سياسة

العلاقات “المصرية الإسبانية”.. تاريخ من “التعاون البناء” تعززه “أزمات المنطقة”

أجرى رئيس الوزراء الإسباني “بيدرو سانشيز” اتصالاً هاتفياً بالرئيس عبد الفتاح السيسي يوم الثلاثاء 8 يونيو 2021 لبحث عدد من الملفات الإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك بين البلدين وعلى رأسها القضية الليبية.

وناقش رئيس الوزراء الإسباني “سانشيز” مع السيسي، الأزمة الليبية وفرص الحل وسبل تعزيز السلام في منطقة الشرق الأوسط، فيما تناول المسؤول الإسباني زيارته الأخيرة للأراضي الليبية الأسبوع الماضي والتي تعد القاهرة لاعبا أساسياً في حل النزاع فيها وفقاً لما صرحت به المتحدثة باسم الحكومة الإسبانية ماريا مونتيرو.

ووفقاً لما نشرته الصحف الإسبانية فإن “سانشيز” شكر السيسي، خلال حديثه معه، على مساهمته الفعالة والتي أدت لنجاح الوصول لاتفاق لوقف إطلاق النار بين حركة “حماس” و”الإسرائيليين”.

وفي ذات السياق، ذكر رئيس الحكومة الإسبانية أن العام الحالي يشهد الذكرى الثلاثين لمؤتمر مدريد والذي نتج عنه اتفاقية أوسلو، مؤكدا أن أسبانيا ترغب في استغلال الذكرى الثلاثين للمؤتمر لإعادة الدفع بعملية السلام في الشرق الأوسط وفقاً لتصريحات المتحدثة باسم الحكومة الإسبانية.

وكان من المقرر أن يلتقي “الزعيمان” في باريس مايو الماضي لحضور قمة باريس للاقتصاديات الإفريقية والتي لم يحضرها “سانشيز”.

تاريخيا تمتد العلاقات المصرية الإسبانية الدبلوماسية لأكثر من 50 عاماً وترتكز العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على قاعدة من الشفافية والوضوح والتعاون والتنسيق المستمر على مختلف الأصعدة وبالأخص في الملفات ذات الاهتمام المشترك كملفي “النزاعات الإقليمية”، و”الهجرة غير النظامية”، كما يمتد التعاون بين البلدين للمجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بالإضافة لمجالات أخرى.

 فمنذ بدء العلاقات المصرية الإسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي وقع الطرفان أكثر من 30 اتفاقية تعاون مشترك في شتى المجالات.

سياسياً

على الصعيد السياسي تجمع البلدين منذ عقود علاقات طيبة مبنية على التفاهم والرؤية المشتركة للقضايا الإقليمية والتحديات بالأخص في منطقة البحر المتوسط المهمة للطرفين، كما تعززت العلاقات بين الطرفين نتيجة لسعيهما لتعزيز الحوار بين دول شمال وجنوب المتوسط.

ووصلت العلاقات بين البلدين ذروتها من التطور خلال زيارة ملك إسبانيا الملك فليب وحرمه الملكة صوفيا لمصر في فبراير من العام 2008 وخلال تلك الزيارة وقع وزير خارجية البلدين اتفاقية الصداقة والتعاون التي تعتبر نقلة نوعية لشكل العلاقات والتنسيق المصري الإسباني.

 أما عن أخر الزيارات الرسمية والتنسيق السياسي فقد زارت وزيرة الخارجية الإسبانية/ أرانشا جونزاليس لايا، القاهرة في أكتوبر الماضي حيث اجتمعت بنظيرها سامح شكري للتباحث والتشاور حول القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك وكان في مقدمتها القضية السورية والليبية كما القضية الفلسطينية وخلال الزيارة وقع الوزيران على مذكرات تفاهم مشترك بين الجانبين كما تشاورا حول مقترح لاتفاقية ” لتبادل المجرمين الهاربين” بين الطرفين.

وكدلالة على التنسيق المستمر بين الطرفين ، سبقت زيارة وزيرة الخارجية الإسبانية أرانشا لايا لمصر بشهرين اتصال هاتفي جمعها بالوزير سامح شكري ، أكدت خلاله الوزيرة الإسبانية دعم مدريد لجهود القاهرة في مختلف الملفات الإقليمية مثل القضية الليبية وشجعت الوزيرة الجهود المصرية الرامية لمنع وصول ونقل الإرهابيين والجماعات المتطرفة لليبيا كما أكدت موقف بلادها المتماشي مع الموقف المصري والذي ينادي بضرورة احترام القانون الدولي واتفاقيات الأمم المتحدة لقانون البحار والمحيطات  وأهمية احتواء أي تصعيد في منطقة شرق المتوسط.

اقتصاديا

أما على الصعيد الاقتصادي فإسبانيا هي خامس أقوى اقتصاد أوروبي والثالث عشر عالمياً وفقاً لمعدلات الناتج المحلي الإجمالي وهو ما يوضح أهمية العلاقات والتبادل الاقتصادي مع الدولة الواقعة في شبه الجزيرة الأيبيرية.

وتعد إسبانيا أحد أبرز وأنجح الشركاء الاقتصاديين لمصر حيث بلغ حجم التبادل التجاري والاقتصادي بين القاهرة ومدريد ل 2,5 مليار يورو أي ما يقرب من 47,5 مليار جنيه مصري.

ويعتبر التعاون الاقتصادي المصري الإسباني من أبرز مجالات التعاون بين البلدين وأميزها فلإسبانيا العديد من الاستثمارات الحيوية في مصر التي يأتي في مقدمتها مجال الغاز والطاقة المتجدد، بالإضافة لتوليد الكهرباء ومشروعات تحلية مياه البحر المشتركة بين البلدين.

ويشهد التعاون الاقتصادي بين البلدين طفرة في مجال المواصلات والنقل العام حيث تسعى مصر للاستفادة من الخبرات الإسبانية في هذا المجال، تحديداً عن طريق التكنولوجيا الإسبانية المتطورة في منظومة النقل والقطارات التقنية المتطورة وتطوير قطاع السكة الحديد وهو ما تحتاجه مصر بالأخص في الفترة الحالية مع الطفرة التي تشهدها على مستوى البنية التحتية للطرقات وتطوير شبكة النقل العام.

بالإضافة لاستثماراتها المهمة في مصر تعد إسبانيا سوقاً مهمة للصادرات المصرية حيث بلغ متوسط الصادرات المصرية لإسبانيا 2ر1 مليار يورو بين عامي 2015 إلى 2020 والتي يأتي على رأسها الغاز الطبيعي المسال.

 وتأتي الاستدامة في الاستثمارات الإسبانية في مصر واستدامة النمو في التبادل التجاري بين البلدين كثمرة لتوقيع العديد من البروتكولات والاتفاقيات التي طورت من حجم الثقة بين الجانبين وبالأخص بين المستثمرين الإسبان الذين يعون أهمية وحجم السوق المصري وبين الشركات والمنتجين المصريين الذين يستفيدون من وصول منتجاتهم للسوق الإسباني ومنه لباقي دول المجموعة الأوروبية.

ويعد ” اتفاق ضمان الاستثمار” الموقع العام 1994 واتفاقية ” منع الازدواج الضريبي” التي بدأ سريانها عام 2006 بالإضافة لعدد من البروتكولات التعاونية في المجال الاقتصادي والمجال الاستثماري هي الأساس الذي أدى لازدهار حجم التبادل التجاري والشراكة الاقتصادية بين البلدين المطلتين على البحر المتوسط.

وقد بلغ حجم الميزان التجاري بين مصر وإسبانيا 33,464409 مليون دولار العام 2020، وتقدر الصادرات المصرية لإسبانيا عام 2020 ب 770 ألف دولار بينما بلغت الواردات الإسبانية لمصر في ذات العام 1,428 مليون دولار.

وتعتبر مشتقات المعادن والمواد العضوية والمشتقات البترولية بالإضافة للأسمدة العضوية والحديد الصلب ( الفولاذ) والزيوت المقطرة هي أبرز الصادرات المصرية لإسبانيا بعد الغاز المسال بينما تعتبر السيارات والجرارات الزراعية ، النحاس والأدوات الكهربائية والمنتجات الدوائية هي أبرز الصادرات الإسبانية لمصر.

عسكرياً

أما على الصعيد العسكري تشهد البلدان نقلة نوعية في تعاونهما عسكريا وهو ما يترجم في عدد من الاتفاقيات والتدريبات المشتركة بين القوات المسلحة المصرية والجيش الإسباني.

ففي يونيو 2020، أعلن عن تدريب بحري مشترك بين قوات البحرية المصرية والإسبانية في البحر الأحمر وقال المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة المصرية إن التدريبات المشتركة مع الجيش الإسباني ” تأتي في إطار خطة القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية لتعزيز التعاون ودعم العلاقات العسكرية وتبادل الخبرات مع الدول الصديقة والشقيقة.

وفي فبراير 2020، نفذت القوات البحرية المصرية تدريباً مشتركاً مع القوات البحرية الإسبانية في قاعدة “برنيس” العسكرية وقد تضمن التدريب عديدا من الأنشطة المختلفة ذات الطابع الاحترافي، كتمارين الإمداد البحري والتشكيلات البحرية المختلفة بجانب عدد من التدريبات الاحترافية الأخرى التي تساهم في رفع الكفاءة ونقل الخبرات بين الجانبين.

وفي فبراير 2021، نفذت القوات البحرية المصرية والإسبانية تدريباً بحرياً أخر في نطاق الأسطول الجنوبي بالبحر الأحمر وقد تضمن التدريب عديدا من الأنشطة المهمة والتي كان أهمها التدريب المتخصص على مراقبة السفن المشتبه بها وإجراءات الأمن البحري ، الأمر الذي تولي له إسبانيا اهتماما كبيراً بسبب استفحال مشكلتها مع سفن الهجرة  غير الشرعية والتي تنقل ألاف اللاجئين لأراضيها كما سفن وزوارق تهريب الممنوعات عبر البحر المتوسط ومضيق جبل طارق ، وهو الأمر الذي حققت فيه مصر نجاحاً مشهوداً  من خلال عدد من المبادرات المحلية كما المراقبة المنظمة والصارمة للحدود البحرية وللسواحل المطلة على البحر المتوسط.

اللاجئون والهجرة غير النظامية

وبالحديث عن المهاجرين، تنظر مدريد للقاهرة تحديداً في هذا الملف كدولة ذات تجربة ناجحة وتمتاز بخبرات عالية فيه.

تعاني إسبانيا بسبب توافد مئات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين لأراضيها عبر البحر قاطعين المتوسط سنوياً , تتعاون البلدان لإيجاد السبل والطرق الأنسب لمعالجة هذه القضية  وكانت أخر الجهود في هذا الإطار اجتماع بين  السفير الإِسباني، رامون خيل كاساريس، ومدير التعاون الإسباني بمصر، بينتورا رودريجيث، مع السفيرة نائلة جبر، رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، يوم الخميس 10 يونيو 2021 لمناقشة مستقبل التعاون الثنائي بين إسبانيا ومصر في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية ، ويعتبر هذا الاجتماع تكميلياً لعدد من الاجتماعات والجهود السابقة لتبادل الخبرات وإيجاد حلول للملف الذي يعتبر صداع للحكومة الإسبانية التي تعاني من عصابات الإتجار بالبشر.

وتعتبر مصر أحد أكثر الدول نجاحاً في الإنهاء على الهجرة غير الشرعية من أراضيها وقد جاء ذلك بعد عدد من المبادرات والإسهامات والاتفاقات التنظيمية بين مصر والدول المعنية بالملف.

 ففي نوفمبر 2014 شاركت مصر فيما يعرف بــ” إعلان روما” المعني بمساعدة دول القرن الإفريقي في مكافحة أسباب الهجرة غير الشرعية، وفي نوفمبر 2015 شاركت مصر في الإعداد والتحضير ل” قمة فاليتا في مالطا ” حول الهجرة غير الشرعية.

 في يونيو 2016 ترأست مصر الاجتماع الوزاري الثاني لمبادرة الاتحاد الإفريقي حول الإتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، في مارس 2017 قامت مصر بالتعاون مع إيطاليا بتدريب مجموعات من قيادات الشرطة في 22 دولة إفريقية على الأساليب الحديثة لمجابهة الهجرة غير الشرعية والقبض على المتاجرين بالبشر.

وفي نوفمبر 2017 استضافت مصر بالأقصر المؤتمر الأول من نوعه حول مسارات الهجرة غير الشرعية بين إفريقيا وأوروبا، وكنتيجة لهذه الجهود المستمرة وقعت مصر مع الاتحاد الأوروبي اتفاقية لمكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب الأشخاص والإتجار بالبشر وتضمنت الاتفاقية 7 مشروعات بقيمة إجمالية وصلت ل 60 مليون يورو وهو ما يعكس الثقة الأوروبية في الالتزام المصري بالقضاء على هذه الظاهرة من جذورها وليس فقط معالجة اعراضها.

وبالإضافة لما سبق فقد استضافت مصر في نوفمبر من العام 2019 المنتدى الإقليمي الأول لمكافحة الإتجار بالبشر وتهريب المهاجرين في إفريقيا، كما أطلقت مصر بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ” مشروع تفكيك شبكات الإتجار بالبشر وتهريب المهاجرين في شمال إفريقيا”

أما عن اللاجئين فتعتبر مصر وفقاً لشهادة العديد من المؤسسات الدولية دولة مثالية لطالبي اللجوء حيث توفر لهم الدعم والحياة الكريمة التي يحتجونها بشده، حيث تستضيف مصر أكثر من 6 ملايين لاجئ يتمتعون بحقوقهم الأساسية والرعاية الشاملة وقد وصل عدد طالبي اللجوء إلى مصر العام 2020 لــ 259,3 ألف طلب لجوء بنسبة زيادة قدرت ب 140% مقارنة بأرقام عام 2012.

لذا ترى إسبانيا في مصر لاعباً أساسياً ذو خبرة وتجربة رائدة في مجابهة مشكلة الهجرة غير الشرعية أو غير النظامية وهو ما أسفر عنه العديد من أوجه التعاون بين البلدين كان أخرها ” حملة إعادة التوطين” والتي بموجبها تدرب مصر عددا من طالبي اللجوء وتقدم لهم الرعاية الأساسية قبل أن يتم توجيههم لإعادة التوطين واللجوء في إسبانيا بموجب اتفاق بين البلدين.

وبالإضافة للتعاون الاقتصادي، والتنسيق السياسي والأمني، والتعاون العسكري والتعاون في ملف الهجرة واللاجئين التي تعتبر أهم مجالات التعاون بين مدريد والقاهرة إلا أن مجالات التعاون بين البلدين تمتد إلى كل المجالات الحيوية المهمة، كالتعليم، التكنولوجيا، تكنولوجيا الزراعة، الرياضة والثقافة وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى