أوروبا

“الصين” الغائب الحاضر في قمة الدول السبع “كورنوال 2021”

يستضيف منتجع “كورنوال” في بريطانيا، أعمال القمة السنوية لمجموعة الدول الصناعية السبع، على مدار ثلاثة أيام 11 – 13 يونيو 2021، بعد عامين من إجراء اللقاءات الخاصة بالمجموعة عبر الشاشات الرقمية على ضوء جائحة “كوفيد – 19”.

القمة تشهد الظهور الدولي الأول للرئيس الأمريكي “جو بايدن” خارج الأراضي الأمريكية للمرة الأولى منذ انتخابه في نوفمبر 2020 وتنصيبه في يناير 2021، كما أنها آخر قمة للمجموعة تشهد حضور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي تعتزم التقاعد من منصبها عقب الانتخابات البرلمانية الألمانية سبتمبر 2021.

وما يميز أعمال القمة، في يومها الأول، أن “الملف الصيني” من بين الموضوعات الأكثر إلحاحًا التي تواجه قادة قمة مجموعة السبع رغم عدم عضوية “بكين” بالمجموعة، التي تضم، الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، كندا، إيطاليا واليابان.

ويحق للدولة المستضيفة، بعد مشاورات مع الدول الأعضاء ، أن تدعو ضيوفا للقمة، حيث تم استضافة استراليا، الهند، كوريا الجنوبية وجنوب افريقيا، ويلاحظ أن ثلاثة من هؤلاء الضيوف يتشاركون نفس المخاوف مع أمريكا واليابان حيال الملف الصيني.

فقد سبق للولايات المتحدة تأسيس تجمع “كواد” مع اليابان، أستراليا والهند من أجل “لجم التمدد” الصيني في شرق آسيا، وهو التجمع الذي جمده الرئيس الأمريكي الأسبق “باراك أوباما” قبل أن يحييه “خلفه” دونالد ترامب في العام الأخير من رئاسته.

كما أن كوريا الجنوبية أيضا تشارك مجموعة “كواد” نفس المخاوف، في ضوء التحالف الشيوعي القوي بين كوريا الشمالية والحزب الشيوعي الصيني الحاكم في بكين.

ومن المتوقع أن تشهد القمة في يومها الثالث، الأحد 13 يونيو 2021، إعلانا مهما يوضح بجلاء أن الموقف الغربي الجديد من بكين يتعلق بمشروع القرن الصيني، وهو مشروع “الحزام والطريق الجديد”، المعروف إعلامياً بـ “طريق الحرير الصيني الجديد”.

وكشف مسؤول أمريكي، فضل عدم ذكر اسمه، وفقا لوكالة “رويترز” للأنباء، أن القمة ستعلن “مبادرة بناء أفضل للعالم، وهي مبادرة بنية تحتية عالمية جديدة طموحة مع شركائنا في مجموعة السبع، لن تكون “بديلا” فحسب عن مبادرة الحزام والطريق”.

وكان الرئيس الصيني “شي جين بينج” أعلن هذا المشروع عام 2013، وتعاقدت الصين مع أكثر من مئة دولة في قارات العالم أجمع من أجل إعداد بنية تحتية ولوجستية لهذا المشروع، الذي اعتمد بالفعل محور قناة السويس باعتباره ممرا مائيا وحيدا سينقل بضائع “الشرق” إلى “الشمال والغرب”.

وللمفارقة فان معارضة ترامب للصين لم تتضمن عدائية حقيقية تجاه مشروع “الحزام والطريق” ولكن تجاه الهيمنة الاقتصادية الصينية بوجه عام وحيال الأسواق الأمريكية على وجه التحديد، عكس التوجهات “النيوليبرالية” التي تجمع إدارة جو بايدن بالاتحاد الأوروبي ودوله التي تنقل عبر هذه القمة الخلافات الصينية الغربية إلى ملف مشروع “الحزام والطريق” بشكل علني بعد أن ظل الخلاف ومحاولة الغرب لعرقلة المشروع في خطواته الآسيوية والافريقية تجري على قدم وساق زهاء عشر سنوات.

ودخلت الجهود الغربية لشن حرب الإلغاء على مشروع القرن الصيني مرحلة جديدة في ابريل 2021 حينما أعلنت حكومة استراليا الغاء اتفاق أبرمته ولاية فيكتوريا مع الصين في إطار مشروع الحزام والطريق.

أمريكا تواصل إحياء تحالف “كواد”

وكان تحالف “كواد” تأسس عام 2007 بناء على اتفاق بين ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي آنذاك ورئيس وزراء اليابان شينزو آبي ورئيس وزراء أستراليا جون هوارد ورئيس وزراء الهند مانموهان سينج، ولكن عقب الانتخابات العامة الأسترالية عام 2007 تولى حزب العمال الأسترالي السلطة وشكل زعيمه كيفين رود الحكومة حيث قرر تجميد مشاركة استراليا في تحالف “كواد” ما أدى إلى تجميد فاعلية التحالف.

ومع وصول “ترامب” للبيت الأبيض يناير 2017، سعى الأخير في اجتماعاته الآسيوية بإعادة التحالف، وهو ما نجح فيه عام 2020 ثم شهدت قمة “كورنوال 2021 ” أول تفاعل حقيقي للتجمع بعد عودته.

وكانت رؤية ديك تشيني للتجمع انه سيصبح القوس الآسيوي الديموقراطي المحيط بالصين، والسعي لتحويل الصين إلى دولة ديموقراطية يحكمها نظام ديموقراطي صديق للغرب ويقود ديموقراطيات آسيا، وقد أطلق المراقبون على هذا التجمع أسماء عديدة، منها “الناتو الآسيوي” و”تحالف المحيط الهادئ” و”الحوار الرباعي الأمني” و”تجمع الباسفيك”.

وتتضمن رؤية ديك تشيني إمكانية ضم دول آسيوية أخرى للتحالف، حيث إن الباب مفتوح لكل الدول الآسيوية ما عدا الصين نفسها.

تراجع بايدن عن التهدئة مع الصين

ويعكس توجه إدارة جو بايدن لاستثمار إحياء ترامب لهذا التكتل حقيقة أن بايدن قرر مخالفة وعوده الانتخابية باتخاذ مواقف هادئة من الصين مقارنة بمواقف ترامب، تماما كما جرى مع مصر والسعودية والامارات، إضافة إلى عدم تسهيل دخول مهاجرين جدد من أمريكا الوسطى والاكتفاء بتقنين أوضاع المهاجرين الموجودين على الأراضي الأمريكية، والاعتراف برؤية ترامب حيال سيادة إسرائيل على القدس والجولان والضفة الغربية وما سمي بـ “التفاهمات الابراهيمية” بين إسرائيل من جهة والامارات والبحرين والمغرب والسودان من جهة أخرى.

دفء مفاجئ بين أمريكا وبريطانيا

وشهدت القمة دفئا مفاجئا في العلاقات بين بايدن ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، أكده التوقيع المفاجئ على اتفاقية استراتيجية للتعاون الثنائي، ورغم أن بايدن لم يتناول العلاقات الأمريكية البريطانية في حملته الانتخابية، إلا أن العلاقات القوية بين بوريس جونسون ودونالد ترامب والتواصل الأيديولوجي بين الاثنين انعكس بالسلب على الأشهر الأولى من حكم بايدن حينما تأخر الاتصال الأول بين جونسون وبايدن رغم أن التاريخ يحمل لنا حقيقة أن الاتصال الأول بالمكتب البيضاوي الرئاسي في البيت الأبيض عقب دخول الرئيس الجديد، دائماً ما يأتي من لندن.

ويعكس هذا التحسن في العلاقات بين الرجلين حقيقة أن التحالف الأمريكي البريطاني لا غنى عنه لواشنطن ولندن في ظل محاولات الغرب للصمود والسيطرة على الصعود الروسي والصيني واستيعاب النمور الاقتصادية الجديدة التي يطلق عليها “مجموعة الأسواق الناشئة”.

استمرار الغياب الروسي

وكانت مجموعة الدول الصناعية الكبرى قد تأسست عقب حرب أكتوبر 1973 وما سببه التضامن العربي مع مصر وسوريا من قطع النفط عن الأسواق العالمية، ما خلف حالة من التضخم والركود في الأسواق العالمية وارتفاع هستيري في أسعار النفط والمحروقات.

وتحولت مجموعة السبع إلى مجموعة الثمانية عام 1998 حينما قرر الغرب ضم روسيا الفيدرالية إلى التجمع، ظناً من الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلنتون ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير أن “روسيا بوريس يلتسن ” أصبحت الوجه الدائم لموسكو، نسخة لا تسعى للتنافس مع الغرب، ولكن مع بدء مشروع فلاديمير بوتين لإحياء الدولة الروسية بدأت الخلافات تظهر بين روسيا والغرب إلى أن تم تعليق العضوية الروسية عام 2014، وإلغاء قمة الثمانية التي كان من المقرر عقدها في روسيا خلال العام نفسه.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى