سياسة

استعادة المكانة.. مصر والقوى الكبرى في سياق الجمهورية الجديدة

أكد الخطاب الذي ألقاه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الـ33 للقوات المسلحة بعنوان “لولاهم ما كنا هنا”،  أن البلاد تشهد ميلاد جمهورية جديدة كإقرار لما شهده الواقع من تغيير يُعلي مكانة الوطن. لم يكن ذلك على مستوى الداخل فقط، بل انطلق لاستعادة المكانة المصرية على الساحة الدولية عبر تقوية العلاقات مع القوى الكبرى دون محاباة لقوة دون أخرى وفي إطار من النديّة، بحثًا في النهاية لتحقيق ما تستوجبه المصلحة الوطنية المصرية. فقد دأبت مصر على الظهور بشكل أفضل أمام العالم واستخدام قوة الدبلوماسية لتغيير وجهات النظر السلبية، وطرح رؤى قوية لمناقشة القضايا محل الاهتمام الدولي والإقليمي.  

  • استقلالية القرار دون تنازلات: على الرغم من الإدراك المصري لاستراتيجية العلاقات مع الولايات المتحدة، لم يكن هناك أية تنازلات تمس استقلال القرار المصري في العملية السياسية بمعزل عن الضغوط والتهديدات الخارجية بتقليل أو قطع المعونات الاقتصادية والعسكرية. وتم إثبات أن مصر قادرة على التعامل مع مختلف الإدارات الأمريكية، ونتيجة لذلك، عاد الحوار الاستراتيجي بين البلدين عام 2015 بعد توقفه منذ عام 2009. أدت تلك الاستقلالية إلى ترحيب واشنطن بإعلان القاهرة للتسوية السياسة ووقف إطلاق النار في ليبيا، وفي غزة في شهر مايو 2021، بالإضافة لتبادل لوجهات النظر حول مفاوضات ملف سد النهضة الإثيوبي، ومواجهة الإرهاب والاستقرار الإقليمي، مع دعم السعي المصري لإقامة تجربة تنموية واقتصادية. تعد مصر أكبر مستقبل للاستثمار الأمريكي في أفريقيا، فقد بلغت نسبة الاستثمار الأمريكي في مصر بنسبة 17.7%. وقد تعزّز التبادل التجاري المصري الأمريكي عام 2019 ليصل إلى 8 مليارات و618 مليون دولار، ويصل حجم استثمارات الشركات الأمريكية العاملة في مصر إلى 24 مليار دولار، هذا بجانب برامج المساعدات في مجالات التعليم والصحة والزراعة وتمكين المرأة والشباب بما يزيد عن 600 مليون دولار. بجانب تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال بما يقارب 200 مليون دولار. 
  • استغلال التعددية القطبية الدولية: ففي ظل الحديث عن تحولات النظام الدولي لهيكل تعددي مع تراجع الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، لجأت مصر لتقوية علاقتها مع الدول الكبرى –روسيا والصين- لفتح مجال لتوزيع التفاعل الخارجي، وهو ما أُطلق عليه في مصطلح “التحول شرقًا” تعبيرًا عن مساعي مصر الخارجية المتوازنة، وفي نفس الوقت محفّزًا لتعظيم المكاسب الاقتصادية والسياسية المصرية وتعزيز قدرتها على المناورة في علاقتها الخارجية.
  • منعطف إيجابي في العلاقات مع روسيا: استنادًا لما قدمته روسيا من دعم لمصري بعد 30 يونيو ومساندتها في المحافل الدولية وعبر التصريحات الرسمية، بدأت العلاقات المصرية الروسية تتخذ منعطفًا جديدًا. تم تفعيل صيغة “2+2” للتنسيق العسكري والسياسي بين البلدين، لتصبح مصر سادس دولة ترتبط مع روسيا بهذه الصيغة. بجانب أن روسيا استحوذت على نصيب كبير من صفقات التسليح المصرية، منها صفقة بـ46 طائرة مقاتلة من طراز “ميج-29” عام 2015، و46 مروحية هجومية من طراز “كا-52″، و24 مقاتلة جوية من طراز “سوخوي- 35″، ولنش عسكري “بي32- مولينيا”، كما أن القمر الصناعي العسكري المصري “إيجيبت سات A” كان نتاج صفقة بقيمة 100 مليون دولار، ومنظومة الدفاع الجوي “إس-300″ و”بوك إم2″ و”تور إم2”. تعد مصر الشريك التجاري الأول في أفريقيا بالنسبة لروسيا بنسبة تعادل ٨٣% من حجم التجارة الروسي مع القارة، وتعد المنطقة الصناعية الروسية من أكبر المشروعات الاستثمارية التي تضخ حوالي 7 مليار دولار، بالإضافة إلى المشاركة في العديد من المشروعات التنموية المصرية، إذ تتواجد في مصر نحو 467 شركة روسية. كما تم توقيع اتفاقية تعاون تعني بإقامة أول محطة نووية تضم أربعة مفاعلات لإنتاج الطاقة الكهربائية في منطقة الضبعة. ومن المقرر عقد اجتماعات اللجنة المصرية الروسية المشتركة في نوفمبر 2021 بالعاصمة موسكو لمناقشة مجالات التعاون المشتركة التي سيكون من ضمنها انضمام مصر لمنطقة التجارة الحرة للاتحاد الأوراسي الذي تولي له مصر أهمية كبيرة.
  • مزيد من انتعاش العلاقات مع الصين: كانت الصين على رأس الدول الكبرى الداعمة للتحولات التي فرضتها الإرادة الشعبية، وأكدت حرصها على دعم العلاقات الاستراتيجية بين البلدين في كل المجالات، إذ بلغت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عامها الخامس والستين في مايو 2021. ومن الصفقات التي عُقدت مع الصين، 10 طائرات دون طيار من طراز “وينغ لونغ-1″، وطائرات دون طيار مسلحة من طراز “وينغ لونغ-2″، والحديث عن التعاون في مشروعات الأقمار الصناعية والفضاء. تعد مصر من أهم ركائز مبادرة الحزام والطريق الصينية، حيث تعتبر قناة السويس هي الرابط بين طريقي الحرير البري والبحري، وهو ما دفع لتقدم الاستثمارات الصينية لتصل إلى 104 مليون دولار عام 2019، وارتفع حجم تجارة البضائع ليصل إلى 4.17 مليار دولار في الربع الأول لعام 2021. بجانب استقبال أعمال شركات صينية بأكثر من 7 مليار دولار وصل عدد المسجلين منهم حوالي 1560 شركة. هذا بالإضافة للمنطقة الصينية بالجزء الجنوبي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات تُقدّر بـ350 مليون دولار. كما أن مبادرة “التوجه نحو أفريقيا” التي تستهدف تنمية الاستثمار الصيني في أفريقيا تبدأ من مصر.
  • تعزيز الاستثمار والتجارة مع الاتحاد الأوروبي: فقد شكّل حجم تجارة مصر مع الدول الأوروبية نحو 30% من إجمالي حجم تجارتها السلعية مع العالم، وارتفع حجم التبادل التجاري المصري الأوروبي عام 2019 بنسبة 6.8% ليبلغ 29.7 مليار يورو بدعم من اتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية التي دخلت حيز التنفيذ عام 2004. وتولي مصر أهمية كبيرة لمشروع الربط الكهربائي مع الاتحاد عبر قبرص. يتصدّر الاتحاد قائمة الجهات المستثمرة في مصر بنسبة بلغت 57% من إجمالي 4.2 مليار دولار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. يصل حجم مشروعات التعاون التنموية المخصصة لمصر من الاتحاد الأوروبي إلى 1.1 مليار يورو سنويًا تساهم في قطاعات تحسين الأسواق المحلية ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتحديث والتدريب المهني، والطاقة المتجددة والمياه والصرف الصحي وإدارة المخلفات والبيئة، وحقوق الإنسان، والعدالة والإدارة العامة. كما تم توفير 425 مليون يورو لدعم الشركات المصرية الصغيرة ومتوسطة الحجم التي تأثرت بجائحة كورونا. بجانب هذا، استضافت مصر القمة العربية الأوروبية الأولى بشرم الشيخ يوميّ 24 و25 فبراير 2019، بهدف تعزيز التعاون لمواجهة التحديات المشتركة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والأمنية. وتم توقيع مذكرة تفاهم مشتركة في 2018، وذلك في إطار دعم الاتحاد للرؤية المصرية بأن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة. ولا يخفى أن قضية الهجرة غير الشرعية تستحوذ على جزء كبير من اهتمام الجانبين المصري الأوروبي، عبر مبادرات لتطوير منظور شامل للتعامل مع هذه القضية وضبط الحدود ووضع إطار تشريعي لمكافحتها.

ختاما

انعكاسًا لما تشهده الساحة الدولية من تحولات في ترتيبات القوى وتنافسها، لم تغفل مصر محاولة العمل على إيجاد سبل للتعاون مع مختلف القوى الكبرى في النظام الدولي بما يحفظ استقلاليتها ويُعزّز مكانتها ويفرض أهميتها على مجريات القضايا إقليميًا ودوليًا ورسم سيناريوهاتها المستقبلية بما يخدم المصالح الوطنية والأمن القومي المصري في نهاية الأمر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى