أفريقيا

“واقع داخلي مأزوم”.. إثيوبيا بين إجراء الانتخابات وتأجيلها للمرة الرابعة

21 يونيو المقبل هو الموعد المحدد للانتخابات البرلمانية الإثيوبية بعد التأجيل الثالث الذي بدأ منذ العام الماضي وكان إيذانًا ببدء التدخل المسلح في إقليم التيجراي مخلفًا كارثة إنسانية متمثلة في تعرض 350 ألف نسمه لمجاعة، واليوم تتجه البلاد لإقرار انتخابات وسط انتقادات ضخمة من المجتمع الدولي حيث يتم طرح فرضية تأجيل الانتخابات للمرة الرابعة ولكن هذه المرة بسبب الضغوطات الدولية. وإذا تم إرجاء الانتخابات مرة أخرى فسيكون التأجيل الرابع في سابقة هي الأولى من نوعها.

وعلى تلك الخلفية أعلنت رئيسة البرلمان الإثيوبي كيريا إبراهيم، استقالتها من منصبها، احتجاجًا على تأجيل الانتخابات للمرة الثالثة وذكرت كيريا في مقطع فيديو نشرته وكالة أفريقيا نيوز، أن استقالتها من منصبها، تأتي اعتراضا منها على أن الخيار المتبع في معالجة الأزمة الدستورية التي تشهدها البلاد ليس دستوريًا من الأساس.

لماذا يضغط المجتمع الدولي؟

الضغط الذي يمارسه المجتمع الدولي يأتي في سياق الوضع الإنساني المتردي في منطقة التيجراي ووجود الكثير من التحفظات حول وجود الحد الأدنى من معايير الشفافية والنزاهة التي ينبغي توافرها لإكساب الانتخابات الشرعية المطلوبة.

يأتي هذا في السياق الذي قالت فيه وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية أن هيئة الانتخابات الوطنية في إثيوبيا أرجأت الانتخابات للمرة الثالثة على التوالي بسبب انسحاب أحزاب المعارضة التي أعلنت انسحابها وفقًا لعدم وجود آلية لإجراء الانتخابات في إقليم التجراي نتيجة للصراع القائم ومنها جبهة تحرير “أورومو” وهي العرقية التي تمثل 45% من إجمالي السكان.

وأضافت الوكالة أن رئيسة هيئة الانتخابات الوطنية في إثيوبيا قالت إن الانتخابات تم تأجيلها لأسباب لوجستية وبسبب عدم استكمال طباعة البطاقات كما أن هناك حاجة للمزيد من التدريب للموظفين الذين سيقومون بإدارة العملية الانتخابية.

على جانب آخر هناك حالة من التخوف من أن يستنسخ “أبي أحمد” تجربة “صديقه الجديد” أو “عدوه القديم” “أسياس أفورقي” ويحكم لثلاثة عقود متتالية خصوصًا إذا ما كان يرى في النموذج الأريتيري نموذجا يستحق التبني. أضف إلى ذلك أن المعارضة ترى أن أبي أحمد من الممكن أن يلجأ إلى تزوير الانتخابات إذا ما رأى أن الأمور تتجه لخسارتها وهو نفس ما دفع به الاتحاد الأوروبي عندما أعلن في الرابع من مايو إلغاء كل الخطط المتعلقة بإرسال مراقبين أوروبيين لمراقبة الانتخابات الإثيوبية.

وقد أشار الاتحاد الأوروبي في بيانه إلى أن الحكومة الفيدرالية الإثيوبية لم تقم باستيفاء الشروط الأساسية لإجراء انتخابات تتمتع بالنزاهة والشفافية وخصوصًا تلك المتعلقة بأنظمة الاتصالات واستقلال البعثة وهو ما يعني أن الحكومة الفيدرالية تسعى لعرقلة عمل البعثة الأوروبية.

خصوصًا أنه بالإضافة إلى الظروف الأمنية والإنسانية المتردية اليوم في إثيوبيا، فإن الحكومة الفيدرالية قد دأبت منذ 2005 وحتى 2010 على تطبيق سياسة لتفريغ نتائج الانتخابات من مغزاها السياسي، عن طريق وضع قوانين تقلل من تأثير المعارضة في البرلمان حيث اشترطت حصول أي اقتراح أو طلب على نسبة 51% من أصوات الحاضرين بينما كانت النسب تصل إلى 20% في وقت سابق. أضف إلى ذلك أن الانتخابات القادمة إذا ما تم إجراؤها ستجرى وسط حالة من تصدع الأمن والجدليات الدائرة حول الملء الثاني لسد النهضة وكذلك وسط تفشي “كورونا”.

انتخابات بدون التيجراي

عندما نشب النزاع المسلح في إقليم التيجراي الذي ذهب إلى انتخابات منفردة في سبتمبر الماضي كان القائمون على الإقليم يرددون أن “أبي أحمد” وإن استطاع انتزاع “الضرس المؤلم” عن طريق التدخل المسلح في الإقليم فإنه لن يستطيع إيقاف النزيف ولكن أقرت الحكومة الفيدرالية استبعاد الإقليم من الانتخابات القادمة.

وجاءت التفسيرات المختلفة حول استبعاده بسبب التخوف من النزعات الانفصالية رغم أن ممثلي الإقليم قد صرحوا أكثر من مرة أنه ليس هناك أي نزعات للانفصال وأن الانتخابات التي أصر الإقليم على خوضها تأتي في ظل تنفيذ مبادئ الدستور ولكن في ظل التأكيد على عدم الاعتراف بالانتخابات التي أجراها الإقليم إضافة إلى الذهاب لانتخابات جديدة فإن الإقليم سيفكر في الانفصال الفعلي عن الحكومة الفيدرالية الإثيوبية.

وظهرت حالة من الزخم الدولي بعد تردي الأوضاع إلى هذه الدرجة في إقليم التيجراي حيث أصبح الشغل الشاغل للمجتمع الدولي في ظل هذه الظروف هو الأوضاع الإنسانية في إقليم التيجراي وليس لإجراء انتخابات تفتقد للنزاهة والشفافية وتعتبر النتيجة فيها محسومة إلى حد كبير.

وفي هذا الإطار خاطبت واشنطن، الجانب الإثيوبي وطلبت من رئيس الوزراء الإثيوبي الجلوس على مائدة المفاوضات والوصول إلى صيغة للتفاهم مع جبهة التيجراي قبل الذهاب للانتخابات المقبلة. وفي أول تصريح للمبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي ” جيفري فيلتمان” قال إنه إذا لم يتم احتواء الأوضاع في إثيوبيا فإن الأمور ستنزلق إلى أنفاق مظلمة ومنعطفات خطيرة بحيث تبدو الأوضاع السورية بمثابة لعبة أطفال إذا ما قورنت بالمستقبل الإثيوبي حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه.

ويبدو الوضع الحالي وقد حطم جميع آمال الشعب الإثيوبي الذي صفق لوصول أبي أحمد للسلطة في عام 2018 واعتبر أنه مقبل على عصر جديد من الانفتاح والازدهار ولكن الأمور لم تلبث أن تغيرت للأسوأ، وتتوافق النخب في الداخل مع توجهات واشنطن التي ترى أنه من الضروري التوصل لتوافق وطني قبل الذهاب لأية انتخابات مقبلة وأنه إذا كان قد تم تأجيل الانتخابات لثلاث مرات حتى الآن فما المانع من تأجيلها لمرة أخرى في سبيل الوصول لتوافق وطني.

وهذا التوجه النخبوي يواجهه توجه شعبي على الأرض حيث أن إجمالي الناخبين الذين تم تسجيلهم بنهاية إبريل 2021 وصل إلى 18 مليون ناخب من أصل 50 مليون ناخب لهم حق التصويت في إثيوبيا وهو ما يعد مؤشرًا كبيرًا على عدم رضاء الداخل الإثيوبي عن الأوضاع الحالية.

اللعب بورقة سد النهضة

 وسط كل هذه الأزمات الداخلية التي تنشغل بها إثيوبيا يبدو النظام الحاكم مصرًا على التصعيد في ملف سد النهضة في محاولة ربما لإلهاء الرأي العام الداخلي عن التردي الحاصل في الداخل الإثيوبي وقد أصبح من المعروف أن الإثيوبيين ينظرون إلى مشروع السد باعتباره مشروع قومي يصعب التنازل عنه أو التفريط فيه. وفي هذا الإطار يمكن تفسير البيان الأخير الصادر عن حزب الازدهار والذي تم فيه الربط بين الملء الثاني للسد وبين الانتخابات حيث ذكر البيان ان استكمال الجولة الثانية من ملء سد النهضة واستكمال الانتخابات الوطنية المقبلة بنجاح سيحددان مصير الإثيوبيين والبلاد بشكل عام.

أهمية الانتخابات الحالية.. والسياق الانتخابي

تستمد الانتخابات التي من المتوقع أن تحدث في 21 يونيو المقبل أهميتها من أن أنها الانتخابات الأولى منذ حل الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية في 2019 وهي الجبهة التي كانت مهيمنة على الحياة السياسية في إثيوبيا قبل أن يقوم حزب الازدهار على أنقاضها ويتولى زمام الأمور. إضافة إلى ذلك فإنها تعد الانتخابات السادسة منذ أن تحولت البلاد إلى الحكم المدني وقد يترتب عليها مصير النظام الفيدرالي في إثيوبيا وإلى أي مدى سيتمكن أبي أحمد من توطيد أركان حكمه. وإضافة على ما تقدم فإن الانتخابات ستجرى في سياق مختلف على عدد من الأصعدة.

ففي سياق المشهد الانتخابي الحالي، تسود حالة من ضعف التعاون الذي يصل إلى حد الانعدام في بعض الأحيان بين الحكومة المركزية والأقاليم وربما أدى ذلك إلى قلة عدد الناخبين الذين قاموا بالتسجيل في الكشوف الانتخابية إذا ما تمت مقارنته بالعدد الأصلي الذي يحق له الانتخاب وفي السياق الأمني فإن هناك حالة من الانفلات والاضطراب التي تجعل إجراء الانتخابات في ظروف آمنة شبه مستحيل في ظل الأوضاع الحالية حسب ما أفادت به الحكومة الإثيوبية.

فعلى حدة – لن يشارك إقليم تيجراي في الانتخابات المقبلة أما الأقاليم الحدودية فتشهد اضطرابات هي الأخرى وتحديدًا في إقليم عفار الإثيوبي وعفار الصومالي والمنطقة الغربية من إقليم أوروما تشهد اضطرابات هي الأخرى وكذلك شرق إقليم الأمهرة وهي اضطرابات يمكن أن تقوض الاستقرار السياسي في البلاد بأكملها حيث يمكن أن تتحول إلى نزاعات مسلحة مفتوحة مثلما حدث في إقليم التجراي ولا شك ان الأقاليم الحدودية تمثل قدر أكبر من الخطورة.

وعلى الصعيد السياسي فإنه بعد تأجيل الانتخابات للمرة الثالثة ترى قوى المعارضة أن هناك رغبة حقيقية لدى أبي أحمد لتقويض مشاركتها في الانتخابات وربما تنحيتها تمامًا وتستدل على ذلك بضعف أعداد الناخبين الذين قاموا بالتسجيل في أربع مناطق هي كليم ويليجا، وهورو جودورو، وشرق وغرب ويليجا. وسط وجود حالة من التضييق الحكومي على المعارضة السياسية والعمل على تأجيل صرف الأموال المخصصة للحملات الانتخابية للأحزاب الصغيرة. واعتقال قادة بعض أحزاب المعارضة مثل مؤتمر الأورومو الفيدرالي، وجبهة تحرير أورومو، وبالديراس من أجل ديمقراطية حقيقية، وعدد كبير من مناصريها وهو ما انعكس على قيام بعض أحزاب المعارضة بمقاطعة الانتخابات القادمة بالفعل.

ماذا لو جرت الانتخابات؟

هناك سيناريو يعد الأكثر ترجيحًا وهو فوز حزب الازدهار بأغلبية ساحقة بسبب امتلاك الحزب لقاعدة تنظيمية قوية وانتشاره على أرض الواقع في العديد من المناطق وبالتالي فإن وصوله للجمهور يعد الأفضل بين الائتلاف أو بين أحزاب المعارضة. ذلك إذا افترضنا أن الانتخابات ستجرى بشفافية ونزاهة ولكن يضاف إلى السبب الذي تقدم ذكره أن الحكومة الفيدرالية ستقوم بالإشراف على الانتخابات وسط موجة من انسحابات المراقبين الدوليين مما يعني أن فرضية تزوير الانتخابات فرضية قائمة.

وبطبيعة الحال يفضي هذا السيناريو إلى نتيجتين لا ثالث لهما الأولى هي طعن المعارضة في شرعية الانتخابات من أساسها وفي هذه الحالة فإنها يمكن أن تسوق الكثير من الحجج وهو ما يفقد أبي أحمد شرعيته ويدخل البلاد إلى نفق الفراغ الدستوري المظلم أما النتيجة الثانية التي قد تترتب على السيناريو الأول فهي إقرار نتائج الانتخابات وتمكن رئيس الوزراء المنتخب أبي أحمد من التحكم في كل مفاصل الدولة وفي هذه الحالة ربما تصدق السيناريوهات التي تروج إلى أن أبي أحمد يسعى إلى الحكم لمدة ثلاثين عام في استنساخ للتجربة الإريترية.

ووسط ضعف احتمالية حدوث السيناريو الثاني وهو فوز أحزاب المعارضة إلا أنه يبقى سيناريو لا يمكن إغفاله وأخيرًا فإن البديل عن السيناريوهين الأول والثاني هو تأجيل الانتخابات مرة أخرى وسط ضعف التجهيزات اللوجستية وانسحاب أحزاب المعارضة والتضييق عليها ولكن في كل الأحوال فإن تأجيل الانتخابات للمرة الرابعة قد يفضي إلى سيناريوهات كارثية حيث ترى أحزاب المعارضة أن التأجيل غير قانوني وغير دستوري وأن أبي أحمد يسعى لتقويض فرص المعارضة وتثبيت أركان حكمه لفترة ليست بالقليلة.

نحن إذًا أمام فرضيتين نهائيتين فيما يتعلق بالذهاب للانتخابات في 21 يونيو المقبل، الفرضية الأولى وهي إجراء الانتخابات بالفعل مع فوز حزب الازدهار وما ينعكس عن ذلك من نتائج تبنى على الطعن في شرعية الانتخابات من قبل المعارضة وحدوث حالة من الفراغ السياسي في إثيوبيا بسبب النزاع على السلطة أما الفرضية الثانية فهي تأجيل الانتخابات للمرة الرابعة وكما سبقت الإشارة فإنه في هذه الحالة ستدفع المعارضة أيضًا بعدم شرعية التأجيل وربما تدخل البلاد في نفق من الاضطرابات أيضًا، باختصار فإن رئيس الوزراء الإثيوبي أمام أمرين أحلاهما مر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى