أوروبا

“بوليتيكو الأمريكية” تُوضح النقاط الخلافية بين “واشنطن” و”بروكسل”

عرض- آية عبد العزيز

في إطار جولة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، الأوروبية التي ستستمر ثمانية أيام، وتشهد عددًا من القمم الدولية، واجتماعات رفيعة المستوى، نشرت مجلة “بوليتيكو” الأمريكية تقريرًا بعنوان “حيث لا تتفق أوروبا والولايات المتحدة” لإلقاء الضوء على طبيعة العلاقات عبر الأطلسي.

بالرغم من أن انتخاب “بايدن” ربما يكون قد أدى إلى تقريب واشنطن من الاتحاد الأوروبي، إلا أن الولايات المتحدة وأوروبا ما زالتا منقسمتين بشأن العديد من القضايا السياسية الرئيسية في بروكسل وعواصم الاتحاد الأوروبي، وعليه تستعرض المجلة الأمريكية أبرز النقاط الخلافية بين الجانبين على النحو التالي:

  1. الحرب التجارية: وفقًا للتقرير ترك الرئيس الجديد الكثير من السياسة التجارية لدونالد ترامب كما هي، بما في ذلك الرسوم الجمركية على الصلب والحصار المفروض على نظام المحاكم في منظمة التجارة العالمية، كما إن دفاع “بايدن” لسياسة “شراء الأمريكية”، وتفضيل الشركات الأمريكية في المناقصات العامة الكبرى، هو أحد الأسباب التي تجعل بروكسل تُعد أداة قانونية جديدة لضمان المعاملة بالمثل في العقود العامة الكبيرة. فبعد التردد لمدة عقد تقريبًا، يتحرك الاتحاد الأوروبي أخيرًا في خطط لدعم الشركات الصناعية الرائدة في الاتحاد الأوروبي والتي قد تكون ضارة بالشركات الأمريكية.

 لذا فقد اتفقت بروكسل وواشنطن على الدعوة إلى “هدنات مؤقتة” للتعريفة الجمركية على رسوم الصلب والألومنيوم وتعريفات “إيرباص” و”بوينج”. لكن حل هذه النزاعات التجارية الطويلة الأمد سيكون الاختبار الحقيقي لتصريحات الحب عبر المحيط الأطلسي المتجددة.

  • التنازل عن براءات اختراع لقاح: أوضح التقرير إنه من المحتمل أن تكون حقوق الملكية الفكرية خارج جدول الأعمال بين الجانبين، وذلك بعد أن تراجعت واشنطن عن دعم التنازل عن حماية براءات الاختراع للقاحات فيروس كورونا الكثيرين، وترك الاتحاد الأوروبي يسعى دفاعا عن معارضته المستمرة لاقتراح تنازل مماثل في منظمة التجارة العالمية. فقد كان الهدف من خطة واشنطن؟ السماح بإنتاج أوسع لقاحات فيروس كورونا، دون عوائق بحماية براءات الاختراع. فيما يجادل الاتحاد الأوروبي بأنه لن ينجح، وأن أمورا مثل التصنيع هي العامل المحدد، لكن هناك تصدعات في تضامن الاتحاد الأوروبي؛ حيث أشارت إيطاليا وبلجيكا إلى دعمهما للتنازل.

رسميا، يقف الاتحاد الأوروبي حازمًا باعتباره أحد المشاركين القلائل في منظمة التجارة العالمية الذين يؤخرون المناقشات التفصيلية حول الاقتراح.

  • نقل بيانات الجميع: منذ أن ألغت المحكمة العليا في الاتحاد الأوروبي صفقة تدفق البيانات مع الولايات المتحدة تسمى Privacy Shield بسبب مخاوف من ممارسات المراقبة الأمريكية. إذ لا تتفق بروكسل وواشنطن حول كيفية إصلاح الاتفاقية بحيث تفي بمعايير الخصوصية العالية في أوروبا، لكن “بايدن” حريص على الدفع باتجاه اتفاق سياسي رفيع المستوى مع رئيسة المفوضية “أورسولا فون دير لين” لصفقة جديدة لنقل البيانات عبر المحيط الأطلسي. وفقًا للتقرير تضغط الشركات على جانبي المحيط الأطلسي بقوة من أجل اتفاقية بديلة لمدة عام تقريبًا. سواء أكان اتفاقًا سياسيًا أم لا، لا تزال هناك عقبات رئيسية تتعلق بالقيود المحتملة على كيفية وصول وكالات الأمن القومي الأمريكية إلى بيانات مواطني الاتحاد الأوروبي.
  • التجارة مع الصين: أشار التقرير إلى أن الاتحاد الأوروبي أبرم في ديسمبر اتفاقًا استثماريًا مع بكين، ومنح الصين فوزًا كبيرًا بسمعتها مثلما فككت الحريات في هونج كونج، وحبس مئات الآلاف من الأويغور دون محاكمة، وحجب معلومات مهمة عن أصول تفشي فيروس كورونا. الأمر الذي دفع إدارة “بايدن” التي كانت لم تؤد اليمين لتحذير الاتحاد الأوروبي بشأن احتضان الصين لها.

وعليه تواجه الصفقة الآن عددا من اعتراضات البرلمان الأوروبي، لكن هذا لا يعني أن واشنطن وبروكسل على نفس التوافق عندما يتعلق الأمر بالتجارة مع منافسهما المشترك. في حين أن الولايات المتحدة حظرت استيراد المنتجات من منطقة شينجيانغ بسبب مخاوف من عمل العبيد، فإن الاتحاد الأوروبي لا يفرض مثل هذه القيود. كما تواصل الولايات المتحدة أيضًا منع الإصلاحات في منظمة التجارة العالمية التي يراها الاتحاد الأوروبي مفتاحًا لمعالجة نموذج بكين لرأسمالية الدولة.

  • تكلفة الأدوية: أفاد التقرير إنه لطالما اشتكت الولايات المتحدة من أن أوروبا تدفع القليل جدًا مقابل الأدوية، مما جعل شركات الأدوية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المبيعات الأمريكية للحفاظ على الصناعة الصحية. فمع حصول لوبي الأدوية في الولايات المتحدة على أذن المشرعين، ظلت الشركات محمية من أي جهد لتوحيد مفاوضات تسعير الأدوية على أساس مقدار القيمة المضافة التي توفرها العلاجات الجديدة بالفعل، لقد كان ما يسمى بتقييمات التكنولوجيا الصحية أمرًا شائعًا في أوروبا لأكثر من عقدين من الزمن، ويُعزى إليها الفضل في منع أسعار الأدوية من الارتفاع والحفاظ على تكلفة النظم الصحية.

لذا فقد وعد “بايدن” بمعالجة أسعار الأدوية، وصاغ الديمقراطيون التقدميون مشروع قانون من شأنه أن يمنح الحكومة الفيدرالية سلطة التفاوض على الأسعار بشأن شركات التأمين لكنها تواجه بالفعل معارضة من حزب الرئيس.

فيما تريد مجموعة من أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين رؤية إصلاحات أكثر اعتدالًا من شأنها الحفاظ على “النظام البيئي للابتكار الذي لا يقدر بثمن” في الولايات المتحدة. ويمكن أن يوفر هذا الانقسام لشركات الأدوية هروبًا من مشروع قانون تعتبره الصناعة أسوأ سيناريو لتسعير الأدوية في الولايات المتحدة، ويستمر في تعثر العلاقات بين الحلفاء عبر الأطلسي.

  • فرض الضرائب على شركات التكنولوجيا الكبرى: كشف التقرير إنه لم يتبق سوى أقل من شهر قبل أن يُتوقع أن يتوصل المفاوضون إلى صفقة عالمية لإصلاح النظام الضريبي في العالم، بعد أن كشفت إدارة “بايدن” النقاب عن مقترحات جديدة تستهدف أكبر 100 شركة في العالم، وليس فقط أكبر الأسماء في وادي السيليكون. في المقابل يحرص الأوروبيون، ولا سيما فرنسا على تضمين جميع شركات التكنولوجيا الكبرى، وهم على استعداد للتوصل إلى حل وسط مع الولايات المتحدة والذي ينبغي أيضًا تضمين الشركات الأخرى فيه في عملية التجديد. لكن لا شيء مؤكد. وفي هذا الإطار أصدر المسئولون الأمريكيون -وأجلوا بسرعة- ما قيمته مليارات الدولارات من التعريفات الانتقامية على البلدان، بما في ذلك العديد من البلدان في أوروبا، التي فرضت ضرائب على الخدمات الرقمية الوطنية الخاصة بها.

فيما توشك المفوضية الأوروبية أيضًا على إصدار ضريبة رقمية خاصة بها قد تعقد الأيام الأخيرة من المفاوضات، في المقابل تظل أعين المشرعين الأمريكيين ثابتة على المفاوضات الدولية بشأن ضريبة الشركات متعددة الجنسيات التي تغاضت عن الضريبة الرقمية التي سيقترحها صانعو السياسة في الاتحاد الأوروبي بشكل منفصل. وعليه تصر بروكسل على أن مبادرة الاتحاد الأوروبي، المتوقعة في يوليو، ليست صفقة كبيرة.

  • استباق الذكاء الاصطناعي: نوهالتقرير إلى أن أوروبا منذ العام الماضي كانت تتودد إلى إدارة “بايدن” بشأن الاتفاق على ضوابط على الذكاء الاصطناعي، لكن صمت واشنطن بدأ يصبح محرجًا؛ إذ يريد الاتحاد الأوروبي إنشاء معيار عالمي للذكاء الاصطناعي الآمن. لكن من غير المرجح أن توافق الولايات المتحدة التي تضم أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم القواعد العالمية الذي تمت صياغتها في بروكسل. وفقًا لمفوضة المفوضية العليا الرقمية “مارغريت فيستاجر” فإن القمة الأوروبية الأمريكية ستطلق مبادرة عبر الأطلسي تهدف إلى تعزيز التعاون التكنولوجي، والتي يطلق عليها اسم مجلس التجارة والتكنولوجيا. لكن “اتفاق الذكاء الاصطناعي” الذي طرحته رئيسة المفوضية “أورسولا فون دير لاين” في ديسمبر، لم يستدع حتى الآن ردًا رسميًا من واشنطن.

لذا فهناك قلق متزايد على جانبي المحيط الأطلسي بشأن ما يمكن أن تفعله تقنيات الذكاء الاصطناعي في أيدي الدول الاستبدادية مثل الصين، وتتفق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على أنه ينبغي تطوير التقنيات على أساس القيم الديمقراطية. لكن ما يعنيه ذلك من الناحية العملية غير واضح. ففي أبريل، اقترحت المفوضية الأوروبية أول قانون في العالم للذكاء الاصطناعي، لتنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي التي يرجح أن تلحق الضرر بالناس. وفي الوقت نفسه، لا تزال الولايات المتحدة مترددة في تنظيم عمالقة التكنولوجيا لديها.

  • ضريبة حدود الكربون: ذكرت بوليتيكو هذا الشهر، أن بروكسل تستعد لضريبة حدودية كربونية من شأنها أن تضع سعرًا على واردات الصلب والألمنيوم والأسمنت والأسمدة والكهرباء، في محاولة لمنع صناعتها – التي تدفع مقابل انبعاثاتها بموجب سقف الكتلة-  و-سوق الكربون التجاري- من الانهيار. وفي هذا السياق يأمل الاتحاد الأوروبي في أن تحفز خطته جهات الانبعاث الكبيرة لزيادة جهودها لحماية المناخ؛ حيث سيتم إعفاء البلدان التي لديها أسعار مكافئة لثاني أكسيد الكربون من الضريبة، لكن الولايات المتحدة – التي ليس لديها سعر فيدرالي للمناخ – قد أخبرت الأوروبيين بالفعل أنه يجب أن يكون “الملاذ الأخير”، لكون فرض ضرائب على الصادرات الأمريكية يعد أمرًا مثيرًا للجدل حتى في أوروبا، كما أن الخوف من الانتقام من صادرات الاتحاد الأوروبي قد دفع ألمانيا بالفعل إلى إنشاء “نادي مناخ” مفتوح أمام الولايات المتحدة لمناقشة السياسات. ومع ذلك، فإن فرنسا، التي كانت المؤيد الرئيسي لاقتراح ضريبة حدود الكربون، لا تظهر أي علامة على التراجع.
  • جعل الزراعة أكثر انتشارًا: أشار التقرير إلى أن نموذج الزراعة الأسرية صغير النطاق المُترسخ بعمق في الثقافة الأوروبية، قد يجعل الاتحاد الأوروبي أكثر استعدادًا لجعل إنتاجه الغذائي صديقًا للبيئة من الزراعة الأحادية العملاقة في الزراعة الأمريكية، الأمر الذي يُثير مخاوف صانعي السياسة الأمريكيين، الذين حذروا من أن خطة الاتحاد الأوروبي لتحويل نظامه الغذائي إلى نموذج أكثر اخضرارًا بحلول عام 2030 سيكون لها آثار مدمرة على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.  ولكن الأزمة الآن حول الغذاء المعدل وراثيًا، والتي تلوح في الأفق في بروكسل كجزء من الصفقة الأوروبية الخضراء، ويمكن أن تشهد تقارب السياسات على جانبي المحيط الأطلسي، فمع قيام وزارة الزراعة الأمريكية بمعالجة المحاصيل المعدلة وراثيًا تمامًا مثل المحاصيل العادية، استعدت المفوضية الأوروبية مؤخرًا لفكرة تنظيم المحاصيل المعدلة جينيًا بشكل مختلف عن الكائنات المعدلة وراثيًا، وبالتالي إزالة القبضة السياسية الخانقة على الأطعمة الجديدة لا توجد لها ضمانات.
  • – تسعير الكربون: استعرض التقرير الخلاف المناخي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الذي يتمثل بشكل أساسي في آليات التعامل مع الأزمة؛ حيث إن الأداة الرئيسية التي يستخدمها الاتحاد الأوروبي لتقليل التلوث هو جعل الملوثين يدفعون تكلفة متزايدة باستمرار من خلال نظام تجارة الانبعاثات في الكتلة، ويدفع صانعي الصلب والصناعات الكربونية الأخرى لتنظيف مصانعهم. أما في الولايات المتحدة، ظل الكونجرس – إلى حد كبير المعسكر الجمهوري- يعارض بشدة مخطط تسعير الكربون الفيدرالي. بالرغم من الدعم الواسع من العديد من المجموعات الصناعية والبيئية تبنت العديد من الولايات أيضًا مقياس تسعير الكربون.
  • نورد ستريم 2: مع عدم قدرة بروكسل حتى الآن على إيجاد طريقة قانونية لوقف خط أنابيب الغاز الطبيعي الممتد من روسيا إلى ألمانيا، الذي تعارضه علنًا بولندا ولاتفيا وليتوانيا وإستونيا، وتأمل أن يقضي الرئيس الأمريكي على المشروع المُدعوم من غازبروم، تلاشت هذه الطموحات في أواخر مايو، عندما فشل “بايدن” في فرض عقوبات على الخط، وتخلّى عن محاولة وقف البناء باسم إنقاذ العلاقة بين الولايات المتحدة وألمانيا. في المقابل رحبت برلين وموسكو بهذه الخطوة. فيما غضبت أوكرانيا، وانزعج المشرعون الأمريكيون من تراجع “بايدن” بالنظر إلى الدعم الواسع من الحزبين للعقوبات. وقد برر وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكين” إن العقوبات على “نورد ستريم 2 ” كانت ستخلق “بئرًا مسمومة مع أحد أقرب شركائنا ألمانيا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى