شرق المتوسط

الجمهورية النشطة … الحضور المصري في “شرق المتوسط”

كانت البداية في نوفمبر 2014، القمة المصرية- القبرصية – اليونانية الأولى، والتي وضعت أسس التعاون فيما بين الدول الثلاث، لمواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه الاستقرار والأمن والرفاهية في منطقة شرق المتوسط، كما عُدِت القمة إعلانا عن توجه الدولة المصرية نحو إضفاء بعد جديد في سياستها الخارجية يستهدف الانخراط بفعالية في معالجة ما تواجهه منطقة شرق المتوسط من تحديات، إلى جانب بحث سبل تحقيق الاستقرار والنفع المشترك، لاسيما في ظل ما تتمتع به المنطقة من مخزون هيدروكربوني، -تقدره منظمة المسح الجيولوجي الأمريكية بما بين 340 إلى 360 تريليون قدم مكعب، ويتراوح إجمالي قيمته المالية بما بين 700 مليار و3 تريليون دولار-، الأمر الذي يفتح باب المنافسة والصراع فيما بين دول المنطقة لحيازة أكبر عائد ممكن من تلك الثروة، وهو ما أدركته القيادة المصرية بأهمية انتهاج سياسة من شأنها تغليب آليات الحوار والتعاون، وذلك للحيلولة دون وصول المنطقة إلى منعطف عدم الاستقرار. 

وفي سبيل تعزيز مكانتها، يمكن القول أن الاستراتيجية المصرية في شرق المتوسط قد اعتمدت على تضافر أربع مسارات رئيسية شكلت تحركها وسياستها الفاعلة.

إعلاء قيم ومبادئ القانون الدولي

 منذ اللحظة الأولى للانخراط المصري في شرق المتوسط، عملت القيادة المصرية على أن تكون مبادئ القانون الدولي للبحار هي بوصلة تحركاتها في المنطقة. وعليه، أبرمت مصر مع الجانب القبرصي في ديسمبر 2013، اتفاق ” تقاسم مكامن الهيدروكربون” لتنظيم استغلال الثروات الهيدروكربونية من المكامن المشتركة بين البلدين، وقد صدق الرئيس المصري على الاتفاق في سبتمبر 2014. وفي أغسطس 2020، نجحت الدولة المصرية -بعد سنوات من المفاوضات – في إبرام اتفاق تعيين الحدود البحرية مع الجانب اليوناني. والتزامًا بهذا النهج أيضًا، رفضت مصر أي مبادرة تركية لترسيم حدودهما البحرية، يمكِن مصر من حيازة مساحات بحرية إضافية، ومن ثم توسيع مناطقها الاقتصادية في المتوسط، ولكن على حساب اليونان وقبرص، وهو ما ترفضه مصر بشكل كلي.

وعلى الرغم من الرفض والتنديد التركي المستمر لأي اتفاقات قانونية أبرمتها مصر مع جيرانها في منطقة المتوسط، ولكن مع ذلك أعربت تركيا -عبر العديد من المسؤولين الرسميين-عن تلقيها بإيجابية نشاط مصر في التنقيب ضمن حدودها البحرية في البحر المتوسط وفق احترام الحدود التركية. 

ففي أعقاب طرح مصر في 18 فبراير 2021 لأول مزايدة عالمية للتنقيب عن البترول والغاز الطبيعي واستغلالهما لعام 2021، تتابعت التصريحات التركية الرسمية التي تثني على نشاط الجانب المصري في منطقة المتوسط.  فوفقًا لوزير الدفاع التركي “خلوصي أكار”، فقد “احترمت مصر الحدود الجنوبية لجرفنا القاري، حتى بعد توقيع اتفاق مع اليونان وأن مصر نفذت أنشطتها دون انتهاك حدودنا ونحن نعتبر ذلك خطوة إيجابية”.

إن الإشارات الإيجابية التي يراها الجانب التركي لا تخرج عن كونها سياسة مصرية لم تتغير. فبالنسبة لاحترام مصر للجرف القاري التركي، ينبع الموقف المصري من التزامها بما أقره القانون الدولي للبحار، وبالتالي عند طرحها لمناطق التنقيب الحالية، فمصر ملتزمة التزامًا كليًا بحدودها البحرية فقط وليس من مبادئها الجور على حدود الغير.

التعاون سبيل نحو تحقيق الازدهار المشترك

 حظيت منطقة شرق المتوسط في إطار الجمهورية الجديدة باهتمام خاص ومكثف من قبل القيادة المصرية، وهو ما كان له انعكاس تمثل في عمل النظام المصري على تعزيز ودعم أطر التعاون سواء الثنائي أو متعدد الأطراف بالمنطقة، تجلى ذلك في العديد من المباحثات الثنائية التي جمعت مصر مع  العديد من الأطراف الدولية والإقليمية، والتي غالبًا ما تتوج باتفاقات أو آليات عمل تستهدف تعميق أواصر التعاون وتعزيز التشاور السياسي وتبادل الرؤي حول سبل التصدي للتحديات التي تواجه منطقتي شرق المتوسط، والشرق الأوسط.

على صعيد التعاون الثنائي، وقعت مصر وقبرص في سبتمبر 2018 اتفاقًا ينص على إقامة خط أنابيب بحرى مباشر بين البلدين لنقل الغاز الطبيعي من حقل أفروديت القبرصي إلى مصانع إسالة الغاز بمصر على ساحل البحر المتوسط لإسالته، وإعادة تصديره عبر مصر إلى الأسواق العالمية المختلفة .

وعلى صعيد التعاون متعدد الأطراف، عززت مصر إلى جانب شريكيها القبرصي واليوناني من آلية تعاونهما الثلاثي، وهو الأمر الذي يبدو جليًا عبر حرص الأطراف الثلاثة على عقد اجتماعاتهم الرئاسية الدورية – والتي بلغ عددها حتى أكتوبر 2020 نحو ثماني قمم رئاسية-، والتي يعد من أبرز نتائجها هو اتفاق الدول الثلاث في أكتوبر 2018 على إنشاء منتدى للغاز لدول شرق المتوسط تكون القاهرة مقرًا له، بحيث يضم الدول المنتجة، والمستوردة للغاز ودول العبور بشرق المتوسط، وهو ما تُرجم لاحقًا في يناير 2019، حيث الاجتماع الأول لوزراء طاقة الدول الأعضاء بالمنتدي(مصر، فلسطين، الأردن، قبرص، إسرائيل، اليونان، إيطاليا)، بمشاركة وزير الطاقة الأمريكي وممثل المفوضية الأوروبية لشؤون الطاقة وممثل للبنك الدولي. وفي سبتمبر 2020، تم الإعلان عن تحول المنتدى إلى منظمة إقليمية متخصصة في إدارة قضايا الغاز داخل منطقة شرق المتوسط.

يؤكد اختيار القاهرة لتكون مقرًا للمنظمة ما تتمتع به الدولة المصرية من ثقل ومكانة متميزة ليس فقط على صعيد علاقاتها ومكانتها في منطقة المتوسط، وإنما أيضًا على صعيد موقعها في سوق الغاز وطموحها بالتحول لتكون مصدر إقليمي للطاقة. من جانب آخر، فإن نجاح دول المنطقة في توطيد أواصر التعاون المؤسسي القائم فيما بينهم ضمن منظمة منتدى غاز شرق المتوسط، قد أسهم ليس فقط في توصل الدول الأعضاء إلى ترسيم حدودهم البحرية، وإنما نجح أيضًا في اجتذاب دول من خارج المنطقة للانضمام إلى المنظمة بصفة مراقب كالولايات المتحدة وفرنسا والإمارات العربية المتحدة، تلك الأمور مجتمعة من شأنها ترسيخ مكانة المنظمة كفاعل عالمي مؤثر في مجال الغاز، يُعادل منظمة الأوبك، ولكن لدول المتوسط، بما يسهم في دفع الشركات العالمية نحو التنقيب والاستثمار بالمنطقة.

التعاون لايغني عن الردع

 عملت مصر في سياق الجمهورية الجديدة على تعزيز قيمتها كفاعل له ثقل وتأثير نافذ، فإلى جانب التزام مصر بمبادئ القانون الدولي و تزكيتها للتعاون والحوار كسبل بديلة عن التنافس والصراع، ولكن كان لابد أن يكون هذا النهج مصحوبًا بإجراءات رادعة لضمان حماية السلام ودعم الاستقرار بالمنطقة. ولذلك، عملت القوات المسلحة المصرية على رفع جاهزيتها وانتشارها العسكري البحري على طول حدودها المتوسطية من رأس التين وأبوقير بالأسكندرية إلى بورسعيد، وذلك عبر تطوير قواعدها البحرية القائمة، وتدشين قواعد جديدة كقاعدة “محمد نجيب” التي تعد أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى تعزيز وتحديث الإمكانات العسكرية وذلك عبر تزويد البحرية المصرية بالعديد من القطع البحرية المتنوعة ما بين غواصات وزوارق صاروخية وفرقاطات متعددة المهام، بجانب الإضافة الأهم والتي تمثلت في امتلاك مصر لحاملتي مروحيات من طراز ميسترال، والتي تتيح للبحرية المصرية قدرات برمائية قتالية تسمح لها بتنفيذ عمليات متكاملة في نطاق بعيد عن القواعد البحرية المصرية.

إلى جانب الحضور العسكري الرادع، عملت الدولة المصرية على تعزيز علاقاتها العسكرية الأمنية مع شركاءها بالمتوسط بغرض حماية مصالحهم القومية ودعم جهود الأمن البحري والاستقرار والسلم في البحر المتوسط، ولردع أي تحركات معادية، وهو الأمر الذي تجلى في إجراء الجانب المصري لمناورات بحرية لاسيما مع كلًا من فرنسا (مثال: مناورة كليوباترا-2021 والتي أُجريت في مارس 2021)، واليونان ( مثال: مناورة “أليكساندر بوليس 2014” التي أُجريت في ديسمبر 2014، ومناورة ميدوزا والتي بدأت فعالياتها منذ ديسمبر 2015، وانضمت إليهم قبرص في يونيو  2018 (ميدوزا-6)، وأُجريت آخر جولاتها في ديسمبر 2020 (ميدوزا-10) بمشاركة عناصر من القوات الجوية والبحرية المصرية واليونانية والقبرصية والفرنسية والإماراتية، وكل من السعودية وأميركا والبحرين والسودان والأردن وإيطاليا وألمانيا بصفة مراقب).

الانخراط في بحث سبل تسوية النزاعات بالمنطقة

 تدرك الدولة المصرية أنه ما من سبيل لضمان استدامة الاستقرار والسلام بالمنطقة إلا من خلال تسوية النزاعات التي مازالت على رأس التهديدات المواجهة للمنطقة. وعليه، كانت المباحثات المصرية المستمرة مع الأطراف الإقليمية والدولية بهدف التوصل إلى سبل تسوية ومعالجة أزمات المنطقة، لاسيما في فلسطين وسوريا وليبيا.  

ومع ازدياد ثقل الجمهورية الجديدة داخل الإقليم، انخرطت الدولة المصرية بشكل أكثر فعالية لتحقق اختراقات إيجابية داخل العديد من الملفات بالمنطقة. ففي ليبيا، نجحت القيادة المصرية عبر جهودها التفاوضية في إصدار إعلان القاهرة يونيو 2020، الذي شكل النواة الأساسية التي دفعت الأطراف لوقف إطلاق النار، ومن ثم تمهيد الطريق نحو بحث سبل التسوية السياسية، الأمر الذي توج في مارس 2021 بتولي الحكومة الليبية الجديدة بقيادة عبد الحميد دبيبة لمهام عملها والمنوط بها توحيد مؤسسات الدولة وضمان عملية الانتقال بحلول موعد الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر2021.

وفي خضم التصعيد الأخير بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، نجحت الوساطة المصرية في فرض الهدنة بين الطرفين ومن ثم وقف إطلاق النار، بل ودعوة الأطراف الإقليمية والدولية إلى الانخراط في إعادة إعمار غزة بعد ما لاقته المدينة من دمار جراء التصعيد، كما تولت القيادة المصرية أيضًا ملف الحوار بين الفصائل الفلسطينية والذي تستهدف منه ترتيب البيت الفلسطيني وتشكيل قيادة وطنية فلسطينية موحدة.

وختامًا، فقد أدى تشابك العناصر السابقة إلى أن يكون للجمهورية الجديدة دور فاعل ومؤثر داخل منطقة شرق المتوسط، بشكل أجبر الجميع –حتى المختلفين مع النظام المصري- على احترامه وتقدير رؤاه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى