سوريا

معادلات الأمر الواقع: سوريا بعد إجراء انتخابات الرئاسة

أقيمت الانتخابات الرئاسية في سوريا (26 مايو) وفقًا للدستور الذي أُقر عام 2012 والذي يسمح للرئيس السوري بشار الأسد الترشح لولاية رئاسية رابعة وأخيرة. وأسفرت هذه الانتخابات عن فوز “الأسد” بالرئاسة السورية بأغلبية 95.1% من أصوات الناخبين السوريين في الداخل والخارج. وبقدر ما كانت نتيجة هذه الانتخابات متوقعة، يبقى السؤال الأهم هو ما ستُحدثه هذه النتيجة من آثار ونتائج، ولا سيّما فيما يتعلق بالتعاطي الدولي مع المشهد السوري عقب الانتخابات.

متغيرات دلالية

شهدت الانتخابات الرئاسية السورية الأخيرة بعض المتغيرات -التي قد تحمل دلالات مهمة- عن تلك التي أُجريت عام 2014 وأسفرت عن فوز الرئيس السوري بشار الأسد بنسبة 88.7 من إجمالي الأصوات الصحيحة. ويمكن القول إن الحيز الجغرافي والتمثيلي الذي شملته انتخابات 2021 داخليًا وخارجيًا أهم هذه المتغيرات على الإطلاق؛ فعلى المستوى الداخلي، أجريت هذه الانتخابات في ضوء سيطرة النظام السوري على نحو 70% من الجغرافيا السورية، على العكس من انتخابات 2014 التي أجريت في ضوء سيطرة النظام على أقل من ثلث الأراضي السورية التي كانت تسيطر على بقيتها المئات من التنظيمات الإرهابية والفصائل المسلحة.

ويُعزى هذا التوسع في سيطرة النظام السوري ميدانيًا إلى التدخل العسكري الروسي (30 ديسمبر 2015)، وهو ما مكّن النظام من تثبيت أركانه عسكريًا ودبلوماسيًا، وبسط سيطرته على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية، عدا المناطق التي تسيطر عليها فصائل مسلحة وتركيا والولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية في شمال سوريا.

أما على المستوى الخارجي، فإن عدد الدول التي سمحت بإجراء الانتخابات في السفارات السورية على أراضيها مثلً متغيرًا مهمًا عن انتخابات 2014، فبينما سمحت نحو 32 دولة فقط للسوريين على أراضيها بالاقتراع داخل السفارات السورية، -وسط رفض عدد كبير من الدول الأوروبية والعربية السماح للسوريين على أراضيها بالانتخاب- أجريت انتخابات 2021 في 41 دولة من أصل 47 دولة يوجد تمثيل دبلوماسي لسوريا فيها –حسب إحصاءات ميدانية– مع سماح دول عديدة كانت قد رفضت إقامة الانتخابات في 2014 بإقامة انتخابات 2021 على أراضيها، مثل فرنسا والإمارات، واستمرار منع بعض الدول الأخرى السوريين على أراضيها من إجراء الانتخابات مثل ألمانيا وتركيا.

هذا رغم وجود ثابت بين انتخابات 2014 وانتخابات 2021، وهو استمرار إدانات المجتمع الدولي والمعارضة السورية لإجراء الانتخابات، والتهديد بعدم الاعتراف بها، واعتبارها “مسرحية”، و”لا تتوافر فيها مقومات الانتخابات الديمقراطية”، و”ليست جزءًا من عملية الانتقال السياسي التي نص عليها القرار الأممي 2254”. وعلى الجهة الأخرى، استمر التعاطي مع الانتخابات بدعم مطلق من قِبل كل من روسيا وإيران.

نتائج واقعية

“الأسد” جزء من المستقبل

فرضت الانتخابات الرئاسية 2021 حقيقة سيكون من الصعب فرض غيرها، وهي أن الرئيس السوري بشار الأسد بات أمرًا واقعًا في المستقبل السوري المنظور، وعلى الأقصى لمدة سبع سنوات مقبلة هي فترة ولايته الرئاسية الرابعة والأخيرة حسب الدستور السوري الحالي الذي أقر عام 2012. وهي حقيقة تُرسخ ما أنجزه النظام السوري على مدار السنوات الست الماضية من فرض السيطرة العسكرية على أكبر قدر ممكن من التراب السوري.

وكذلك، فإن هذه الحقيقة تؤكد حقيقة أخرى قد تأكدت ميدانيًا خلال السنوات الأخيرة، وهي أن الأزمة السورية المشتعلة منذ أكثر من عشر سنوات لن يكون من الممكن لأي قوة خارجية منخرطة عسكريًا في سوريا أو حتى النظام السوري نفسه حسمها عسكريًا، وأن الحل الوحيد الذي يلوح في الأفق هو الحل السياسي الذي سيكون الأسد جزءًا منه، على الأقل لبضع سنوات.

وقد أراد النظام السوري إيصال هذه الحقيقة إلى المجتمع الدولي من خلال تأكيد شرعيته عبر الانتخابات، ومن خلال التسويق لها بوصفها استحقاقًا دستوريًا وحدثًا ديمقراطيًا شهد ترشح عدد كبير من المنافسين، استقر في النهاية على اثنين من المرشحين أمام بشار الأسد، أحدهما يمثل المعارضة داخل سوريا وهو محمود أحمد مرعي الأمين العام للجبهة الديمقراطية المعارضة. ومن ثم تأكيد أن نتائج هذه الانتخابات تعكس إرادة الشعب السوري.

تعاطٍ مع الأمر الواقع

يعكس التحول النسبي الطفيف في تعامل المجتمع الدولي مع الانتخابات الرئاسية السورية 2021 تغيرًا في مجمل التفاعل الدولي مع الأزمة السورية؛ إذ يبدو أن المجتمع الدولي قد ضاق ذرعًا بالأزمة المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات دون أي تقدم يُذكر على صعيد تنفيذ أجندة الانتقال السياسي التي نص عليها قرار مجلس الأمن رقم 2254.

وإذا كانت الإدانات الدولية لإقامة الانتخابات كما هي منذ انتخابات 2014، فإن تجاوز هذه الإدانات والقفز إلى التعامل مع الأمر الواقع يبدو أقرب من استمرار المقاطعة الدولية للنظام. ويمكن قراءة موافقة بعض الدول الأوروبية والعربية على إقامة الانتخابات على أراضيها عكس انتخابات 2014 مؤشرًا مهمًا على أن هناك إدراكًا غربيًا أن بقاء الوضع الراهن أفضل كثيرًا من تغيير قد يُستتبع بفوضى عارمة أسوأ مما حدث خلال عشر سنوات.

هذا علاوة على أن أزمة اللاجئين السوريين في مختلف البقاع قد تكون أحد أسباب هذا القفز الدولي إلى التفاعل مع الأمر الواقع، خاصة بعد الاشتباكات التي شابت عملية تصويت اللاجئين السوريين في لبنان، فضلًا عن اتجاه بعض الدول الأوروبية مثل الدنمارك إلى عدم تجديد تأشيرات إقامة اللاجئين السوريين على أراضيها، والسعي إلى إعادتهم إلى سوريا بدعوى أنها باتت بلدًا آمنًا، لا سيّما وأن نسب السيطرة الكلية بين أطراف النزاع والوضع العسكري في سوريا شبه مستقر منذ اتفاق وقف إطلاق النار (مارس 2020).

قُرب العودة إلى المحيط العربي

اتساقًا مع النتيجة السابقة، سعت دول عربية منذ ما قبل عقد الانتخابات إلى تهيئة الظروف لعودة العلاقات مع سوريا التي قُطعت منذ تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية (12 نوفمبر 2011). وبينما حافظت دول عربية كمصر على علاقات وثيقة على الصعيد الاستخباري مع سوريا، فإن دولًا أخرى قد قطعت العلاقات تمامًا، ودفعت في اتجاه تغيير النظام السوري، وهو ما أثبتت السنوات العشر من الصراع صعوبته، فاتجهت إلى الدفع بعودة العلاقات.

فنجد أن تونس أعادت فتح قنصليتها في دمشق (سبتمبر 2015)، وأعادت الإمارات فتح سفارتها في دمشق (ديسمبر 2018)، وأعلنت المملكة الأردنية إرسال قائم بالأعمال إلى سفارتها في دمشق (يناير 2019)، وأعادت سلطنة عمان فتح سفارتها في دمشق (أكتوبر 2020). ذلك فضلًا عما ذكرته تقارير إعلامية (4 مايو) عن لقاء عقده رئيس الاستخبارات السعودية الفريق ركن خالد الحميدان مع نظيره السوري اللواء علي مملوك في العاصمة السورية دمشق.

وقد كانت هذه الجهود محل اعتراض من قبل إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التي وضعت سوريا ضمن استراتيجية الضغوط القصوى التي انتهجتها ضد إيران، وفرضت عليها عقوبات بموجب قانون قيصر. وهو الاعتراض الذي يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لن تنتهجه بنفس الشكل إزاء هذه المحاولات، في ضوء رغبتها في أن تكون أقل انخراطًا في المنطقة، وما يجري من مباحثات مع كل من إيران وروسيا التي تدفع باتجاه عودة دمشق إلى محيطها العربي، وبذلت في سبيل ذلك جهودًا دبلوماسية كبيرة، من أهمها الجولة الخليجية التي أجراها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف (8 مارس).

إجمالًا، فرضت الانتخابات الرئاسية السورية ونتائجها حقيقة مفادها أن كل الأطراف الداخلية والدولية المنخرطة في الأزمة السورية باتت على يقين بضرورة القبول والتعاطي مع الأمر الواقع الذي أكدته نتائج الانتخابات، وأن هذا الوضع القائم بمحدداته السياسية والعسكرية الحالية مرشح للاستمرار كما هو، مع احتمالات أن تشهد البلاد انتخابات رئاسية مبكرة قبل نفاد السبع سنوات إن تحقق اختراق في أعمال اللجنة الدستورية برعاية المبعوث الأممي جير بيدرسون.

وكذلك مع احتمالات النفاذ إلى إعادة الإعمار تدريجيًا بناء على تفاهمات موسكو وواشنطن اللتين ستعقدان جلسة مباحثات على المستوى الرئاسي (16 يونيو). إذ تبدو الإدارة الأمريكية أقل ميلًا للاستمرار في الانخراط في الأزمة، وخاصة بعد قرار عدم تمديد عمل شركة دلتا كريسنت النفطية في الشمال الشرقي السوري، والزيارة التي أجرتها مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة ليندا توماس جرينفيلد (3 يونيو) إلى تركيا ومعبر باب الهوى الحدودي لمناقشة إدخال المساعدات، والمشاورات الجارية حول تمديد قرار مجلس الأمن بشأن تفويض إدخال المساعدات إلى سوريا الذي ينتهي (10 يوليو).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى