مقالات رأي

د. محمد حسين أبو الحسن يكتب : السد الإثيوبي وأزمة الصواريخ الكوبية

قال مارتن لوثر كينج: الحرب هي الأزميل السيئ لنحت الغد. أما نيتشه فقال: إن الحرب هي شتاء أو وقت سبات الحضارة. لكن بسمارك برر شن الحرب بقوله: إن أسئلة التاريخ العظيمة لا تحسمها الخطب بل الدم والحديد. إن الحرب سلوك معقد، لا يمكن فهم طبيعتها، عبر الأزمنة، دون الوقوف على آثارها المدمرة، هدر للأرواح والأموال والمصائر والمقدرات ورمز للترويع الإنساني والرعب الأخلاقي، كره الإنسان قديما فكرة الحرب حتى إن نساء أثينا وإسبرطة اتفقن- فى مسرحية لأرستوفان- على التلويح بسلاح عدم ممارسة الجنس مع أزواجهن ما لم يصنعوا السلام. أما فى العصر الحديث فيكفي النظر إلى نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية، كي نفر جميعا من الحرب إلى السلام؛ يحذر أستاذ الاستراتيجية كلاوزفيتز من أن الحرب كالحرباء تغيّر من لونها كل لحظة، وهي تشكّل في عموميتها ثالوثا من العنف الخالص والحقد والعدائية التي يمكن اعتبارها غريزة عمياء تقود الصراع.

لذلك يعتبر أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي ريتشارد نيد ليبو، في كتابه (لماذا تحارب الأمم)، أن جميع الصراعات هي في الواقع حروب فعلية، وأرجع الحرب إلى أربعة أسباب أساسية: الأمن والمصلحة والمكانة والانتقام. ربما يفسر هذا الحرب التي تشنها حكومة أديس أبابا ضد مواطنيها من التيجراي والأرومو وبني شنقول، فما تلك الحرب إلا (ثالوث كلاوزفيتز) من العنف والحقد والعدائية المتأصلة في القيادات السياسية التي فشلت في التخطيط الاستراتيجي وضمان الأمن والاستقرار في إثيوبيا، وتهدد بإشعال القرن الإفريقي وحوض النيل.

تنتهج حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد سياسات عالية المخاطر، داخليا وخارجيا، تشن إثيوبيا حرب إبادة ضد أبنائها، حذرت الأمم المتحدة، هذا الأسبوع، من أن 91% من سكان تيجراي (6 ملايين) لا يجدون طعاما ومئات الآلاف سيموتون جوعا، وهم تحت حصار القوات الإثيوبية والإريترية، وإذا كانت الحكومة الإثيوبية تبيد قسما من شعبها، فكيف يمكن لأي مصري أو سوداني أن يثق بأي اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة، ناهيك عن أنها ترفض أي اتفاق ملزم من الأساس، وكأنها تعمل على جرجرة مصر والسودان إلى نزال لا تريدانه؛ من أجل ذلك لا مصداقية إطلاقا للحكومة الإثيوبية، وعلى الخرطوم والقاهرة ألا تنخدعا بمزاعم أديس أبابا حول عجزها عن إكمال الملء الثاني، لعدم ارتفاع جسم السد بالقدر اللازم، وبهذا تحجز 10 مليارات متر بدلا من 20 مليارا، فالعبرة ليست في كمية المياه المخزنة حتى ولو كوب ماء واحد، بل في المبدأ، أي القرار المنفرد وفرض الأمر الواقع على دولتي المصب، وتحكمها أحاديا في النيل الأزرق سر حياة شعبيهما، وهي دولة تقتل شعبها. لهذا أكدت مريم المهدي وزيرة الخارجية السودانية أن التعنت الإثيوبي قد يجر المنطقة إلي مزالق لا تحمد عقباها. إثيوبيا كيان هش أسكرتها قوة الظرف المكاني بوصفها منبع النيل الأزرق، وفي ظل فوضى دولية وغليان إقليمي، تبدو المعركة أقرب من حبل الوريد؛ فهل يدرك حكام إثيوبيا ثمن تمدد الصراع إلى بقية أقاليم بلادهم، وخطورة الاعتداء على حقوق السودان ومصر في النيل التي هي قضية حياة أو موت؟، هل يفكر الإثيوبيون بالدماء التي قد تراق بسبب تعنتهم وفشلهم داخليا ومحاولة اصطناع عدو خارجي؟ ألا يعون أن آبار المياه، حتى فى عصور ما قبل التاريخ كانت من أسباب الحرب؟.

في تقديري أن لا سلامة لمصر والسودان دون هزيمة المشروع الاستكباري الإثيوبي (الكوني) القائم على (ثالوث كلاوزفيتز)، والأبواب يجب أن تظل مشرعة أمام كل الاحتمالات كما أكد الرئيس السيسي أكثر من مرة، خاصة أن الشعب المصري يثق بقدرة جيشه واحترافيته وبالقيادة السياسية في أي خيار تراه، حماية للمعمار الإنساني في أرض الكنانة من الهلاك، لاسيما بعد نجاح مصر باستعادة أدوارها وردع خصومها، عبر سياسة “الخطوط الحمراء” المصحوبة باستعراض القوة، في ليبيا وشرق المتوسط وأخيرا بأعالي النيل، يذكرني الخط الأحمر في (السد الإثيوبي) بالخط الأحمر الأمريكي بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 التي أوصلت العالم إلى حافة الحرب النووية إلا أن واشنطن نجحت في حل الأزمة سياسيا؛ بفضل الحنكة والتلويح باستخدام القوة. لكن تظل الحرب خيارا أخيرا لفض نزاع خطير مع نظام باغ يرفض الاتفاق والسلام، عندئذ قد لا يجدي معه سوى تحقيق رغبته، بشن الحرب عليه؛ فمن أمن العقوبة أساء الأدب!.

نقلا عن صحيفة “الأهرام” في عددها الصادر اليوم الأربعاء 9 يونيو 2021

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى