إيران

انكشاف استخباراتي.. بماذا تخبرنا الحوادث الغامضة التي تتعرض لها إيران؟

شهد العقد الأخير انتهاج إيران لسياسات نشطة في الإقليم بشكل فاق مجمل الانخراط الإيراني إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988). إذ بدأت طهران في حصد ثمار السقوط الدراماتيكي للعراق إبان الغزو الأمريكي 2003، والتوسع غربًا وبناء مقدرات “لا متماثلة” لقوتها الشاملة طوال 7 أعوام حتى استفاقت طهران على وقع فرصة تاريخية تمثلت في موجات ما يُسمي بـ “الربيع العربي” للانتقال من التنظير والترويج لأيديولوجيتها العقائدية الثورية لتنفيذها كسياسات على أرض الواقع. 

الأمر الذي اقتضى اشتباكًا إيرانيًا مع الجغرافيا السياسية بمحيطها على نحو تصادمي، ما أفرز بدوره أنماطًا إيرانية جديدة للانخراط في غالبية التفاعلات الأمنية والسياسية لمنطقة الشرق الأوسط. فكان الاشتباك الإيراني الإسرائيلي أبرز شواهد اصطدام طهران مع الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، ولاسيما وأن القوتان تتنافسان على “الدولة المركز” في الإقليم وحيازة واحتكار التفوق النوعي النووي على سائر دول الجوار لكليهما. 

بيد أنه يمكن القول بأن ذلك الاشتباك الثنائي “الإسرائيلي – الإيراني” قد وصل للذروة منذ العام 2019 حين انتقلت مسارح الاشتباك من البر للبحر، وحين وصل استخدام أدوات الاستخبارات لمستوى تنفيذ عمليات جراحية بالعمق المُعادي على فترات زمنية متقاربة وضمن دوائر أمنية عالية القيمة. 

إلا أن تعرض إيران خلال يومي 2-3 يونيو، لحوادث متزامنة طالت قطاعي “الدفاع + النفط” وحقق أضرارًا، قد دفع بجملة من التساؤلات حول إذا ما كانت الأحداث ترتبط بسياقات الاشتباك الإسرائيلي الإيراني أم لا، وما المؤشرات التي يدعمها هذين الحدثين مع جملة ما تتعرض له طهران من خروقات أمنية كبيرة منذ صيف العام 2019. ولكن قبل الخوض في التساؤلات ينبغي الوقوف تفصيليًا أمام أخر سلسلة من الحوادث التي شهدتها طهران خلال الـ48 ساعة الماضية.

في 24 ساعة .. إغراق وحرائق

أعلن الجيش الإيراني أمس الأربعاء 2 يونيو2021 في بيان نقلته الإذاعة الرسمية، غرق أكبر السفن البحرية بعد تعرضها لحريق نشب بها يوم الثلاثاء الماضي، بعدما فشلت جهود إنقاذ السفينة من قبل السلطات الإيرانية لمدة 20 ساعة متواصلة. 

والسفينة تُدعى “خارك”، وهي فعليًا كانت أكبر سفينة في البحرية الإيرانية، وكانت تعمل كسفينة نفطية معدلة من فئة OI وتم إطلاقها في عام 1977. لكن نظام الخميني قام بإجراء تعديلات عليها لتتحول ضمن الترسانة العسكرية البحرية لطهران منذ العام 1984. ومنذ هذا التاريخ تعمل “خارك” كسفينة دعم وإمداد لوجيستي، حيث يبلغ طولها حوالي 200 متر، ويصل عدد طاقمها لـ 248 فرد. إلا أنه حينما اندلعت فيها النيران بشكل مفاجئ وهي في المياه الإيرانية قبالة ميناء جاسك؛ كانت “خارك” تُقِل على متنها حوالي 400 فرد.

صورة للسفينة الإيرانية “خارك” قبل غرقها

وقال بيان البحرية الإيرانية “كانت السفينة اللوجيستية في مهمة تدريبية في أعالي البحار قبل أيام قليلة، وذلك قبل عودتها إلى ميناء جاسك، حيث تعرضت إحدى منظوماتها لحريق سرعان ما انتشر في جميع أنحائها”. كما يُظهر الفيديو التالي السفينة قبيل لحظات من غرقها بالكامل:

أما وكالة “تسنيم” التابعة لـ”الحرس الثوري” فقد نقلت عن الناطق المحلي باسم بحرية الجيش، بهزاد جهانيان، أن النيران اندلعت على متن السفينة الثلاثاء نحو الساعة 11.00 (6.30 ت ج)، وأن السفينة غرقت نحو الساعة 8.30 (4.00 ت ج) الأربعاء في حين كانت في المياه الإيرانية، ليس بعيدًا عن المياه الدولية.

ولم تحدد السلطات الإيرانية أسباب الحريق الهائل الذي التهم السفينة حتى تسبب في إغراقها في غضون 20 ساعة، لكنها أشارت لوجود نحو 20 إصابة بين أفراد الطاقم بحروق طفيفة.

وبالتوازي مع غرق السفينة “خارك”، أعلن التلفزيون الإيراني أمس الأربعاء 2 يونيو 2021، نشوب حريق كبير في مصفاة طهران للبترول. فيما أعلن مدير خلية الأزمة في طهران إن الحريق اشتعل في أحد خطوط الطوارئ الخاصة بالغاز المُسال في مصفاة العاصمة طهران، حسب ما نقله التلفزيون الرسمي الإيراني.

والمصفاة التي تعرضت لاشتعال النيران تعمل منذ العام 1968 وهي مملوكة لشركة طهران لتكرير البترول بقدرة تبلغ 250 ألف برميل يوميا. وتبلغ سعة المصفاة 20 ألف برميل من الغاز المسال، كما استمرت النيران مشتعلة على مدار يومين. 

وبعد حريق مصفاة طهران بـ 24 ساعة، أعلن المتحدث باسم الشركة الوطنية للمناطق الغنية بالنفط في جنوب إيران اندلاع حريق في خط أنابيب للنفط في قرية برومي بالأهواز جنوب غربي البلاد، مشيرًا إلى أن الحريق نتج عن تسرب نفطي.

وتجدر الإشارة إلى اندلاع حريق في مستودع للمواد الكيميائية بمنطقة عامري مدينة الأهواز، قبل أسبوع في 28 مايو 2021. وذكرت وكالة أنباء ”إيسنا“ الإيرانية، أنه تم إرسال 180 شخصاً من فرق الإطفاء مع 25 من سيارات الإطفاء للسيطرة على الحريق لشدته. ولم تعلن السلطات الإيرانية في الأهواز عن سبب الحريق والأضرار التي لحقت بالمستودع.

اللافت أن هذه هي المرة الثانية في أقل من عام التي يندلع فيها حريق كبير بمنشآت الطاقة في مدينة الأهواز. ففي يوليو 2020 اندلع  حريق في محطة “مدحج زرغان” للغاز بالمدينة. وسبق هذا الحريق انفجار مخازن غاز قرب مقر وزارة الدفاع في يونيو2020 تلاه انفجار في مبنى تابع لمنشأة نطنز النووية في ذات التاريخ،كما اندلع حريق في أكبر فنادق مدينة الأهواز، قبل 4 أيام في 30 مايو 2021. 

وبعيدًا عن الأهواز، اندلع حريق بمصنع للمواد المتفجرة والمفرقعات في محافظة أصفهان في شهر مايو 2021، وأدى إلى إصابة 9 عمال بجروح ولم تحدد أسبابه. كما وقع حريق واسع في ذات الشهر عند مدخل مدينة ‎بوشهر جنوب البلاد التي تضم محطة “بوشهر” النووية.

ونفت السلطات الإيرانية عبر بياناتها الرسمية إمكانية تسبب “عمليات تخريبية” في هذه السلسلة من الأحداث الأخيرة في الـ 48 ساعة الماضية. إلا أن تزامن التوقيت ونوعية القطاعات المتضررة “الدفاع + النفط”، ومسرح استهدافها، يستدعيان ذاكرة ومحصلة الأشهر الست الماضية التي تضمنت:

– اشتعال حرب السفن بين إسرائيل وإيران في خليج عمان وبحر العرب والبحر الأحمر. إذ نفذت إسرائيل منذ العام 2019 حوالي 12 هجوم على سفن إيرانية، فيما قالت مصادر أمريكية وإسرائيلية لصحيفة “وول ستريت جورنال” إن عدد الاستهدافات الإسرائيلية للسفن الإيرانية في البحار تعدي 20 هجومًا. وتحرص إسرائيل على عدم إعلانها مسؤوليتها عن تلك الهجمات التي تنفذها وحدات من الكوماندوز البحري بجانب الألغام البحرية. كما تمكنت إيران من إصابة نحو 3 سفن مدنية إسرائيلية حتى إبريل الماضي، إما بأجسام بحرية “لغم” أو باستخدام صاروخ مضاد للسفن كما الحال في واقعة سفينة “لوري” المملوكة لشركة إسرائيلية بعد تعرضها لهجوم صاروخي في بحر العرب في 25 مارس 2021. وقد أشار المرصد المصري لتفاصيل حرب السفن بين تل أبيب وطهران في إحدى ورقاته التحليلية “على نار هادئة.. اتساع رقعة “حرب السفن” بين إسرائيل وإيران“. 

– استمرار تعرض البني التحتية والعسكرية الحساسة في إيران لهجمات تخريبية. ومنها منشأة نطنز النووية التي تعرضت حتى إبريل الماضي لهجومين تخريبيين في أقل من عام. كانت وسائل إعلام إسرائيلية نقلت عن مصادر استخباراتية لم تسمها قولها إن جهاز (الموساد) هو الذي نفذ عملية التخريب الأخيرة في نطنز. فيما لم يصدر أي تعليق رسمي من إسرائيل حيال هذه الهجمات باستثناء تعليقات من رئيس الوزراء الإسرائيلي يؤكد فيها على حرص إسرائيل على عدم امتلاك إيران للقنبلة النووية.

– ابتكار إيران لطرق جديدة لتهريب النفط. حيث بدأت الحكومة الإيرانية في تنفيذ مشروع جديد لنقل النفط الخام إلى مكان بعيد عن الخليج العربي، عبر بناء هيكل بحري تحت مسمى نظام “إس بي إم”  ويجري تركيب هذا الهيكل البحري خارج السواحل على مسافة تبلغ حوالي 6 كيلومترات عن ساحل ماكران، على أن تبدأ المرحلة الأولى من المشروع قريبًا وتنتهي في المياه الدولية، ويجري العمل محطة “جاسك” الإيرانية قيد الإنشاء حاليًا بواسطة شركة “فارس” للنفط والغاز الطبيعي. من شأن خط الأنابيب البالغ طوله 1000 كيلومتر من بوشهر في إيران، الارتباط بمحطة “جاسك” – التي تعرضت قبالها مباشرة السفينة”خارك” للغرق -، ومنها إلى نظام “إس بي إم” عبر الأنابيب تحت المياه من أجل تحميل الناقلات بالنفط الإيراني الخام، ومن المتوقع أن تتحول محطة “جاسك” في وقت قريب إلى ثاني أكبر محطات تصدير النفط الإيراني.

 وتجدر الإشارة إلى وجود سفينتين إيرانيتين تتجهان في وقت كتابة هذه السطور صوب المحيط الأطلنطي، السفينة “مكران” أكبر سفن البحرية الإيرانية، ومعها فرقاطة إيرانية أخرى. وتقول مصادر أمريكية إنه من المحتمل أن تكون فنزويلا وجهة السفن الإيرانية كما تخشى واشنطن من إمكانية حصول فنزويلا على تكنولوجيا تصنيع الصواريخ الباليستية من طهران.

ويأتي ذلك بعد جولة من الاغتيالات التي نُفِذت في إيران منذ العام 2020، حيث تم اغتيال مسؤول البرنامج النووي الإيراني محسن فخري زادة، في نوفمبر 2020، فضلاً عن مقتل الرجل الثاني في تنظيم القاعدة في إيران في نوفمبر 2020. بيد أن تلك الاغتيالات تمت بصورة “نظيفة” إذ لم تتمكن إيران من القبض على أي من عناصرها، فضلاً عن تمكن كافة العناصر المحلية التي تم تجنيدها من قِبل تل أبيب من الفرار من إيران قُبيل تنفيذ هذه العمليات بيوم أو يومين على أقل تقدير. 

وعلى الرغم من التزام المسؤولين الإسرائيليين ومنصات تل أبيب الإعلامية؛ الصمت حيال الأحداث التي تعرضت لها إيران يومي 2-3 يونيو 2021. إلا أن بصمات مجتمع الاستخبارات الإسرائيلية تظهر في مسارح الاستهداف المعنية بقطاعي “الدفاع + النفط + الأهواز”، وهي القطاعات الأكثر تعرضاً للتخريب والهجمات الإسرائيلية سواء داخل إيران أو في نسيج شبكة ميليشياتها المنتشرة من الرمادي العراقية حتى السواحل السورية واللبنانية على البحر المتوسط. ليظهر تساؤل آخر عما إذا كان ذلك الانكشاف الإيراني يُعبر عن تفاوت في القدرات التكتيكية لكل من طهران وتل أبيب، أم يشير إلى نقاط ضعف حاكمة في النظام الإيراني؟

حيث يراهن نظام ولاية الفقيه في إيران على القدرات “اللا متماثلة” في فرض أجندته بالمنطقة، ما جعله يوسع من دائرة اشتباكه مع فواعل إقليمية ودولية متقدمة تقنيًا واستخباراتيًا بأشواط طويلة؛ الأمر الذي يدفع بمثل هذه العمليات الاستخباراتية “النظيفة”، ويضع طهران التي باتت تملك اليوم من اليورانيوم 16 ضعف الكمية المسموح بها؛ أمام ضغط تبنيها خطاب سياسي مبالغ فيه.

حيث باتت إيران تتفاخر بالسيطرة على أربعة عواصم إيرانية، في الوقت الذي تنكشف فيه طهران بسهولة أمام عمليات تخريبية اخترقت أرفع الدوائر الأمنية في العاصمة طهران، دون نجاح يُذكر في إحباطها أو الإمساك بعناصرها. ما يضع تساؤلاً أشد تعقيدًا في وجاهة معالجة ما تشهده إيران منذ العام 2019، هل يمثل الانكشاف الاستخباراتي الجسيم الذي تعاني منه طهران؛ عاملاً ضاغطًا قادرًا على لجم سياساتها وإحباط توصلها للتقنية النووية العسكرية، أم أنه سيدفع إلى مزيد من عدم الاستقرار في كل من مناطق الاختناقات المرورية البحرية وشرق سوريا وجنوبي لبنان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى