سياسة

“الجمهورية الجديدة”.. سياسة خارجية “فاعلة” ودور “محوري”

بدأت مصر منذ يونيو 2014 مرحلة جديدة من مراحل سياستها الخارجية ارتسمت فيها ملامح الجمهورية الجديدة، وعبرت بها مرحلة صعبة كان الترقب والانكفاء على الذات هو عنوانها الرئيس، فأدت إلى تراجع فاعلية السياسة المصرية بوجه عام والخارجية منها على وجه الخصوص. فاتسمت دبلوماسية الجمهورية الجديدة بسمات أعادت إلى مصر مكانتها الإقليمية والدولية، ودورها المحوري والمركزي في المنطقة، مُحدِثة نقطة تحول فارقة في مسار السياسة المصرية.

حصاد سبع سنوات

فرضت مصر نفسها رقمًا مهمًا في معادلات المنطقة المختلفة، وفاعلًا قويًا في استراتيجيات الأحلاف السياسية والاقتصادية في الإقليم؛ إذ لعب التوظيف الأمثل للإرث الجيوسياسي الذي تملكه القاهرة، وتحركاتها الفاعلة في مختلف الملفات والأزمات، ومقارباتها الاستراتيجية نحو تعزيز التعاون المشترك مع مختلف القوى والفاعلين؛ دورًا مهمًا في تعزيز مكانتها إقليميًا ودوليًا على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية كافة.

  • اختراق ناجح

مثّلت التحديات والأزمات المشتعلة في المنطقة والتحولات الإقليمية والدولية تحديًا في حد ذاتها للسياسة المصرية، مما جعل من الضروري أن تطور مصر سياساتها ليمكنها التعامل مع هذا الواقع الجديد أولًا، وأن تعيد مكانتها ودورها في المنطقة. وقد تعاطت مصر مع هذا الواقع بسياسة اتسمت بالاختراق الإيجابي لمختلف الأزمات للوصول إلى حلول لها وتحييد المخاطر الناجمة عنها بالنسبة للأمن القومي المصري والعربي.

ومن هذا المنطلق، اضطلعت القاهرة بدور فعّال في مختلف الأزمات العربية، وساهمت بتحركاتها النشطة والإيجابية في الوصول إلى حلول لبعض من هذه الأزمات، مثل الأزمة الليبية التي كادت في وقت من الأوقات أن تتحول إلى حرب إقليمية شاملة، إلا أن رسم القاهرة للخط الأحمر عند محور (سرت – الجفرة) قد أوقف نُذر الحرب، وساهم “إعلان القاهرة” في الوصول إلى حل سياسي للأزمة باختيار سلطة انتقالية منتخبة تمهد الطريق لإجراء انتخابات.

وقد اهتمت مصر في إطار الجمهورية الجديدة بأن تعيد تصويب أولويات سياستها الخارجية وذلك عبر وضع المشروع العربي في صدارة أولوياتها مجددًا –كما سبقت الإشارة-، وإعادة الاعتبار للعمق الأفريقي وأهميته في استراتيجية السياسة المصرية، لا سيّما بعد تعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي بعد ثورة 30 يونيو 2013، فعمدت القاهرة إلى تصويب هذه العلاقات، وتعميق التعاون مع مختلف الدول الأفريقية –وفي القلب منها دول حوض النيل-، حتى وصلت إلى رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 2019 بشكل باتت معه المعبر عن قضايا القارة الأفريقية والمتحدث باسمها حتى بعد انتهاء فترة رئاستها للاتحاد، وهو ما ظهر في  القمة الأخيرة في باريس لتمويل الاقتصادات الإفريقية.

  • تحالفات إقليمية ودولية

مزجت استراتيجية السياسة الخارجية المصرية خلال سبع سنوات بين أوجه التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري كافة، فعقدت، عبر ذلك، عددًا من التحالفات المشتركة مع دول إقليمية وعالمية، تهدف في جوهرها إلى تحقيق صالح الدول المنضوية بها، ومواجهة المخاطر المشتركة، وصيانة الأمن القومي. فعلى الصعيد السياسي عمّقت مصر علاقاتها مع مختلف الدول العربية لتنسيق المواقف في مواجهة التحديات المشتركة، ولا سيّما في إطار “الرباعي العربي”.

أما اقتصاديًا، فنجد أن مصر قد أسست منتدى غاز شرق المتوسط مع كل من إيطاليا واليونان وقبرص والأردن وإسرائيل وفلسطين (يناير 2019) في القاهرة بهدف دعم جهود الدول الأعضاء في الاستفادة من احتياطاتهم واستخدام البنية التحتية وبناء بنية جديدة، وتأمين احتياجاتهم من الطاقة لصالح رفاهية شعوبهم.

ذلك مع إنشاء سوق غاز إقليمي يخدم مصالح الأعضاء من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد على الوجه الأمثل وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية. وعقدت بالتوازي مع ذلك عددًا من الاتفاقات ومذكرات التفاهم مع دول كثيرة في إطار استراتيجيتها لتصبح مركزًا إقليميًا لتداول الطاقة، عبر إقامة شراكات متعددة الأهداف مع الدول ذات الاهتمام المشترك.

ودمجًا بين البعدين السياسي والاقتصادي، أقامت مصر آلية التعاون الثلاثي مع الأردن والعراق في إطار “المشرق الجديد” والذي يهدف إلى التكامل السياسي والاقتصادي بين البلدان الثلاثة، والاستفادة من قدراتها المشتركة، ويمثل في إطاره التكاملي بين البلدان الثلاثة أفقًا جديدًا لتحالف عربي جديد نواته مصر، يعظم المصالح الاقتصادية بينها من خلال الربط الكهربائي وتصدير النفط والاستفادة من القدرات البشرية واللوجستية، فضلًا عن التنسيق السياسي والأمني بين الدول الثلاث في مختلف المواقف ومجابهة كافة التحديات المشتركة.

وعززت مصر على المستويين الأمني والعسكري من علاقاتها مع مختلف الدول في الإقليم والعالم من خلال عدد كبير من التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة بهدف رفع جاهزية القوات والاستعداد القتالي في مختلف المسارح العملياتية، بدءًا من حوض النيل من خلال المناورات العسكرية مع السودان “نسور النيل” و”حماة النيل”. مرورًا بمنطقة الشرق الأوسط من خلال التدريبات المشتركة مع الدول العربية مثل تدريبات “العقبة” و”فجر الشرق” مع الأردن، وتدريبات “زايد” مع الإمارات، وتدريب “سيف العرب” مع كل من السعودية والإمارات والأردن والبحرين والسودان، وكذلك التدريبات العسكرية العابرة في نطاق البحرين الأحمر والمتوسط مع عدد من الدول العربية والأوروبية، وآخرها التدريب المصري الفرنسي البحري العابر بنطاق الأسطول الشمالي بالبحر المتوسط (5 يونيو)، والتدريب العابر في البحر الأحمر مع فرنسا (9 مايو)، والتدريب العسكري بنطاق البحر المتوسط (19 مايو) بمشاركة 13 دولة هي مصر وتونس والولايات المتحدة وبلجيكا واليونان وإيطاليا وإسبانيا ومالطا والمملكة المتحدة والجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا، والتدريب البحري العابر مع الولايات المتحدة في نطاق الأسطول الجنوبي بالبحر الأحمر (13 مايو). وصولًا إلى البحر الأسود في إطار تنفيذ التدريب البحري المصري الروسي المشترك “جسر الصداقة – 3” (نوفمبر 2020).

وقد أتت هذه التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة مع القوى الإقليمية والدولية نتاجًا للدبلوماسية المتوازنة التي انتهجتها الدولة المصرية عبر الشراكة مع جميع القوى الدولية، وتعزيز العلاقات مع الجميع على حد سواء وفق مصالحها دون التبعية لأي منها؛ إذ إن السياسة الخارجية للقاهرة تركز في المقام الأول على حماية مصالحها الخاصة وأمنها القومي. ولذلك تحافظ القاهرة على مستوى العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن، وترتبط بعلاقات استراتيجية وطيدة مع كل من موسكو وبكين، وتعد الشريك الأكثر أهمية وموثوقية بالنسبة للاتحاد الأوروبي في المنطقة.

  • الدولة المركزية

أفضت كل هذه النتائج السابقة إلى استعادة الدولة المصرية لمساحات الدور والمكانة التقليدية، وفقًا لمعطيات ثابتة تفرضها حقائق الجغرافيا والتاريخ والتأثير. وأن تعود إلى تبوء دور الدولة المركزية في الإقليم التي تسعى كل القوى إلى الاستفادة من خبراتها في عدد من القضايا مثل الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وتنسيق مواقفها معها في مختلف الأزمات التي تشهدها المنطقة؛ الأمر الذي ظهر بوضوح خلال الحرب الأخيرة على غزة.

فقد أوضح التصعيد الإسرائيلي الفلسطيني الأخير، والتفاعل المصري معه منذ لحظاته الأولى محورية الدور المصري في الإقليم، وخاصة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رغم محاولة عدة دول عربية وغير عربية الحصول على هذا الدور استغلالًا للتحولات الإقليمية والدولية الجارية. غير أن كل هذه المحاولات قد تحطمت على صخرة التجربة التي برهنت على أن الدور المصري في الإقليم لا يمكن استبداله، وأنه لا مناص من أن يعتمد الانخراط الدولي في الإقليم على التنسيق المشترك مع القاهرة، وهو ما بدا في الأزمة الأخيرة عبر السعي الحثيث من كل القوى الإقليمية والدولية إلى دعم الجهود المصرية لوقف إطلاق النار ثم جهود إعادة الإعمار.

من هذا المنطلق تتأكد مكانة مصر كلاعب مهم في المنطقة العربية والإقليم اعتمادًا على أسس السياسة الخارجية المصرية الثابتة القائمة على دعم الدول الوطنية والدفاع عن سيادة الدول واستقرارها، ومواجهة المشاريع الإقليمية الطائفية والتوسعية؛ فاستطاعت مصر استغلال عوامل عدم الاستقرار العديدة التي شهدتها المنطقة منذ 2011 في تطوير سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة وفاعلة ومؤثرة على المستويين الإقليمي والدولي.

ولعل هذه المقاربة المصرية الفاعلة في مختلف الملفات هي ما دفعت دول إلى محاولة تجاوز خلافاتها مع القاهرة، والبحث عن أسس مشتركة للعلاقات يمكن البناء عليها لاستعادة العلاقات زخمها السابق، وهو ما ظهر مؤخرًا في انفتاح الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جو بايدن بشكل واسع مع مصر عبر إجراء اتصالين هاتفيين بالرئيس عبد الفتاح السيسي في غضون أيام قليلة، وزيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى القاهرة.

وظهر كذلك في النموذج التركي؛ إذ أدى النجاح المصري في ملفات مثل ليبيا وشرق المتوسط إلى سعي أنقرة الحثيث إلى إصلاح علاقاتها مع مصر، مُبرزة أهمية هذه العلاقات بالنسبة لها. وأيضًا، دفع ذلك الدوحة إلى تغيير بعض سياساتها لتتواءم مع الثوابت المصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى