أفريقيا

مراجعة سودانية لوجود القاعدة الروسية ورغبة إثيوبية في امتلاك قاعدة على البحر الأحمر..”لماذا الآن”؟

تصريحات متضاربة وسيناريوهات متعددة طرحت تساؤلًا في الأيام الأخيرة، هل انسحبت السودان من اتفاقية تسمح لموسكو بامتلاك قاعدة عسكرية على البحر الأحمر في بورتسودان – حسب الجانب الروسي فإن ما حدث لا يتعدى كون الجانب السوداني يطرح بعض التساؤلات المبنية على أن بعض المستجدات قد ظهرت. وهو ما صرح به نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوجدانوف لوكالة إنترفاكس للأنباء والمحسوبة على الحكومة الروسي.

ولكن الجانب السوداني أشار إلى أنه سيعيد النظر في هذه الاتفاقية حيث بدا وقع اللهجة مختلفًا، خاصة أن هذا الاتفاق تم التوقيع عليه في عهد عمر البشير الذي تمت إزاحته بثورة شعبية في عام 2019. وهو ما أكد عليه رئيس أركان الجيش السوداني.

 وبالرجوع إلى مسودة الاتفاقية فقد نصت على أمرين، الأول يسمح لموسكو بإنشاء مركز دعم لوجيستي على ساحل البحر الأحمر في السودان لتزويد الأسطول الروسي بالوقود، والثاني تسمح الاتفاقية التي تعطي هذه الامتيازات للجانب الروسي لمدة 25 عامًا لموسكو بنقل أسلحة وذخائر ومعدات عبر الموانئ السودانية، وهو ما عبر عنه رئيس الأركان السوداني ووصفه بأن الاتفاقية تحمل شبهة ضرر لبلاده. خصوصًا أنها لم تعرض على المجلس التشريعي ولم يتم التصديق عليها وبالتالي فهي غير ملزمة للخرطوم. 

يحدث ذلك وسط وجود تكهنات بأن الضغوطات الأمريكية هي التي حولت دفة الأمور بين الجانبين السوداني والروسي، فالسودان الذي رفعته الولايات المتحدة من القائمة الدولية للدول الراعية للإرهاب إضافة إلى رفع العقوبات، يبدو وقد خرج عن النص إذا ما أراد استضافة قاعدة عسكرية مملوكة لغريم واشنطن التقليدي ولا يستبعد أن تكون الخرطوم قد نزلت على رغبة واشنطن.

فلامنجو.. ثمرة للعلاقات

يتم النظر لقاعدة ” فلامنجو” العسكرية باعتبارها ثمرة للعلاقات السودانية- الروسية التي شهدت العديد من الاختبارات على مدى عقود، ورغم أنه من المعروف أن روسيا طالما بحثت لنفسها لمنفذ على المياه الدافئة وأن الخرطوم “تدرك” ذلك فإن الجانب الغربي الذي ينظر بعين الريبة لعودة الدب الروسي إلى المحيط الأفريقي لم يفته أن يسمم هذه المشاريع المستقبلية.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\4368ba264238f3558b5556c5baa8ad9b.jpg

وما ظهر جليًا بين الطموح الروسي ومحاولات التسميم الغربية هو أن هناك اتجاه دولي لاكتساب مناطق النفوذ في منطقة البحر الأحمر، ويحيلنا ذلك إلى تصريحات أديس أبابا التي جاءت موجزة خلال الأسبوع الماضي على لسان المتحدث باسم خارجيتها حينما عبر صراحة عن رغبة بلاده في تملك قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، خاصة وأن إثيوبيا تعد دولة حبيسة وبالتالي فهي تبحث لنفسها عن منافذ على المحيط بتقوية علاقاتها مع محيطها الأفريقي من الدول المطلة على المحيط. 

حيث أشار دينا مفتي إلى أن دولًا مختلفة أعربت أكثر من أي وقت مضى عن اهتمامها بالسيطرة على منطقة البحر الأحمر ووصف الوضع هناك بالمقلق، وحسب محللين فإن تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية وثيقة الصلة بزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جيبوتي حيث جاءت بعد أيام من زيارته لجارة إثيوبيا اللصيقة والتي تمثل منفذًا لها على البحر الأحمر. وفي نفس السياق فإن كلًا من القاهرة وجيبوتي أعضاء في مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن والذي يقع مقره في الرياض.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\201931381550526GH.jpg

وما يجعل هذا الأمر لا يبدو غريبًا أن كل من إثيوبيا وفرنسا وقعتا في 2019 على أول اتفاق تعاون عسكري بينهما، ويتضمن مساعدة أديس أبابا في بناء سلاح بحري، وإذا كانت إثيوبيا دولة حبيسة فمن الطبيعي أن تبحث لنفسها عن قاعدة على المحيط حتى يستقر فيها سلاحها البحري.

أطماع تركية

وبالنسبة إلى السودان، فإن المحاولة الروسية ليست الأولى ومن أوائل الدول التي برزت أطماعها في منطقة البحر الأحمر هي تركيا بنزعاتها العثمانية، التي رصدت مبكرًا وعن طريق التعاون مع نظام الإنقاذ قبل أن تتم إزاحته في 2019 أهمية جزيرة سواكن السودانية وما تمثله من تحقيق لطموحاتها في أن تصبح شوكة في خاصرة المملكة العربية السعودية، لأن وجود تركيا في قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن يعني أن منطقة الخليج برمتها لا تبعد عن مرمى النفوذ التركي بأكثر من 355 كلم، خصوصًا مع امتلاك تركيا لقاعدة عسكرية في قطر – كان الأمر سيصبح بمثابة تطويق تركي لمنطقة الخليج، ولكن سقط نظام الإنقاذ وسقطت معه الطموحات التوسعية لتركيا وعوضًا عن ذلك استطاعت مصر أن تمد نفوذها في هذه المنطقة عن طريق افتتاح قاعدة برنيس البحرية والتي تعد أكبر قاعدة عسكرية على البحر الأحمر .

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Pictures\1-1007677.jpg

وحسب محللين سودانيين فإن خطأ منح الأتراك جزيرة سواكن كان ربما الخطأ الذي أخرج البشير من القصر وقضى على أواخر آماله في حكم السودان، وتحديدًا لأن السودانيين كانوا قد نجحوا للتو في طرد البوارج الإيرانية من بورتسودان التي تبعد عن الأماكن المقدسة في مكة المكرمة بحوالي 355 كلم أيضًا. ولم يكن يرغب بحال من الأحوال باستبدال النفوذ الإيراني بآخر تركي – فكلاهما مشكوك في نواياه.

صراع الـ16

حسب تقارير تناولتها وسائل إعلام دولية، يبلغ عدد الدول التي تتصارع على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط   16 دولة، وتمتلك ما إجماليه 19 قاعدة عسكرية في المنطقة المعروفة بالقرن الأفريقي، ولهذه المنطقة أهمية استراتيجية لكل دول العالم لأنها تجمع بين الإطلالة على البحر الأحمر والمحيط الهندي وخليج عدن بمعنى آخر فإن من يسيطر عليها يستطيع التحكم بمضيق باب المندب. 

وتكفي الإشارة هنا إلى أن جيبوتي على حدة تستضيف تسع قواعد عسكرية من ضمنها قاعدة سعودية مع الوضع بالاعتبار أن مصر تمتلك القوة البحرية الأكثر فتكًا في منطقة البحر الأحمر ومن الطبيعي أن الدول التي تمتلك قوات في هذه المنطقة تسعى لتوفير مراكز دعم لوجيستي لها.

ويجتذب صراع النفوذ في منطقة البحر الأحمر اهتمامًا دوليًا من روسيا والولايات المتحدة حيث تهتم الأخيرة بالمنطقة لتكون نقطة انطلاق لها في عمليات مكافحة الإرهاب، بينما تختلف الدوافع الروسية كثيرًا.

وحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام فإن منطقة القرن الأفريقي تتكون تقليديًا من إريتريا، وجيبوتي، والصومال، وإثيوبيا، ولكن على صعيد عسكري أو أمني فإنه يضم إلى جانب هذه الدول الأربع كل من كينيا، وسيشيل، وجنوب السودان، والسودان.

11 سبتمبر ” نقطة التحول”

تعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 هي نقطة التحول في النظرة العالمية للتعامل مع خطر الإرهاب، وكانت حجر الأساس الذي وضع في التوجه العالمي للاهتمام بمنطقة القرن الأفريقي.  وكان المحرك الأساسي حسب معهد ستوكهولم أن الدول الكبرى قررت دعم المهام العسكرية لجيوش دول منطقة القرن الأفريقي، قبل أن يتحول الأمر إلى مهام متعددة الأطراف بمشاركة القوات الأجنبية للدول الداعمة، وتوجد مؤشرات حالية على أن هذا كان الهدف المرجو من الأساس.

ويمكننا وضع خارطة نفوذ دولي في منطقة البحر الأحمر عن طريق رصد عدد القواعد العسكرية ومناطق تواجدها:

  • جيبوتي: تأتي على رأس القائمة بوجود تسع قواعد عسكرية على سواحلها – للولايات المتحدة نصيب الأسد منها بحوالي ست قواعد عسكرية.  وتشير بعض التقديرات إلى أن المملكة السعودية تمتلك قاعدة أيضًا في جيبوتي مما يرفع عدد القواعد العسكرية في هذا البلد إلى عشر.
  • الصومال: إجمال خمس قواعد عسكرية منها قاعدة تمتلكها الإمارات.
  • إريتريا: يوجد بها قاعدتان إسرائيليتان واحدة لإسرائيل ” موقعها غير محدد بعد” وأخرى إماراتية في مدينة عصب الساحلية. 
  • كينيا: يوجد بها قاعدتين عسكريتين، إحداهما أمريكية في “خليج ماندا”، والأخرى بريطانيا في مدينة نانيوكي.
  • سيشيل: توجد بها قاعدة عسكرية أمريكية.

مناطق النفوذ.. القوى العسكرية المتمركزة

تنتشر قوات بحرية تتمركز قبالة سواحل القرن الأفريقي، إضافة إلى جنوب البحر الأحمر وخليج عدن ضمن القوات الأجنبية شديدة التأثير في منطقة القرن الأفريقي حيث تتباين دوافع كل دولة في إرسال قواتها إلى منطقة البحر الأحمر ويمكن تقسيم مناطق تمركز القوى الأجنبية في منطقة البحر الأحمر كالتالي:  

  • خليج عدن وباب المندب: يتمركز بها القوة البحرية المشتركة “سي تي إف 151″، التي تم تأسيسها عام 2009، بمشاركة قوات بحرية من عدة دول لمحاربة القرصنة.
  • تتمركز قوة بحرية فرنسية في جزيرة ريونيون في المحيط الهندي، قبالة القرن الأفريقي، وأعلنت الهند إرسال حاملة طائرات للعمل مع القوات الفرنسية هناك، بحسب ما ذكرته مجلة “ذي واير”.
  •  تتمركز قبالة السواحل الصومالية سفن القوة البحرية الأوروبية لمكافحة القرصنة “إيه يو نيف فور”، التي تشكلت عام 2008، كما توجد قوات بحرية هندية قبالة سواحل الصومال وسيشل وعمان.
  • يتمركز قبالة سواحل إريتريا، في جنوب البحر الأحمر قوات بحرية سعودية ومصرية، بحسب معهد ستوكهولم، وتتمركز سفن حربية روسية وصينية وإيرانية، لمكافحة القرصنة في خليج عدن.
  • توجد قاعدة عسكرية “سعودية إماراتية” في جزيرة سقطرى اليمنية، قبالة سواحل القرن الأفريقي، وتعمل قوة المهام المشتركة البحرية “سي تي إف 150″، في منطقة خليج عدن، إضافة إلى عملها في خليج عمان والمحيط الهندي والبحر الأحمر.
C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\خريطة 2.jfif

محيط قابل للانفجار

إذا كنا نتحدث عن صراع دولي للهيمنة واكتساب مناطق النفوذ في منطقة البحر الأحمر، وحسب ما تم حصره من قبل معهد ستوكهولم لأبحاث السلام فإن التنافس يدور بين 16 دولة ووصول عدد القواعد الأجنبية في دولة مثل جيبوتي إلى تسع قواعد –  فإننا بساطة يمكننا إدراك أن الوضع في تلك المنطقة قابل للانفجار في أي وقت، وإن كان الحضور المصري من خلال قاعدة برنيس العسكرية داخل أراضيها على البحر الأحمر يعد ضابطًا لهذه الأوضاع نظرًا لقوة مصر العسكرية الضاربة في المنطقة.

لماذا البحر الأحمر؟

رغم كون سواحل البحر الأحمر كانت جاذبة دومًا لوجود القوات الأجنبية على مدار التاريخ إلا أن هناك بعض العوامل التي ظهرت في الآونة الأخيرة وأدت إلى اجتذاب الاهتمام مرة أخرى إلى هذه المنطقة مخلفة نوعًا من التنافس الدولي.

أبرز هذه العوامل كانت التحولات الضخمة التي شهدتها المنطقة بعد عام 2010، وكان من أهم انعكاساته الصراع الدائر في اليمن، وبطبيعة الحال – فلما كان من يتحكم في منطقة البحر الأحمر يستطيع التحكم في منطقة باب المندب، فقد فتح الصراع الدائر في اليمن أعين الدول الخليجية على أهمية امتلاك قواعد عسكرية أو على أقل تقدير مراكز دعم لوجستية في منطقة البحر الأحمر، فجاءت المبادرة الإماراتية التي سعت لامتلاك مركز دعم لوجيستي لقواتها المتمركزة في اليمن في “عصب” الإريترية. ولحقت بها السعودية في امتلاك قاعدة عسكرية في الصومال وأخرى يجري الحديث عنها في جيبوتي.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\1463647018367274200.jpg

على صعيد آخر، حدث نوع من تصاعد التنافس الدولي بين أمريكا من جهة والصين من جهة أخرى، وكانت بكين ذات توجه بارز في التعبير عن سياساتها الجديدة في القرن الأفريقي، بامتلاكها لأول قاعدة في جيبوتي والتي تضم حوالي عشرة آلاف جندي بموجب اتفاق يسري حتى 2026.

وتكمن أهمية هذه القاعدة في رصد تحول الاهتمام الصيني في أنها بعيدة عن مركز اهتمامها التقليدي في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادي، كما أن القاعدة العسكرية في جيبوتي تعكس الوجه الآخر لمبادرة الحزام والطريق التي تفهم في أغلب الأحوال كونها مشروع اقتصادي. الأمر الذي يشكل مصدر إزعاج لواشنطن خصوصًا إذا ما علمنا أن القاعدة الصينية تقع على مسافة كيلومترات من القاعدة الأمريكية في جيبوتي.

ميزان القوى

المتابع لشأن التطورات في المنطقة يمكنه أن يرصد ترحيبًا بل رغبةً من دول الساحل في البحر الأحمر لاستضافة قواعد أجنبية على أراضيها نظرًا للأوضاع الاقتصادية السيئة التي تعاني منها تلك الدول، وخاصة تلك التي تقع تحت وطأة عقوبات اقتصادية ومنها أريتريا على سبيل المثال.

ولكن ما يشهده الإقليم يثير حفيظة دول أخرى وخصوصًا إثيوبيا باعتبارها دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عنها في عام 1993، حيث تنظر أديس أبابا إلى تقاسم القوى الإقليمية والدولية النفوذ في المنطقة بعين الريبة. وذلك لأنها تواجه منافسة وضغوطات كبيرة من دول أخرى مثل جيبوتي على وجه التحديد، لأن الدول الكبرى لا تقوم فقط بإنشاء قواعد عسكرية وإنما تعمل على تدريب القوات في تلك الدول، مما يجعل أديس أبابا متخوفة من إمكانية نشوب صراع إقليمي في منطقة مضطربة من الأساس.

إضافة إلى ذلك المشكلات التي يعاني منها النظام السياسي في إثيوبيا مع المعارضة، كما أن أديس أبابا تتخوف من علاقات مصر الوثيقة مع دول الخليج وإمكانية أن تؤثر هذه العلاقات على الروابط البينية بين إثيوبيا ودول الخليج، ومع عدم امتلاك أديس أبابا لأي وجود على البحر الأحمر فإن هذا يهدد بتقويض مكانتها وأهميتها الإقليمية. 

وأخيرًا يمكن القول إن تصاعد التطورات في منطقة الشرق الأوسط يمثل إعادة تقييم لإقليم البحر الأحمر وأهميته، مما يجذب العديد من الفاعلين الذين يجدون أن هذه التطورات تحمل فرصًا حقيقية لتدعيم مصالحهم عن طريق الوجود العسكري بالدرجة الأولى. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى