الإطاحة بأربينز خلال انقلاب مدعوم من قبل الولايات المتحدة وقع عام 1954، وحلت محله حكومة استبدادية مدعومة من الولايات المتحدة، ثم انزلقت البلاد بعدها في الحرب الأهلية.

وفي نيكاراجوا، تدخلت الولايات المتحدة بشكل سافر في شؤون البلاد الى الحد الذي بلغت معه الأمور درجة الاحتلال الأمريكي للبلاد وصولاً الى عام 1933.

وفي بنما، استحوذت الولايات المتحدة على السيادة على مضيق بنما وصولاً الى عام 2000.

وفي بيرو، دعمت المخابرات الأمريكية الأنظمة الاستبدادية هناك. وفي باقية دول القارة، لا يختلف التدخل الأمريكي عما سبق ذكره، بل على العكس يُلاحظ دائما أنه كان تدخل يتسم بنفس الطابع ويحمل ذات الخطوط العريضة.

تصريحات كامالاً! ما بين ماضي منسي ومصالح أمريكية مأمولة

على الرغم من أن زيارة “هاريس”، تأتي في ظل إدارة “بايدن”، الذي تعهد بسياسات هجرة أكثر تساهلاً تتسق مع حقوق الإنسان، على خلاف السياسة المُتشددة لسلفه ترامب إزاء نفس المعضلة. إلا أن “هاريس” وقفت، يوم الاثنين 7 يونيو، في خلال مؤتمرها الصحفي بجواتيمالا، لتُخبر شعب جواتيمالا بأنه غير مُرحب بوجوده في بلادها.

وخاطبت كامالا، شعب جواتيمالا، قائلة “إلى أولئك الذين يُفكرون في أن يسلكوا الطريق الخطير إلى الولايات المتحدة.. لا تأتوا”.

ثم تابعت، “لا تأتوا، لا تأتوا، إذا اتيتم إلى حدودنا، ستتم إعادتكم” ، مؤكدة أن إدارة الرئيس “جو بايدن”، ستكثف جهودها لمكافحة الفساد في المنطقة، ضمن جهودها لمواجهة أسباب الهجرة، وأضافت كذلك؛ “أنا واضحة للغاية، علينا التعامل مع الأسباب الجذرية، وذلك ما أركز عليه”. وهي التصريحات التي واجهت انتقادات عديدة، حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، سواء من أعضاء بالحزب الجمهوري وغيره.

وفي ضوء كل ما سبق، يبرز أمامنا عدد من التساؤلات، حول هل تعد المساعدات الامريكية للقارة اللاتينية كافية بالقدر الذي من الممكن معه محو آثار التاريخ الدموي الذي ذكرنا آنفًا لمحات مختزلة للغاية عنه؟! سؤال آخر لا يقل أهمية عن سلفه؟ هل يجوز بعد كل الأحداث المُدمرة التي عكفت الولايات المتحدة الأمريكية على إحداثها في شتى بلدان القارة اللاتينية، والتي ترتبت عليها، آثار ممتدة حتى العصر الحالي، تتنوع ما بين فقر، وتفشي فساد، وتدني مستويات الحياة الآدمية، وغيرها من الظروف التي تدفع الناس للنزوح عن موطنهم الأصلي والهرب بحثًا عن مكان آخر بديل، أملاً في العثور على فرصة جديدة للحياة في شكل آدمي، أن تذهب نائبة الرئيس الأمريكي وتظهر علانية لتخبر أحد الشعوب المتضررة بشدة من التدخل الأمريكي في بلادها على مدار سنوات ممتدة، بكلمة “لا تأتوا”؟!

وهذه جميعها تساؤلات لا يُمكن الرد عليها، سوى بعبارة واحدة مفادها، “أن من خَرب البيت يتحتم عليه تحمل تكلفة استضافة سُكانه”.

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى