العالم العربي

معادلات التوازن الإقليمي في مهب التغيير

جلال نصار
مدير وحدة الدراسات العربية والإقليمية

تمر منطقة الشرق الأوسط بمرحلة تغيير وسيولة نتيجة لعدد من المتغيرات التي طرأت على الفاعلين في معادلة التوازن الإقليمي من الدول الكبرى في المنطقة وكذلك الفاعليين الدوليين الذين يساهمون في رسم ملامح الإقليم والتأثير على تفاعلاته.

إيران؛ تستعد لمرحلة ما بعد صفقة المفاوضات النووية وتضغط بكل أذرعها المسلحة المنتشرة في المنطقة، وتفتح قنوات للتفاوض مع دول الخليج وتحاول السيطرة على العراق بإجهاض مشروع الكاظمي، وتعقد إتفاقيات وتفاهمات إستراتيجية مع الصين وروسيا تمنحها البدائل المطلوبة في مراحل التفاوض مع واشنطن والأوربيين؛

تركيا؛ تتخلص من أعباء الإخوان مرحليا لتهدئة المعارضة الداخلية ووقف مزيداتها السياسية وتسعى لإقناع جيرانها فى الإقليم وحلفائها فى الإتحاد الأوروبي وواشنطن وموسكو بأنها جادة في بناء علاقات تخدم مصالح كل الأطراف بينما تحتفظ بمخزونها الاستراتيجي من جنود مشروع الخلافة من الإرهابيين والمسلحين المنتشرين على مسارح الصراع فى الإقليم إلى أن يتم لها ما تريد من صفقات تمهيدا لنقلهم إلى مسارح أخرى تحتاج إلى أوراق ضغط وإبتزاز.

إسرائيل؛ بعد انكشافها في الأراضي المحتلة وهزيمتها أمام غضب الفلسطينيين فى القدس ونابلس والناصرة وبيت لحم والخليل وقطاع غزة وما تعانيه الأجواء الإسرائيلية من إنقسام وإستقطاب سياسى وعدم إستقرار وفساد وتطرف وجدل حول القدرات الدفاعية والردع والثقل فى الإقليم.

مصر؛ المتعافية العائدة بقوة إلى مسرح الأحداث بعد سنوات من “الكمون الاستراتيجي” بسبب ما شهدته من ثورات وتطورات وضغوط داخلية أمنية وتنموية وتعاني من تبعات فترة الغياب فى ملفات وجودية مثل السد الأثيوبي على النيل الأزرق والإرهاب الذى يحاصرها ويستهدفها على كل الحدود بعد أن عاش طويلا فى الداخل، عودة إلى كل الملفات فى الأراضى الفلسطينية المحتلة وإلى ليبيا والسودان وشرق المتوسط والبحر الأحمر حتى باب المندب والقرن الأفريقى وحوض النيل بوجود سياسي وعسكري وتنموي إستعدادا لما هو قادم من تحديات وإستحقاقات فى إنتظار تبلور دور عربى متكامل يمثل عمقا مطلوبا وحيويا لدعم مصر في فرض الإستقرار والهدوء والتعاون بما لا يضر بالمصالح العربية.

واشنطن؛ أكبر وأهم الفاعلين على مسرح أحداث الإقليم تعيش مرحلة إعادة تقييم لسياساتها ووجودها فى المنطقة من حيث التكلفة الإقتصادية والسياسية وترى أنه جزء مهم من المسرح الكبير لمواجهة التمدد والخطر الصينى حول العالم، فى أفريقيا وبحر الصين وجنوب وشرق آسيا وأوروبا وربما داخل الولايات المتحدة، وترى أن عملية تبريد الملفات وعدم التورط فى المزيد من الصراعات في المنطقة والبحث عن حلفاء ومحاور ووكلاء يخدمون مصالحها كنقاط إرتكاز هو البديل الذى يستلزم دعم دبلوماسى على فترات تجنب واشنطن تكلفة لا تود أن تسددها دون مقابل حقيقي في مرحلة التركيز على الداخل الأمريكي دون انسحاب وانكشاف كامل للمصالح.

موسكو وبكين؛ عاصمتان تسيران في مسارات موازية دون صدام للحفاظ على أوراقهما فى الإقليم وقد يتصارعان لاحقا على مساحات الفراغ التى قد تنجم عن أى إنسحاب أو مناورة أمريكية ويمهدان الطريق دائما للحضور فى كل الملفات، ربما يبدو للبعض أن الصين تسعى فقط لفتح الأسواق لبضائعها والحصول على المواد الخام من المنطقة لكنها تبرم الصفقات والإتفاقيات العسكرية والأمنية والإستراتيجية مع الدول الرئيسية فى الإقليم وترسم طريقا للحرير كمرتكز للإنطلاق نحو أفريقيا وأوروبا داخل وعلى حدود الإقليم ومؤخرا شرعت فى بسط نفوذها ومساعداتها فى ما يسمى بدبلوماسية اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، بينما روسيا تحافظ على علاقاتها وإيقاعها الكلاسيكى فى الإقليم مع محاولات محسوبة للتمدد العسكرى والأمنى فى بعض المناطق وفتح أسواق جديدة لمبيعات أسلحتها والحفاظ على حدود التماس مع مصالحها ومحاورها التى تنقل صادراتها من الغاز والبترول فى منطقة هى المنافس له فى الأسواق الأوربية وتؤثر فى النفوذ الروسى على أوروبا فضلا عن صراعها التقليدى والكلاسيكى مع واشنطن فى الشرق الأوسط.

الاتحاد الأوروبى؛ يبقى حاله على ما هو عليه حيث يبدو متخبطا غير محدد المعالم فيما يخص قضايا المنطقة وتغيب عنه الإرادة في الحسم والتدخل إلا فيما يخص المصالح المباشرة للدول الأعضاء فى الإتحاد فنرى اختلافا يصل إلى مرحلة الصراع بين فرنسا وإيطاليا وبريطانيا قبل أن تنفصل عن الإتحاد فى ليبيا على الرغم من رعاية المانيا لحوارات برلين التى تسعى لحل سياسى فى ليبيا، ونرى مواقف مترددة وغير حاسمة فى التعامل مع الإنتهاكات التركية لإستقرار وأمن الإتحاد وأعضائه، وفي معظم القضايا التى تخص المنطقة يكتفى بالبيانات والإدانات، بينما نراه نشطا فى المفاوضات النووية مع إيران وله موقف صلد وصلب تصدى لسياسات ترامب ويدعو خليفته بايدن للمضي في الإتفاق والتفاوض مع طهران والعودة للشراكة والتنسيق في السياسات الاقتصادية والأمنية والبيئية.

التحركات التركية للخروج من العزلة

فى ضوء ما سبق يمكننا أن نرصد بعدا من التحركات التركية والإيرانية على الأرض فى الإقليم؛ ويبدو أن تركيا تريد وضع العلاقات مع مصر، الدولة الكبرى في الإقليم والحليف الوثيق للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ومملكة البحرين، على أسس جديدة بعد أكثر من ثماني سنوات من العلاقات الفاترة.

في عام 2013، انتقدت الحكومة التركية بشدة ثورة 30 يونيو التى أطاحت بالرئيس الإخواني المصري محمد مرسي، الذي جاء من صفوف الإخوان المسلمين. منذ عام 2014، يتولى عبد الفتاح السيسي منصب الرئيس وتحولت أنقرة واسطنبول إلى مأوى لقنوات الإخوان التى تبث دعاية سوداء تجاه مصر ومؤسساتها ورئيسها.

في مارس الماضي طلبت الحكومة التركية من المذيعين الذين لهم علاقات بجماعة الإخوان المسلمين التخفيف من انتقادهم لمصر. وفي الأسبوع الماضي، قال أردوغان إن تركيا ستسعى إلى تعزيز صداقتها “التاريخية” مع مصر. وسبق ذلك محادثات مباشرة بين دبلوماسيين رفيعي المستوى من كلا البلدين – الأولى منذ ثماني سنوات.

ويرى المراقب أن مصر كانت حريصة للغاية على إبقاء الخلافات الثنائية بعيدة عن علاقاتها الاقتصادية مع تركيا. بعبارة أخرى، حاول اللاعبون الأساسيون في المنطقة بشكل عام على فصل العلاقات الاقتصادية عن الخلافات السياسية، وهو ما يمكن ملاحظته في شعبية الدراما التلفزيونية التركية واستيراد المنتجات التركية، مثل الأثاث وغيره ربما لانه يُنظر إلى المنتجات الاستهلاكية التركية بشكل إيجابي بسبب فحوصات الجودة التي يقوم بها الاتحاد الأوروبي.

بالتوازى زار وزير خارجية تركيا المملكة العربية السعودية في محاولة لإصلاح العلاقات المتوترة بشدة. الزيارة هي جزء من جهود إقليمية أوسع من قبل أنقرة لوقف عزلتها المتزايدة في المنطقة. وتأتي زيارة مولود جاويش أوغلو إلى المملكة العربية السعودية والتي استمرت يومين في أعقاب المكالمة الهاتفية التي أجريت منذ أسابيع بين الرئيس رجب طيب أردوغان والعاهل السعودي الملك سلمان. وتأتي الزيارة في الوقت الذي أدى فيه التنافس المتصاعد بين البلدين إلى انخفاض العلاقات إلى أدنى مستوى تاريخي، حيث اتهمت تركيا في وقت ما المملكة العربية السعودية بفرض حظر تجاري.

قال مستشار الرئيس التركي مسعود كاسين إن أنقرة تبحث الآن عن إعادة ضبط: “إن تركيا تتطلع إلى توثيق العلاقات مع السعودية بما يعود بالنفع على السلام والأمن الإقليميين… المملكة العربية السعودية مهمة جدا لتركيا. ولكن هناك مناخ إيجابي ونية للإصلاح. أولا، تحسين العلاقات الاقتصادية في الجانب التجاري؛ المملكة العربية السعودية. حظر بعض المنتجات التركية ليس جيدا جدا لتركيا علينا إصلاحه”. وتنفي الرياض فرض حظر، لكن أنقرة تؤكد أن الصادرات إلى المملكة تراجعت بنسبة 90٪ العام الماضي.

يقول مراقبون إن أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتنافسان على القيادة الإقليمية في الشرق الأوسط. بعد مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في 2018 داخل القنصلية السعودية في اسطنبول، قاد أردوغان دعوات دولية لمحاسبة الرياض. وقال حسين باججي، رئيس معهد السياسة الخارجية في أنقرة ، إن أردوغان بالفعل أوقف تلك الجهود “لقد أدرك رجب طيب أردوغان أن هذه السياسة لا يمكن أن تستمر، فهم يرون أن التعاون أهم، وليس المواجهة، بل التعاون. وكان تعاطف طيب أردوغان الشخصي مع المملكة العربية السعودية كإسلامي دائمًا موجودًا.”

كما ترى أنقرة أن الرياض تلعب دورًا أساسيًا في مساعيها لإصلاح العلاقات مع مصر. يبدو أن المحادثات التركية والمصرية رفيعة المستوى التي جرت في القاهرة بين مساعدى وزير الخارجية فى البلدين لاستعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة قد أحرزت تقدمًا ضئيلًا، حيث تضغط القاهرة من أجل انسحاب القوات التركية والمليشيات الإرهابية من ليبيا وتسليم معارضى النظام المصري الذين يعيشون في تركيا ومتورطون فى عمليات إرهابية بالتخطيط والدعم والتحريض نفذت على الأراضى المصرية.

يقول أستاذ العلاقات الدولية سولي أوزيل من جامعة قادر هاس في إسطنبول لوكالة رويترز “إن تركيا في موقف ضعيف بشكل متزايد. أعتقد أن الأمر جاد لأن البلاد معزولة للغاية لأنه، وبصراحة تامة، تحتاج تركيا إلى علاقات لائقة مع جميع تلك الدول، وبالتأكيد مع مصر والمملكة العربية السعودية. وإلا، فسوف يتم عزلها في كل من الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط … مع معاناة الاقتصاد التركي وتنامي عزلته، لا ترى أنقرة أي خيار سوى التواصل والبدء في تكوين صداقات مرة أخرى… اتهمت الحكومة المصرية مرارًا تركيا باتباع مسار السياسة الخارجية “العثمانية الجديدة” القائم على سياسة القوة”.

ويشير جون سفاكياناكيس، مدير مركز الخليج للأبحاث، ومقره الرياض ، إنه لا يزال من غير المرجح أن تتغير هذه السياسات بشكل كبير. وقال “النمط العثماني الجديد يخص أردوغان”. “يمكن للمرء أن يرى ذلك بشكل رمزي في تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، إنه ليس على استعداد للابتعاد عن هذا حلمه ومشروعه العثمانى الجديد.”

وتؤكد القاهرة وغيرها من العواصم الإقليمية والدولية أن كل التحركات والأفعال والتصريحات التركية خاضعة للإتختبار على أرض الواقع وكل خطوات التقدم فى تحسين العلاقات مرهون بالتغيير الفعلى والتخلى عن مبدأ التدخل فى الشئون الداخلية للدول ودعم الجماعات الإرهابية والتوقف عن الأفعال الإستفزازية فى شرق المتوسط والعمليات العسكرية فى الدول العربية ذات السيادة مثل العراق وسوريا وليبيا.

النشاط التركي الإيراني في سوريا والعراق

خلف الخطوط وفى الكواليس: لا أنقرة ولا طهران تريدان عراقًا قويًا موحدا أو سوريا قوية موحدة. على العكس من ذلك ، فإن تفكك هذه الدول يناسب كليهما.

 تشن القوات التركية الهجوم تلو الآخر على منظمة حزب العمال الكردستاني في شمال العراق وكان أخرها منذ أيام. يأتي هذا الهجوم الأخير في أعقاب عملية “Claw Eagle 2” في جار في فبراير، حيث حاولت قوات أنقرة دون جدوى تحرير 13 سجينًا محتجزين لدى حزب العمال الكردستاني في منطقة دهوك. تتضمن عمليات “المخلب”، التي أطلق عليها اسم “Claw Lightning” و “Claw Thunderbolt” ، إنزالًا جويًا لقوات الكوماندوز في مناطق زاب وميتينا وأفشين؛ وهي تشكل جزءًا من نمط من النشاط العسكري التركي المكثف في شمال العراق على مدى الأشهر الستة الماضية. وهذا بدوره عنصر في استراتيجية أوسع للتأكيد من خلال القوة العسكرية التي نفذتها أنقرة عبر منطقة واسعة خلال العام الماضي. تم تنفيذ عمليات نشطة بالتعاون مع عناصر بالوكالة في سوريا وليبيا وناجورنو قره باغ.

الأنشطة التركية في العراق لها صلة تتجاوز السياق الجغرافي المباشر. وهذا بسبب ما يكشفونه عن طبيعة الطموحات التركية في المناطق المحيطة، وما يوحي به هذا بدوره فيما يتعلق بدور تركيا كحليف ظاهري للغرب في الفترة المقبلة.

المسألة المحددة التي تستحق الاهتمام بالنسبة للولايات المتحدة وحلفاءها فى الغرب والمنطقة هي ما إذا كانت تركيا ترغب أو قادرة على لعب دور في كبح تقدم إيران عبر العراق والشام، في اتجاه البحر الأبيض المتوسط ​​وإسرائيل.

إن تصرفات تركيا الحالية في العراق موجهة بشكل خاص ضد حزب العمال الكردستاني. والهدف هو منع هذا التنظيم من الحفاظ على حرية الحركة لمقاتليه من مقره في جبال قنديل الواقعة في منطقة الحدود الثلاثية بين العراق وتركيا وإيران، إلى الحدود العراقية السورية و 30٪ من سوريا التي تسيطر عليها. من قبل الأكراد السوريين. تعتبر الحكومة التركية السلطة الحاكمة المتحالفة مع الولايات المتحدة في تلك المنطقة ليست أكثر من واجهة لحزب العمال الكردستاني.

تخشى تركيا من إنشاء منطقة كبيرة، بحكم الأمر الواقع، يسيطر عليها حزب العمال الكردستاني تمتد من قنديل وصولاً إلى شمال غرب سوريا. وبالتالي، فإن عمليات “المخلب” في شمال العراق تشكل جزءًا من سلسلة التوغلات العسكرية التي تقوم بها تركيا منذ عام 2016 بهدف تقسيم منطقة الهيمنة الكردية إلى أجزاء يمكن التحكم فيها.

عسكريا، يمكن اعتبار كل هذه العمليات نجاحات مشروطة. المقاتلون الأكراد يفتقرون إلى القدرة على صد الجيش التركي في العمليات التقليدية. بالإضافة إلى ذلك، في السياق العراقي، وجه الاستخدام التركي المكثف للطائرات بدون طيار ضربة قاسية للميزة الرئيسية السابقة التي كان يتمتع بها مقاتلو حزب العمال الكردستاني: معرفتهم الفائقة بالتضاريس، وبالتالي قدرتهم على التحرك خلالها دون أن ترصدهم القوات التركية.

تركيا لديها الآن التزام كبير من قواتها في هذه المناطق الأمنية الفعلية في العراق وسوريا. وقدر الباحث التركي أرزو يلماز، الذي أشار على موقع Al-Monitor.com ، أن هناك حوالي 5000 جندي تركي منتشرين على الأراضي العراقية. عدد القوات التركية في سوريا ما بين 12000 و 20000. وهي مدعومة بطائرات إف -16 ومدفعية وطائرات بدون طيار. أقيمت شبكة من نقاط التفتيش والبؤر الاستيطانية في شمال العراق. قال وزير الداخلية التركي سليمان صويلو إن الأتراك يعتزمون بناء قاعدة في ميتينا. وينضم هذا إلى المواقع العسكرية المقدرة بـ 37 التي أنشأتها تركيا على أرض كردستان العراق منذ بدء عمليات “المخلب”.

تتجمع معظم هذه المواقع بالقرب من الحدود، بينما يمتد بعضها حتى 40 كيلومترًا (25 ميلاً) داخل العراق. يشار إلى أن هذه التوغلات تتم دون التشاور مع حكومة إقليم كردستان شمال العراق، التي تتولى قواتها المسلحة مسؤولية الأمن على الحدود.

وأكدت مصادر في حكومة إقليم كردستان إنهم يعتبرون العمليات جزءًا من جهد تركي لتحويل المنطقة الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي في شمال العراق إلى مزربانية تركية. تهديد حزب العمال الكردستاني، حسب وجهة النظر هذه، ذريعة مفيدة لهذا الغرض.

إذن، ما هي الدروس الاستراتيجية الأوسع التي يمكن تعلمها من النشاط التركي في هذه الدول العربية المجاورة والمجزأة جزئيًا على مدى السنوات الماضية؟ هل يشير نمط الحزم التركي إلى أن أنقرة يمكن أن تعمل كثقل موازن لطموحات إيران في هذه المناطق؟

وبقدر ما يؤثر المشروعان التركي والإيراني جسديًا على بعضهما البعض، فإن النتيجة ستكون توترات محلية. هذا واضح، على سبيل المثال (في الوقت الحالي، هو المثال الحقيقي الوحيد) في منطقة سنجار، على الحدود السورية العراقية حيث تسعى تركيا للسيطرة على هذه المنطقة، كجزء من جهودها لعزل قنديل وحزب العمال الكردستاني عن شمال شرق سوريا الكردي. إيران تريد السيطرة عليها أيضاً كنقطة دخول إلى سوريا. كانت هناك شائعات في الأسابيع الأخيرة عن عملية تركية كبيرة محتملة في المنطقة. ومع ذلك، تظل مثل هذه العملية غير مرجحة، بسبب التداعيات العسكرية والدبلوماسية المحتملة. لا بغداد ولا طهران تعارضان بجدية ما دامت تركيا تقتصر أنشطتها على حزب العمال الكردستاني وحكومة إقليم كردستان. في الواقع، تشترك هاتان العاصمتان مع أنقرة في معارضة استراتيجية للتطلعات الكردية. سنجار، مع ذلك، ستمثل خطوة بعيدة جدًا.

لدى تركيا طموحات أقل وضوحًا في منطقة الموصل الأوسع، التي يتذكرها القوميون الأتراك بولاية الموصل العثمانية السابقة. ولكن هنا، أيضًا، تختتم القضية بالرغبة في تقييد الحكم الذاتي الكردي.

على الرغم من هذه الاحتكاكات المحلية، فإن تركيا وإيران ليستا في مسار تصادمي. بالنسبة للجزء الأكبر، فإن طموحات هذه الدول في المجالات ذات الصلة لا تتداخل أو تتعارض مع بعضها البعض. المشروع الإيراني في الجنوب ليس عائقا أمام تحقيق أهداف أنقرة ضد الأكراد. والعكس هو الحال بالنسبة لطموحات إيران للوصول إلى البحر المتوسط ​​وترسيخ جبهتها ضد إسرائيل. لقد تخلت تركيا بالضرورة عن الآمال القديمة في إسقاط الأسد واستبداله بنظام إسلامي سني. وبالمثل، في سياسة بغداد ، الأتراك مجرد لاعبين ثانويين، ويقدمون دعمًا محدودًا لعدد من السياسيين العرب السنة والتركمان.

لا أنقرة ولا طهران تريدان عراقًا قويًا أو سوريا قوية. على العكس من ذلك، فإن تفكك هذه الدول يناسب كليهما. كلاهما سعيد بوجود جيران ضعفاء يمكن اختراق أراضيهم حسب الرغبة. بالنسبة للجزء الأكبر، فهم مهتمون بقضم أجزاء مختلفة من الأراضي. إيران منشغلة في إنشاء مناطق سيطرة الميليشيات لديها لغرض نقل الأسلحة والرجال باتجاه لبنان وإسرائيل. إنها تختبئ بعمق في هياكل الدولة الرسمية في كلا البلدين. أنقرة ليس لديها الرغبة ولا الوسائل للتصرف كمضاد لذلك. وفي الوقت نفسه، فإن مناطق سيطرتها في شمال سوريا والعراق ليست مناطق أساسية لهذا المشروع الإيراني.

لا تستطيع أنقرة أيضًا أن تكون حصنًا ضد روسيا في هذه المناطق. على العكس من ذلك، فإن إقطاعياتها في سوريا تعتمد على إذعان روسيا وحسن نيتها. في الواقع، ترى موسكو أن منح هذه النوايا الحسنة وسيلة مفيدة لإبعاد تركيا عن الغرب وحلف شمال الأطلسي.

من نواح كثيرة، فإن التوجهات الحالية لأنقرة وطهران تشبه بعضها البعض. كلا البلدين هما مركز الإمبراطوريات السابقة، وكلاهما محكوم من قبل أنظمة تجمع بين الإسلام السياسي ونوع من النزعة الثأرية الإمبريالية. ويتأصل في هذا الأمر بالنسبة لكلا البلدين معارضة النظام الإقليمي المتدهور الذي تقوده الولايات المتحدة، والرغبة في الاستفادة من تراجعها. في الوقت الحالي، ومع ذلك، فإن مشاريعهم قادرة في الغالب على التعايش، مثل الهلال المتوازي. أي شخص يأمل في أن تكون أنقرة مهتمة بمهمة دعم النظام الإقليمي ضد إيران لا يبدو قريبًا بما فيه الكفاية من الواقع على الأرض.

ختاما؛ نحن أمام مرحلة سيولة يشهدها الإقليم وكل القوى الفاعلة تسعى لكسب المزيد من الأوراق والعلاقات الوثيقة ولعل ما ذكرناه من نشاط لتركيا وإيران فى سوريا والعراق يعد نموذجا لتلك المساعى قبل أن تستقر الأوضاع على ملامح جديدة للإقليم وإعادة تمركز للقوى الإقليمية والدولية تستلزم منا وضع كل التفاصيل فى أطار أوسع من أجل تحديد مسارات واتجاهات تلك الحركة، لان ما سيتشكل من أوضاع قابل للإستمرار لعقود وتداعياته على كل الملفات ستكون مؤثرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى