مقالات رأي

محمد مرعي يكتب: المجال العام ومصادر المعلومات حول مشروع العاصمة الإدارية

المتابع عن قرب لتفاعلات المجال العام فى مصر بكل مكوناته، مع التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سيكتشف أن المجال العام أصبح أكثر صحيًا، خاصة مع تطور وتنوع مصادر إنتاج وضخ المعلومات حول مختلف القضايا للرأى العام الداخلى والخارجى، وسيكتشف أن أدوات التواصل الحكومى أصبحت أكثر احترافية وملاءمة لحالة العصر الذى نحياه، حيث الثورة الكبيرة فى وسائل التواصل الاجتماعى وتكنولوجيا الاتصالات، وسهولة الوصول لأى معلومة بكل سهولة، بل التفاعل معها وتغيير مسار القرارات. أصبحت وسائل التواصل الحكومى على تماس مباشر مع المتلقى من مختلف الشرائح الاجتماعية بفضل الثورة الرقمية، وبفضل ثورة الهواتف الذكية والبنية التكنولوجية التى سمحت بأن نصل فى مصر إلى أكثر من ٦٥ مليون مستخدم للإنترنت.
هناك مواقع إلكترونية وصفحات على المنصات الرقمية لكل المؤسسات والهيئات الرسمية فى مصر، أى نشاط حكومى وأى قرار وأى مشروع ستجد محتوى عنه منشورًا على هذه المواقع والمنصات. كم كبير من المعلومات المنشورة من السهولة الوصول إليه لقراءته لفهم طبيعة السياسات الحكومية فى مختلف الملفات، بجانب أن كل هذه الرؤى والسياسات الحكومية يتم نقلها أيضًا وتسويقها عبر وسائط أخرى وهى وسائل الإعلام التقليدية «التليفزيون والصحافة الورقية». لكن، رغم ذلك، لا تزال بعض الشخصيات الفاعلة «جزئيًا» فى المجال العام تجهل، عن قصد ودون قصد، طبيعة تعامل الدولة المصرية مع مختلف التحديات الداخلية والخارجية، وتروُج لأكاذيب وتحليلات لا تستند إلى أى حقائق ومعلومات صحيحة، فى شكل بدا معه أنها انطباعات وراؤها أهداف شخصية ضيقة. ووصل فى بعض الحالات أن هناك إصرارًا من بعض هذه الشخصيات على نشر الشائعات والأكاذيب وتقليب الرأى العام، وهى جريمة يعاقب عليها القانون، ولا تدخل نهائيًا فى باب حرية الرأى والتعبير الذى يكفله ويحميه القانون والدستور.
أتذكر محادثة مطولة منذ أكثر من عام ونصف العام مع سياسى مصرى كان ملء السمع والبصر وقت مبارك وكان قياديًا فى الحزب الحاكم وقتها، كان قد كتب منشورات فى حساباته الشخصية على «السوشيال ميديا» حول السياسة المصرية تجاه مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، وتحديدًا فيما يخص القرض الصينى، والافتراض من جانبه أن الموازنة العامة تتحمل إنشاء العاصمة. ووجدت أن معظم ما ذكره كان يستند إلى معلومات وتحليلات خاطئة؛ تواصلت معه هاتفيًا، وتحاورنا بهدوء، وللأمانة الرجل كان منصتًا جدًا، لكن وجدت أنه كان لديه فقر شديد فى المعلومات حول مشروع العاصمة، فقلت له إن الدولة لن تتحمل مليمًا واحدًا فى إنشاء هذا المشروع العملاق، الذى سنضمن معه فى النهاية عاصمة جديدة لمصر أراها العاصمة الاقتصادية لمصر التى تضاهى فى منافستها مدنًا كبرى فى العالم كـ«نيويورك ولندن» وغيرهما، تستوعب ١٠ ملايين مصرى، وستكون أفضل الحلول العملية لأزمة التكدس والزحام الخانق فى القاهرة التاريخية، وستكون بمثابة مركز المال والأعمال الأهم فى الشرق الأوسط وإفريقيا، ونقطة جذب وتوطين لمقرات الشركات الدولية فى مختلف القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية.
أما فيما يخص القرض الصينى البالغ ٣ مليارات دولار، الذى وقعته هيئة المجتمعات العمرانية مع مجموعة البنوك الصينية بقيادة بنك ICB الممولة لمشروع «حى المال والأعمال» بالعاصمة الإدارية الجديدة، والندب بعدها وترويج كذبة أن الحكومة كذبت علينا وأن الموازنة العامة تتحمل إنشاء العاصمة، ذكرت له أن الدولة أنشأت شركة مساهمة أطلقت عليها «شركة العاصمة الإدارية الجديدة» وهى المسئولة عن المشروع وبيع الأراضى والتعاقد مع شركات الإنشاء والبناء، وهى التى تضمن الانتهاء من مراحل المشروع وفقًا للجدول الزمنى الذى تم وضعه، بجانب- وهذا هو الأهم- توفير التمويل اللازم للمشروع بعيدًا عن ميزانية الدولة.
نجحت «شركة العاصمة الإدارية» فى بيع أراضى المشروع لعدد كبير من الشركات العقارية، بقيمة تتجاوز ١٥٠ مليار جنيه، وبدأت بعدها هذه الشركات فى إنشاء مشروعات عقارية، ونجحت فى التسويق لها وتحقيق مبيعات كبيرة رغم ارتفاع أسعار الوحدات، وهذا راجع إلى أنها اشترت الأراضى بأسعار مرتفعة.
استفادت «شركة العاصمة الإدارية» من قيمة بيع الأراضى فى استكمال إنشاء البنية التحتية والبدء فى إنشاء الحى الحكومى والهيئات الحكومية المختلفة، لكن حى المال والأعمال بالعاصمة- والمخطط له- يحتاج أموالًا كبيرة. فى نفس الوقت القرار واضح بعدم الاعتماد نهائيًا على ميزانية الدولة، ولا حتى عمل ضغط على الجهاز المصرفى المصرى لأخذ قروض من أى شركة تقوم على إنشاء حى المال والأعمال؛ فكان الحل التعاقد مع شركة «CSCEC» الصينية.
شركة «CSCEC» الصينية ومعها عدد من شركات المقاولات المصرية مسئولة عن إنشاء حى المال والأعمال بالعاصمة الجديدة الذى يضم: «٢٠ برجًا سكنيًا وإداريًا وتجاريًا وخدميًا، البرج الأيقونى وهو أعلى برج فى إفريقيا بارتفاع ٣٨٥ مترًا، ومنطقة الهايد بارك»، ليبقى السؤال: كيف سيتم تمويل إنشاء حى المال والأعمال الذى تقدر قيمة إنشائه بـ٣ مليارات دولار؟، فكان الحل بقرض تموله البنوك الصينية بقيادة بنك ICBC، تضمنه الحكومة المصرية ممثلة فى هيئة المجتمعات العمرانية، هذا القرض تسدده شركة العاصمة الإدارية بعد ذلك من بيع الوحدات فى حى المال والأعمال، وعليه تظل الموازنة العامة لا تتحمل أى عبء من المشاريع ولا حتى تسديد هذا القرض.
فى النهاية اقتنع هذا السياسى بأنه كان على خطأ، وكانت لديه الشجاعة للاعتراف بذلك، لأن الحديث كان مدعومًا بمعلومات منشورة بالفعل قبل ذلك فى بيانات حكومية وتصريحات رئاسية، أزمته التى وجدتها أنه لا يتابع، وبنى موقفه على انطباعات عامة من «السوشيال ميديا» ومن تصريحات لشخصيات على يسار السلطة بنت موقفًا رافضًا لإنشاء هذا المشروع منذ إعلان إطلاقه فى مارس ٢٠١٥، ولم يحاولوا بعدها إعادة النظر مرة أخرى فى مواقفهم بعدما أصبح المشروع واقعًا على الأرض، وبعدما تأكد الجميع أنه لن يُحمّل ميزانية الدولة جنيهًا واحدًا، وبعدما تأكدوا أنه لم يكن عائقًا لاهتمام إدارة السيسى بباقى القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والبنى التحتية والصناعة وغيرها.
تبقى كلمة أخيرة، إن هذا السياسى كان لديه حسن النية والقدرة على تقبل أنه كان على خطأ، وهو يختلف عن شخصيات أخرى تحدث جدلًا حاليًا حول ملفات عديدة بنشر أكاذيب وتحليلات مغلوطة عنها، مهما تحدثت معهم لا يقتنعون، لأنك تكتشف فى النهاية أن دوافعهم شخصية فى الأساس، يتعاملون بمنطق «فيها لاخفيها».

نقلا عن صحيفة “الدستور”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى