روسيا

“جدل عنصري”.. أوكرانيا على طريق تقسيم مواطنيها إلى “شرائح”

أثار اللقاء التليفزيوني الأخير الذي أجراه الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، بشأن مشروع القانون الرئاسي الأوكراني فيما يتعلق بالشعوب الأصلية، حالة من الجدل استحوذت على اهتمام وسائل الإعلام الروسية بهذا القانون. فقد قدم الرئيس الأوكراني، “فلاديمير زيلينيسكي”، مشروع قانون بشأن السكان الأصليين لأوكرانيا، بتاريخ 18 مايو من العام الجاري، وهو اليوم الذي تحتفل فيه أوكرانيا بذكرى إحياء ضحايا الإبادة الجماعية “لتتار القرم” بسبب ذكرى ترحيلهم الجماعي عام 1944.

ينص القانون على أن أوكرانيا يعيش فيها مجتمع عرقي أصلي، تم تشكيله على أراضي البلاد بشكل طبيعي، ويمتلك لغة وثقافة أصليتين، ولديه كذلك هيئات تقليدية أو اجتماعية أو ثقافية أو تمثيلية. وتوضح الوثيقة الخاصة بمشروع القرار، أن الشعوب الأصلية لشبه جزيرة القرم تنقسم إلى ثلاثة أفرع، “الروس ليسوا من ضمنهم”.

ويكفل مشروع القانون للشعوب الأصلية لأوكرانيا، الحق في تقرير المصير، والحماية القانونية المتكافئة، وحماية الرموز الوطنية للسكان الأصليين واتخاذ إجراءات في هذا الصدد وفقا للقانون الأوكراني، فضلا عن الحق في نقل تاريخها ولغاتها وتقاليدها والكتابة والأدب لأجيال المستقبل. كما يمكن للشعوب الأصلية إنشاء مؤسساتها التعليمية الخاصة والدراسة بلغتها الأم، وسيكون لديها (الشعوب الأصلية) كذلك الحق في إنشاء وسائل الإعلام الخاصة بها وتلقي التمويل من ميزانية الدولة.

وخلال خطابه، أشار “زيلينسكي”، إلى أن هذا المشروع يأتي في إطار الاستراتيجيات، التي وضعتها السلطات من أجل “إنهاء الاحتلال وإعادة دمج شبه جزيرة القرم وسيفاستوبول”، ومفهوم تطوير لغة تتار القرم وصولاً إلى عام 2032. ووفقًا للرئيس الأوكراني، فإن مشروع القانون الجديد يعد الخطوة الأولى على طريق “العودة إلى القرم”.

ومن المتوقع ألا يبقى القانون مطولاً قبل دخوله حيز التنفيذ، حيث إنه من الناحية الإجرائية لا ينبغي تأخير إقرار القانون، فالحجم الصغير للوثيقة يستبعد عمليًا إمكانية “حرب التعديلات”. وبالإضافة إلى ذلك، أوصت اللجنة الدستورية الأوكرانية في ردها على الوثيقة بضرورة اعتمادها بشكل كامل وأساسي. مما يعني أنه إذا كان هذا الموقف مدعومًا بشكل كامل من غالبية النواب في البرلمان الأوكراني، فإنه من الممكن نظريًا تمرير القانون في وقت مبكر من الأسبوع المقبل.

رد الفعل الروسي على مشروع القانون

أثار مشروع القانون الجديد، استياء الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، والذي وصفه بأنه قبيح لأن قائمة الشعوب الأصلية الواردة في المادة الأولى من وثيقة المشروع لم تشمل الروس.

فقد صرح بوتين، خلال لقاء تليفزيوني له، “إن التقسيم في حد ذاته بما يجعل السكان “أصليين” من الدرجة الأولى، أو “غير أصليين” من الدرجة الثانية، وما إلى ذك يبدو مثل ممارسات ألمانيا النازية”.

وأضاف، “زيلينسكي نفسه يهودي، لكن السؤال هنا هل سيفعلون في أوكرانيا مثلما فعلوا في ألمانيا النازية، باحتجاز الأشخاص لقياد جماجمهم، باستخدام بوصلات لتحديد الآريون الأصليين وغير الأصليين؟ هل سيحدد الأوكراني الحقيقي من الأوكراني غير الحقيقي بنفس الطريقة؟”.

وشدد بوتين، على أن موسكو لن تظل غير مبالية بمثل هذه القرارات، لأنها تُمثل ضربة قوية وخطيرة للشعب الروسي ككل، لافتا إلى أنه لا يوجد شخص يرغب في أن يكون مواطنًا من الدرجة الثانية. مؤكدا أنه لا يتحدث حتى عن التمييز في اللغة والمكونات الأخرى للحياة التي يرغب بها الشخص الطبيعي، ولكن سيؤدي ذلك أيضا إلى حقيقة مفادها أن مئات الآلاف وربما حتى الملايين إما سيضطرون إلى مغادرة البلاد أو إعادة تقديم أنفسهم بطريقة مختلفة.

كما استغل بوتين اللقاء، للحديث عن نوايا السلطات الأوكرانية للانضمام إلى حلف الناتو، حيث حث بوتين الأوكرانيين على التفكير في رد الفعل المحتمل لموسكو على هذه الخطوة. مشيرا إلى أنه في هذه الحالة، فإن زمن طيران الصواريخ من “خاركوف” إلى الجزء الأوسط من روسيا سيكون أقل من عشر دقائق.

كما أدان مجلس الدوما الروسي، في بيانٍ له، هذه الوثيقة واصفًا إياها بأنها إهانة للذاكرة التاريخية، ومحاولة جديدة لدق إسفين بين الروح الأوكرانية والروسية والشعوب الأصلية الأخرى التي تعيش في أوكرانيا.

ليست أوكرانيا فقط.. دول قسمت مواطنيها إلى درجات

لا تُعد أوكرانيا هي الدولة الأولى من نوعها، التي تعكف على تصنيف مواطنيها إلى درجات مُتباينة. إذ أن كيان الدولة الإسرائيلية قد ضرب مثالاً مشهودًا في مجالات التصنيف العنصري والتفرقة بين المواطنين وعدم معاملة حاملي الجنسية الإسرائيلية على حد سواء.

والأدلة على ذلك كثيرة، من ضمنها المعاملة التي يتلقاها عرب الداخل الإسرائيلي، وهم مواطنون حاصلون بالفعل على الجنسية الإسرائيلية ومن المفترض –قانونًا- أن يكون جميعهم متساوون بالحقوق من حيث المبدأ. إلا أنهم مع ذلك يواجهون أنواعًا شتى من التمييز العنصري، المرتبط بغياب التعريف الواضح لمفهوم الدولة اليهودية، وهو ما يضع إسرائيل طوال الوقت في حالة تساؤل مستمر عن هويتها الحقيقية وهوية السكان الذين من المفترض أن يستقروا بها بشكل دائم.

إذًا! عرف العالم، بشكلٍ أو بآخر، في مواقع شتى بالفعل دولاً صنفت مواطنيها إلى درجات من حيث الحقوق والواجبات. لكن عند هذه النقطة، يوجد سؤال يطرح نفسه، حول كيف ينظر القانون الدولي ومؤسساته إلى هذه التفرقة؟!

ردا على هذا السؤال، نُطالع جانبا من الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري، والتي تم اعتمادها والتصديق عليها من قِبَل الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم “د-20″، والمؤرخ بتاريخ 21 ديسمبر 1965، والذي ينص على أن التمييز بين البشر على أساس العرق، أو اللون، او الأصل الاثني، يشكل عقبة تعترض العلاقات الودية والسلمية بين الأمم، وواقعا من شأنه تعكير السلم والأمن بين الشعوب والإخلال بالوئام بين أشخاص يعيشون جنبا إلى جنب حتى في داخل الدولة الواحدة.

وأصدرت اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية للأمم المتحدة، في دورتها السابعة والثلاثين بتاريخ 1989، تعليقا عاما بشأن عدم التمييز، أوردت من خلاله أن المادة 26رقم تنص على أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون ولهم الحق في الحماية المتساوية التي يكفلها القانون دون تمييز، وأنه يتعين أن تكفل القوانين لجميع الأشخاص حماية متساوية وفعالة من التمييز لأي من الأسباب المذكورة. كما أشارت الى أن اللجنة ترى أن المادة 26 تحظر التمييز أمام القانون أو، في الواقع، في أي ميدان تحكمه وتحميه سلطات عامة.

لكن نعاود الوقوف مرة أخرى على ردود فعل المجتمع الدولي تجاه مشروع القانون الأوكراني الجديد، الذي يحمل طابع العنصرية. وعندها سوف نرى بوضوح كيف لم يُحرك أحدًا، عدا روسيا لانخراطها المباشر في خلافات مع أوكرانيا تجعل منها هي الهدف المقصود مهاجمته من وراء هذا القانون. ونخلص من كل ما سبق، إلى أن القوانين التي تهدف للفصل العنصري عادة ما تنبع عن رغبة في شن حرب هوية ثقافية ووطنية على طرف آخر أكثر هيمنة، أو تنبع عن شعور أحد الأطراف بأنه مُهدد وأن مستقبل انتماءات الأجيال الجديدة من ذريته مُهدد من قِبَل هوية أخرى أكثر طغيانًا وسيطرة، او تنبع عامة عن مشكلات في تحديد الهوية الوطنية لدولة ما، وفي كل الحالات سنجد أن كلمة السر في كل ما يتعلق بالفصل العنصري بين المواطنين، هي “الهوية”.

أما عن دور منظمات المجتمع الدولي، لاسيما الأمم المتحدة أولاً وقبل أي شيء، فهي لم تُحرك ساكنًا. واكتفت كما تفعل في الكثير من الأحيان بدور المراقب أو المشاهد عن بُعد. وذلك قد يرجع إلى عددً من أسباب محتملة؛ مثل إما الصراع يجري في دولة أو إقليم لا تلعب دورًا كبيرًا كمحور للأحداث العالمية مثل ميانمار التي لم تتخذ المنظمة أي خطوة فعلية ملموسة حتى الآن لإنهاء ما يجري بها من صراعات دموية وخلافه. أو أن تكون المعضلة الأخلاقية التي تجري في دولة ما، تقع في دولة حليفة وصديقة للولايات المتحدة، أو دولة تناصب إحدى أعداء الولايات المتحدة العداء، وعندها يتم غض الطرف عما تتخذه من خطوات مضادة للقوانين والأعراف الدولية تمامًا.

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى