سياسة

“الجمهورية الجديدة”.. حقوق الإنسان في القلب من سياسات الدولة

تتشكل ملامح الجمهورية الجديدة في مصر يوما بعد يوم مع توجه الرئيس عبد الفتاح السيسي لإجراء تغييرات حاسمة وملموسة في ملفات حيوية من بينها ملف حقوق الإنسان المرتبط بشكل رئيسي بنتائج تنفيذ استراتيجية بناء الإنسان المصري عقب توليه السلطة قبل سبع سنوات، والتي اعتمدت على مركزية الإنسان في تطبيق سياسات الدولة، والنظر إلى حقوق الانسان وفقا لمنظور شمولي يحقق المعايير الدولية لحقوق الإنسان في سياق مخطط زمني يهتم في المقام الأول بالحقوق الملحة للمواطن المصري.

من ملامح الجمهورية الجديدة بناء مفهوم جديد للعلاقة بين المواطن والدولة قائم على المواطنة وحقوقها وبناء الإنسان على أسس جديدة تدعم انتماءه وولاءه في دولة تحترم حقوق كل مواطنيها بدون تمييز.

والحقيقة أن مصر تخلصت من كثير من المظاهر السلبية التي ترصدها المنظمات الحقوقية الدولية، فلم يعد هناك أي حالات اعتقال أو احتجاز خارج إطار القانون أو تعذيب في السجون أو اختفاء قسري، كما ظهر بشكل قوي التعامل القانوني المباشر مع ظهور تلك الحالات فور الإبلاغ عنها، وفتحت النيابة العامة تحقيقات فورية وقدمت عناصر أمنية متورطة إلى المحاكمة.

وتأسست تلك التطورات على تعديلات في المنظومة التشريعية فيما يخص أوضاع حقوق الإنسان حيث نصت (المادتان 54 و55) من الدستور على عدم المساس بالحرية الشخصية وعدم جواز تقييد حرية أي شخص إلا بأمر قضائي مسبب، عدا حالات التلبس، مع كفالة جميع ضمانات احترام حقوق الإنسان.

كما تنص المواد ( 55 و95 و96 و97 و186 و189 ) من الدستور على اختصاص القضاء بالفصل في كل المنازعات والجرائم، وأن النيابة العامة جزء لا يتجزأ من القضاء تتولى التحقيق وتحريك ومباشرة الدعوى الجنائية، يتمتع أعضاؤها بالاستقلال والحيادية في مباشرة إجراءات التحقيق والإحالة.

ونصت تلك المواد أيضا على أن العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون، وأن مبدأ افتراض البراءة حتى تثبت إدانة المتهم في محاكمة قانونية تُكفل له فيها ضمانات الدفاع، وأن تصدر الأحكام عن محاكم مختصة وتكون جلساتها علنية.

وبالنسبة لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، نصت المادة( 2٠٤) من الدستور على أن القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة، وعدم جواز محاكمة مدني أمامه إلا استثناء وفي جرائم محددة على سبيل الحصر، ترتبط بالاعتداء على أفراد القوات المسلحة والمنشآت العسكرية وما في حكمهم، اتساقا مع المادتين ( 9 و14 ) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ومع التعليق العام رقم 13 للجنة حقوق الإنسان على المادة 14 من العهد سنة 1984 وتعليقها العام رقم 32 سنة 2007، واللذين أجازا استثناء محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية.

ويتمتع قضاة تلك المحاكم باستقلالية وحصانة القضاء العادي، ويحظى المتهمون بجميع الضمانات المكفولة لهم أمام القضاء العادي من حق الدفاع، والاطلاع على الأوراق، وعلنية الجلسات والحق في الطعن على الحكم الصادر أمام محكمة أعلى بما يضمن التقاضي على درجتين، بجانب سريان قوانين العقوبات والإجراءات الجنائية وحالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض على الطعون أمام القضاء العسكري، ووفق تلك التطورات نستطيع القول إن مصر تمتلك حاليا بنية تحتية تحترم حقوق الإنسان.

لجنة دائمة لحقوق الانسان

أنشأت الحكومة المصرية اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان وهى المعنية بوضع استراتيجية الدولة لحقوق الانسان واصدار تقارير دورية تتضمن المعلومات الخاصة بتطورات الأوضاع على ‏مستوى الحقوق المدنية والسياسية من جانب والحقوق الاقتصادية ‏والاجتماعية من جانب اخر‎.

وتختص اللجنة بموجب قرار رئيس الوزراء بإعداد ومتابعة احترام أجهزة ‏الدولة لكافة الحقوق والحريات المدنية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، ‏والثقافية المتضمنة في الدستور والتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية ‏والإقليمية المنضمة إليها مصر‎، بالإضافة إلى الرد على تقارير المنظمات الدولية حول حالة حقوق الانسان في مصر.

التقرير الأول للجنة أكد وجود إرادة سياسية عازمة على تنفيذ كافة التزامات ‏مصر ‏في مجال حقوق الإنسان، حيث تعد حقوق الإنسان مكونًا مهماً في ‏‏”استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030 “‏.‎

وتبنى التقرير لغة الأرقام والاحصائيات في رصد التطورات الحقوقية حيث أشار إلى وصول قرارات الافراج والعفو الرئاسي إلى 6426 ‏مسجونا وذلك خلال شهري يناير وفبراير 2021، كما أرسلت وزارة ‏الداخلية خلال شهر يناير 2021 عددا من القوافل الطبية لسجون ‏المرج، أبو زعبل ، القناطر ،الزقازيق والوادي الجديد‎.‎

 ‎ووقعت هذه القوافل الكشف الطبي على 13,848 سجينا وصرفت العلاج ‏اللازم لهم وقدمت تطعيم ضد فيروس الكبد الوبائي فيروس‎ B ‎لعدد ‏‏12,313 سجينا. وخلال شهر فبراير 2021 أرسلت الوزارة قوافل طبية ‏لسجون دمنهور والإسكندرية وجنوب التحرير ومعسكر العمل ‏وبرج العرب، وقدمت هذه القوافل تطعيم فيروس الكبد الوبائي “فيروس‎ ‎B” ‎لعدد 10,763 سجينا بالإضافة الى اجراء 104 عمليات جراحية ‏لنزلاء عدد من السجون خلال شهر يناير 2021 واستمرار تطهير وتعقيم ‏كافة مرافق السجون في اطار خطة الدولة لمكافحة فيروس كورونا‎.

حقوق المرأة

وتناول التقرير تطورات أوضاع حقوق المرأة من خلال ربطها بجهود الدولة لمكافحة التمييز في المناصب العامة والتكليف الرئاسي بالاستعانة بالمرأة في مناصب قضائية مثل مجلس الدولة والنيابة العامة تفعيلا للاستحقاق الدستوري بالمساواة وعدم التمييز‎ . ‎

ومراعاه ذلك أيضا فيما يتعلق بمنع التمييز القائم على الجنس فيما يتعلق بالوصول الى القروض والتمويل، لمراعاة الظروف الخاصة ‏للمرأة ‏الأكثر احتياجاً‎. ‎

وبالرغم من ضراوة الحرب على الارهاب وتعقيداتها لم يتخلَ المشرع المصري عن واجبة بحماية الحقوق الفردية من التعسف، متمسكًا بنص (المادتين 54 و55 ) من الدستور على عدم المساس بالحرية الشخصية وعدم جواز تقييد حرية أي شخص إلا بأمر قضائي مسبب، عدا حالات التلبس، مع كفالة جميع ضمانات احترام حقوق الإنسان لمن يتهم بتقيد حريته.

تم القضاء على مفهوم المعتقل السياسي، والذي خرج من النظام القانوني المصري عقب صدور حكم من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية تخويل رئيس الجمهورية الترخيص بالقبض والاعتقال وتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية.

ونص الحكم على أن قانون الطوارئ– وأيًا كانت مبرراته– يظل على طبيعته كعمل تشريعي يتعين أن يلتزم بأحكام الدستور كافة، وفي مقدمتها صون حقوق وحريات المواطنين، وهو ما طُبق على القضايا المتهم فيها عناصر جماعة الاخوان الارهابية الذين يحاكمون في قضايا جنائية تتعلق بالإرهاب، وهي قضايا غير سياسية بالتالي فإن كلمة معتقل لم يعد لها وجود على الإطلاق في الحياة المصرية.

قانون بناء الكنائس

انتهى الجدل حول مسألة بناء الكنائس بصدور قانون ينظم بناءها بشكل صريح وواضح لأول مرة في التاريخ، فصدر القانون رقم 80 لسنة 2016 وأصبحت هناك قواعد محددة لبناء الكنائس رحبت بها الكنيسة المصرية الأرثوذكسية وكل الطوائف المسيحية. وعلى إثر القانون تمت الموافقة حتى نوفمبر 2020 على توفيق أوضاع نحو 1738 كنيسة ومبنى تابعًا تتبع الكنيسة الأرثوذكسية والطائفة الإنجيلية.

وتم اختيار العديد من الشخصيات القبطية لشغل المناصب القيادية، وكان آخرها انتخاب النائبة فيبي فوزي جرجس لوكالة مجلس الشيوخ لتصبح أول سيدة تتولي ذلك المنصب بعد إعادة تشكيل المجلس في ضوء التعديلات الدستورية الأخيرة. وفوز عدد من الأقباط على القائمة الوطنية في انتخابات مجلس النواب، فضلًا عن تولى شخصيات قبطية لمنصب المحافظ بل أكثر من محافظة، وتولى عدد منهم مناصب قيادية أخرى في الدولة.

ولأول مرة في تاريخ مصر، قضت المحكمة الدستورية العليا بالسماح للموظفين المسيحيين بإجازة شهر لزيارة بيت المقدس في القدس وبراتب كامل أسوة بالقرار المتبع مع الموظفين المسلمين أثناء تأديتهم فريضة الحج، إلا أنه من الناحية العملية يصعب تطبيقه التزامًا بقرار سابق اتخذته الكنيسة في عهد البابا شنودة الثالث يقضي بحظر سفر الأقباط إلى القدس إلا بعد تحريرها من الاحتلال الإسرائيلي، دون ذلك يمكن لأصحاب الطوائف المسيحية الأخرى مثل الكاثوليك الاستفادة من الحكم والسفر للقدس في إجازة مدفوعة ولمدة شهر كامل ولمرة واحدة.

المجتمع المدني شريك تنموي 

تعمل في مصر حاليًا 55 ألف جمعية وفق أحكام القانون، وتشارك في كثير من المبادرات الاجتماعية والتنموية، وغالبيتها ذات نشاط خيرى، وقد كانت هناك اعتراضات كثيرة على قانون الجمعيات الأهلية رقم 70 لسنه 2017، واستجاب الرئيس عبد الفتاح السيسي لمطالبة جاءت من إحدى ممثلات المجتمع المدني المشاركات في منتدى شباب العالم بتعديل القانون وهو ما تم بالفعل مع صدور قانون تنظيم العمل الأهلي 149 لسنة 2019  الذي فتح المجال بشكل اكبر لاستيعاب كل طاقات العمل الأهلي، والرغبة في العمل التطوعي الموجودة في المجتمع المصري أو الموجودة خارج الحدود، وأعطى المؤسسات الاهلية القدرة على المشاركة في صنع السياسات العامة منذ مراحلها ‏الأولى والتي تتمثل في وضع الأجندة وتحديد الأولويات مرورًا بالتخطيط ثم التنفيذ ‏وأخيرًا المتابعة والتقييم.

وقدمت الحكومة تيسيرات عديدة لحصول ‏منظمات ‏المجتمع المدني علي المنح حيث وافقت وزارة ‏التضامن ‏الاجتماعي يوم 6 ‏فبراير على تلقي الجمعيات والمؤسسات ‏الأهلية منحا ‏من عدة منظمات ‏وجهات مانحة بلغت أكثر من 88 مليونا ‏خلال شهر يناير ‏الماضي. ويذكر ‏أن عدد الجهات المانحة بلغ 33 جهة ‏قدمت 88 منحة لعدد ‏‏42 جمعية ‏ومؤسسة. أهلية‎. ‎

ذوو الاحتياجات الخاصة

واهتمت الدولة بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، وصدر القانون رقم 10 لسنة 2018 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الذي يضمن عديدا من الحقوق المكتسبة لهم، وذلك بما يضمن منظومة دمجهم في المجتمع بشكل كامل، وتهيئة المرافق والخدمات لهم.

ووفقا للقانون تعهدت مصر بضمان حقوقهم الواردة باتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وغيرها من المواثيق الدولية ذات الصلة النافذة في مصر، وعدم القيام بأي عمل او ممارسة تتعارض مع أحكام هذه المواثيق، مع توفير البيئة الآمنة للأشخاص ذوي الإعاقة، وعدم تعرضهم للاستغلال الاقتصادي، السياسي، أو التجاري، أو العنف والاعتداء أو التعذيب أو الإيذاء أو الإهمال أو التقصير أو المعاملة المهينة أو التأثير على أي حق من حقوقهم.

وصدر القانون رقم 200 لسنة 2020، بإنشاء صندوق دعم الأشخاص ذوي الإعاقة، والذي يعمل على توفير منح دراسية بالمدارس والمعاهد والجامعات بالداخل والخارج، وكفالة استمرار إتمام الدراسة بالتعليم الخاص للملتحقين به بالفعل، إضافة إلى المساهمة في تغطية تكلفة الأجهزة التعويضية، والعمليات الجراحية المتصلة بالإعاقة لغير المؤمن عليهم.

فلسفة جديدة

التطور الحاصل في ملف حقوق الإنسان جاء عاكسا لاستجابة الدولة المصرية لمجمل التوصيات التي صدرت في هذا السياق، وهو ما يشير إلى احترام الدولة المصرية لتعهداتها الدولية واحترام الآليات الأممية ومنظومة حقوق الإنسان.

هذه التطورات تعكس فلسفة جديدة لتعامل الدولة المصرية مع منظومة حقوق الإنسان وتوافر الإرادة السياسية لتحسينها لصالح المواطن المصري وليس استجابة لضغوط خارجية مبنية على فهم خاطئ لمسألة عالمية حقوق الإنسان أو أن حقوق الإنسان أداة سياسية للضغط على الدول وهو ما تواجهه مصر بشكل متكرر.

وتدحض هذه التطورات على أرض الواقع كل محاولات التشويه المتعمد والمنهجي الذي تنتهجه كثير من المنظمات الدولية “المسيسة” أو “التابعة للتنظيم الدولة لجماعة الإخوان الإرهابية” عبر نشر تقارير مغلوطة ومعلومات غير دقيقة تحاول استخدام حقوق الإنسان كسلاح لتشويه الدولة عالميا مستندة على ظواهر سابقة اختفت من الواقع المصري الجديد.

كل هذه التطورات الايجابية في ملف حقوق الإنسان كواقع معاش على الأرض بعد ثورة 30 يونيو تعكس ملامح الجمهورية الجديدة القائمة على احترام حقوق المواطن في المقام الأول ثم يأتي بعدها التزام مصر بتعهداتها الدولية سواء لمؤسسات الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية وإن ‏مصر خلال السبع سنوات الماضية حققت قفزات حقيقة وغير مسبوقة في مجال احترام حقوق الإنسان ‏وبما يتفق مع روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ‏ويتناسب مع التحديات التي تواجه الدولة المصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى