إيران

الانتخابات الإيرانية.. تصفية بالجملة للمرشحين وتمهيد الطريق أمام مرشح خامنئي المفضل

يبدو ما يدور في إيران الآن واضحًا؛ إذ تسير كل التكهنات في اتجاه أن الطريق لكرسي الرئاسة يتم تمهيده، وأن الكرسي محجوز بالفعل لـ”إبراهيم رئيسي”، وعلاوة على ذلك فإن بعض الآراء تتحدث عن إمكانية أن يكون إبراهيم رئيسي صاحب مقعد المرشد أيضًا.

آخر التطورات كان عندما فجّر مجلس صيانة الدستور مفاجأة خلال هذا الشهر باستبعاد العديد من المرشحين للانتخابات الرئاسية المزمع عقدها يوم 18 يونيو المقبل. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن إجمالي عدد المرشحين وصل إلى 40 وتم الاستقرار على 7 فقط منهم وهم الذين استوفوا الحد الأدنى من معايير التسجيل. اللائحة النهائية الصادرة عن مجلس صيانة الدستور استبعدت رئيس المجلس السابق نفسه ” علي لاريجاني” وكذلك الرئيس السابق ” محمود أحمدي نجاد”.

وما ظهر أن الشخصيات الرئيسة التي تم استبعادها لن تعترض على قرار المجلس، فيما أظهر بعض الشخصيات الأخرى مثل شقيق لاريجاني وكذلك مصطفى تاج زادة والمحسوب على التيار الراديكالي من الإصلاحيين بأنه لا ينبغي على أي من المستبعدين الرضوخ لسلطة المجلس.

أسماء على القائمة النهائية

تنصرف الأنظار في الانتخابات إلى القائمة النهائية للمرشحين والتي تم الإعلان عنها واحتوت سبعة أسماء على وجه التحديد، خمسة منهم محسوبون على المعسكر المحافظ، أما الاسمين المتبقيين فوُضعا للتمويه، وبطبيعة الحال فإنهم لا ينتمون للمعسكر نفسه.

آية الله رئيسي: حظي بتأييد كبير في الأسابيع الأخيرة بعد انسحاب الكثير من المحافظين، ويعد المرشح الأقرب لكرسي المرشد الأعلى.

محسن رضائي: أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام ورئيس الحرس الثوري السابق.

سعيد جليلي: أمين المجلس الأعلى للأمن القومي.

علي رضا زاكاتي: عضو سابق في المجلس الأعلى للأمن القومي.

أمير حسين قاضي زادة هاشمي: نائب رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي.

 عبد الناصر همتي: رئيس البنك المركزي.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\109-141335--_160accdcf3058f_700x400.jpg

محسن مهر علي زادة: كان يشغل منصب نائب الرئيس محمد خاتمي.

مع الإشارة هنا إلى أن المرشحين الاثنين الأخيرين لا يحظيان بأية قاعدة شعبية تذكر. فضلًا عن أن باقي المرشحين الذين وصلوا إلى القائمة النهائية ربما ينسحبوا مقارنة بوقائع تاريخية أخرى انسحب فيها المرشحون الأقل حظًا، وانضموا تحت لواء المرشح الذي سيحصل على الكرسي وفي هذه الحالة فإنهم سينضمون تحت لواء “رئيسي”.

مفاجآت

كان من أبرز المفاجآت التي شهدها مسرح الانتخابات الإيرانية استبعاد “لاريجاني” والذي يعد مفاجأة من العيار الثقيل؛ إذ إنه ينتمي إلى واحدة من أعرق العائلات الإيرانية، وتقلد عددًا كبيرًا من المناصب التي يصعب حصرها وإن كنا نذكر منها: ضابط في الحرس الثوري الإيراني، ووزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني، وسكرتير “المجلس الأعلى للأمن القومي”، وكبير المفاوضين النوويين، ومؤخرًا، كرئيس مجلس صيانة الدستور لثلاث فترات. وقد كان مرشحًا رئاسيًا في 2005 ونجح في الحصول على 5% من الأصوات.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\1034935098_0_169_3024_1804_1000x541_80_0_0_0bc9df66066dbb1162e9cc70b97b8372.jpg

على أي حال فإن الأسباب الحقيقية لاستبعاد لاريجاني ما زالت غير معروفة حتى الآن، وإن كان البعض يشير إلى أن كون ابنته قد درست في الولايات المتحدة الأمريكية يجعل النظام الإيراني يلقي عليه باللائمة ويشكك في ولائه لقيم الجمهورية الإسلامية، إلا أن السبب الأكثر ترجيحًا يكمن في قاعدة شديدة الكلاسيكية وهي أنه إذا أردت إيصال مرشح بعينه للسلطة فإن عليك إقصاء أكثر المرشحين كفاءة، وفي هذه الحالة يكون لاريجاني قد تم إقصاؤه في سبيل وصول “رئيسي” إلى كرسي الرئاسة.

كما قيل فإن الرئيس الأسبق أحمدي نجاد لم يستوف من الأساس شروط الترشح، ولكن تحسبًا لأية أعمال عنف فقد تم نشر قوات في الحي السكني الذي يقيم فيه قبل أن يتم إعلان إقصائه.

مجزرة الإقصاء

حسب تحليلات تم نشرها في عدد من المواقع، فإن ما قام به مجلس صيانة الدستور من تصفية المرشحين بتلك الطريقة وإن كان يضمن وصول “رئيسي” إلى كرسي الرئاسة إلا أنه في نفس الوقت ينخر في أساسيات شرعية النظام. خصوصًا أنه قد تم استبعاد شخصيات بارزة وربما تكون أصلح بكثير على الأقل من منظور الخبرة السياسية من إبراهيم رئيسي. 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\18ffa2d0-86dc-4e01-af18-be7cf82327c3.jpg

وهو ما يطلق عليه في الأعراف الإيرانية استبعاد “مرشح التسوية” أو المرشح الذي إذا وصل للقائمة النهائية سيكون الأوفر حظًا في النجاح. ويدفع النظام في هذا الإطار بحجة مفادها أن مرشحي التسوية يتم استبعادهم لتوفير فرص متكافئة بشكل أكبر بالنسبة لباقي المرشحين، ولكن إن كانت هذه الحجة مقنعة من عدمه هو ما ستكشف عنه الأيام المقبلة، وهو الأمر الذي قد يضطر المرشد الأعلى لإعادة بعض الأسماء التي تم استبعادها إلى قائمة المرشحين وهو ما حدث في انتخابات سابقة.

حملة علنية

في سابقة هي الأولى من نوعها منذ عام 2005 يقود المرشد الأعلى في إيران حملة تأييد أقرب للعلنية لصالح “إبراهيم رئيسي” رئيس السلطة القضائية، وقد ظهر هذا في عدة مناسبات منها عندما قام “علنًا” بتعداد مميزات رئيس السلطة القضائية ولماذا ينبغي عليه الترشح لمنصب الرئيس، ثم قام بعد ذلك بالإيعاز لصحيفة “كيهان” المحافظة لدعم المرشح ” رضائي” بشكل ضمني.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\1280x960.jpg

على مستوى أعلى، تشير بعض التحليلات إلى أن “إبراهيم رئيسي” يجري إعداده منذ عدة سنوات لخلافة المرشد الأعلى “خامنئي”. وبالنظر إلى العلامات فقد تم تقليده رتبة ” آية الله”، كما تم الإيعاز لوسائل الإعلام الإيرانية بتصدير صوره مع المرشد الأعلى في أكثر من مناسبة.

من زاوية أخرى، فإن الوصول لمنصب المرشد الأعلى لا يتطلب أن يكون المرشح فائزًا في الانتخابات الرئاسية، ولكن الفوز فيها على أية حال يمهد الطريق أمامه ويحسن من فرصه في الجلوس على كرسي “المرشد الأعلى”. وفي تاريخ الجمهورية الإسلامية لم يحدث أن كان المرشد رئيسًا سابقًا سوى في حالة خامنئي نفسه.

هل هناك معركة حقيقية بين المحافظين والإصلاحيين؟

تزخر وسائل الإعلام الإيرانية بالعديد من التغطيات التحليلية في هذه الفترة حول الانتخابات المزمع عقدها في يونيو المقبل، وهناك اتجاه يركز على أنه لا توجد من الأساس معركة حقيقية بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ؛ ذلك أن التيار الإصلاحي يهدف في نهاية المطاف إلى الحفاظ على بقاء الجمهورية الإسلامية وحماية الأسس القائمة عليها.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\Iranian Parliament.jpg

وكل ما يفعله هذا التيار هو تمثيل دور الاتجاه المعارض في الجمهورية الإسلامية لا لشيء إلا لأنهم يريدون احتلال المكانة التي احتلها تيار مجاهدي خلق قبل الثورة الإسلامية.

أما صاحب هذه السُنة داخل إيران فهو “محمد خاتمي” الرئيس السابق الذي رأى أنه من المفيد الحفاظ على “أسس النظام الرجعي” من جهة ولكن في نفس الوقت إضفاء طابع التقدمية من خلال اختيار اسم براق يعرف بالتيار الإصلاحي. كان خاتمي يريد الحصول على أصوات أصحاب الضمير في الداخل الإيراني، وبالتالي زيادة فرصته في الفوز بكرسي الرئاسة وهو ما حدث بالفعل، ولكن خاتمي الإصلاحي بمجرد وصوله إلى السلطة لم يحقق ما كان مرجوًا منه، وبالتالي ذهبت طموحات وجود تيار إصلاحي داخل إيران أدراج الرياح.

نظام ثوري “جامد”

في الأعراف الانتخابية تعقد الشعوب آمالها على الانتخابات الرئاسية لأنها في كثير من الأوقات قد تؤدي إلى تغيير في الواقع السياسي للبلد، ولكن في حالة النظام الإيراني فإن هذه الآمال بعيدة كل البعد عن أرض الواقع.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\iran1.jpg

فالجمهورية الإسلامية تبدو كغيرها من الأنظمة الثورية التي تعجز عن التغيير وعلى وجه التحديد اليوم وبعد أربعة عقود، وطالما استمر وجود خامنئي في منصب المرشد الأعلى فإن الآراء تتجه إلى أن الجمهورية الإسلامية لن تطبع العلاقات مع الولايات المتحدة وهو العامل الأكبر الذي يمكن التعويل عليه في تغيير ليس فقط الواقع السياسي لإيران وإنما الواقع الاقتصادي أيضًا بسبب حتمية رفع العقوبات عند تطبيق عملية التطبيع.

وحتى إذا توفي خامنئي بالنظر إلى أن هناك تقارير تشير إلى أن حالته الصحية متدهورة، وصدقت التنبؤات بوصول آية الله رئيسي إلى كرسي المرشد فإن الأسس التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية لن تتغير، ولذلك يتلاشى مع الوقت الاهتمام الذي تحظى به الانتخابات الرئاسية في إيران؛ أولاً لأن المرشح لن يصل إلى القائمة النهائية إلا إذا وافق على ذلك مجلس صيانة الدستور، وثانيًا لأنه لن يفوز بكرسي الرئاسة إلا إذا كان مَرضيًا عنه من قبل المرشد الأعلى، ولا شك أنه لكي يحوز على ثقة المرشد الأعلى فإنه لن يكون محسوبًا على أي تيار معارض إذا ما افترضنا أن التيار الإصلاحي داخل إيران يمارس دور المعارضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى