مقالات رأي

د. محمد حسين أبو الحسن يكتب: إثيوبيا تغزو نفسها!

تخوض إثيوبيا في بحار الدم على نحو لا يصدق، تنخرط حكومة آبي أحمد – ومن خلفه قومية الأمهرة- في مذابح دموية، ضد العرقيات الأخرى، وكأن إثيوبيا تغزو نفسها، بارتكابها الفظائع ضد مكوناتها الإثنية، أبرز مثال على ذلك، الحرب في تيجراي شمال البلاد، اقترفت القوات الإثيوبية المدعومة من القوات الإريترية جرائم ضد الإنسانية: قتل وتنكيل واغتصاب وتجويع على نحو لا يصدق، وفقا لتقارير المنظمات الدولية، ما اضطر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على حكومة آبي أحمد، الحائز على (نوبل للسلام).

 وبدلا من عقد مصالحة داخلية، يجرى الرجل إلى الأمام بمزيد من عمليات القتل والتشريد ضد الفسيفساء الإثيوبية، بعدما عجز عن طرد القوات الإريترية التي استدعاها كي تقتل شعبه وتقتطع جزءا من أرضه؛ فالغاية تبرر الوسيلة لدى آبي أحمد، والدم المتدفق على وجه إثيوبيا، ينذر بإشعال برميل بارود القرن الإفريقي، يصب آبي أحمد بعناده وأوهامه الاستبدادية الزيت على النار، وهو عازم على إجراء انتخابات صورية تبقيه في الحكم، وتزيد بلاده انقساما وتشرذما، فلطالما ظلت إثيوبيا أرضا للحروب الأهلية التي لا تنطفئ. وقد يسأل أحدهم، عن سر التغافل أو التواطؤ الدولي عما يجري؛ لاسيما إذا علمنا أن قوات إثيوبية اقتحمت معسكرات لاجئي تيجراي، مؤخرا، واقتادتهم إلى الهلاك، بل أطلقت النار على موظفي منظمات الإغاثة العالمية، بما ينهض دليلا على أن النظام الدولي أكثر هشاشة وفجورا وانحيازا من ربيبه النظام الإثيوبي الذي يؤدي دورا وظيفيا مرسوما بعناية في هذا السياق. تزدري إثيوبيا القانون الدولي، يوغل أبي أحمد في دماء بني جلدته، يسوق الإقليم إلى صراعات كارثية، بالإصرار على الملء الثاني لسد الخراب (النهضة) دون اتفاق، وفرض الأمر الواقع على مصر والسودان، بما يهدد مصدر الحياة والاقتصاد والعمران فيهما؛ النيل أكثر من مجرد فالق جغرافي مائي، إنه مجرى حياة ووجود، يشكّل معنى وجود الأمة المصرية- السودانية. يدرك الإثيوبي ذلك لذا يواصل الغطرسة، سعيا لتركيع دولتي المصب؛ معظم مراكز الأبحاث وخبراء إدارة الأزمات يبدون تشاؤما إزاء انصياع إثيوبيا لصوت العقل والوصول لحل متوازن يكفل مصلحة جميع الأطراف، ورجحوا حتمية المواجهة، وقالوا إنها لن تكون أزمة عابرة، بل ممتدة. وفي حين أكد مسئول سوداني أن إثيوبيا بدأت الملء الثاني، أنكر سيلشي بيكيلي وزير الري الإثيوبي الأمر، في تكرار مراوغ لسيناريو الملء الأول، وقد أصدر حزب الازدهار الحاكم بيانا أكد فيه عدم رضوخ إثيوبيا للضغوط، وأنها لن تفقد مصالحها بالقوة أو بالدبلوماسية.

 تدوس إثيوبيا حقوق الإنسان السوداني والمصري، مثلما انتهكت حقوق شعوب الدول المجاورة كالصومال وكينيا، بإقامة سدود على روافد الأنهار المشتركة معها، بل إن إثيوبيا تقتل أبناءها التيجراي والأورومو وغيرهما، لذا لايمكن الوثوق بأي حال بالإثيوبيين، إنهم ملوك الأكاذيب والمراوغة، وينبغي التصدي لمخططات الهيمنة الإثيوبية المدعومة من قوى إقليمية ودولية، بكل الطرق والوسائل، ومن الخطأ- بل الخطيئة الاستراتيجية- أن يتوهم أحدهم ضعف الموقف المصري والسوداني، فالطرفان يحوزان من الأوراق ما يمكنهما من الحفاظ على أمنهما المائي- ومن ثمّ السياسي والاقتصادي والاجتماعي- بدءا من الاتفاقيات التاريخية إلى الأدوات الخشنة الغاشمة، لقد نقضت إثيوبيا المادة الثالثة من بروتوكول أبريل 1891و المادتين الأولى والثالثة باتفاقية 1902 التي تعهدت بموجبها بألا تقيم على فروع عطبرة أو النيل الأزرق أي منشآت تؤثر على جريان مياهه، دون إذن من السودان وبريطانيا، مقابل استيلائها على إقليم بني شنقول السوداني المقام عليه (سد النهضة). ولأن اتفاقيات الحدود لا تسقط بالتقادم فأولى الخطوات هي استعادة (بني شنقول)، للسيادة السودانية والتحكم الكامل في السد وتعديل مواصفاته، ولا مانع من تزويد إثيوبيا بالكهرباء من خلاله وتعويضها عما أنفقت في بنائه. إن أكبر ثغرة يمكن للسودان ومصر أن تنفذا منها إلى أهدافهما هي الغرور الإثيوبي، إنه أكبر مما تسمح به حقائق القوة المتاحة لهم، والنظام الدولي لا يحترم إلا لغة الأقوياء الذين يفرضون إرادتهم، ولا يسمحون بتهديد لمصالحهم الحيوية، وعلى دولتي المصب ألا تنشغلا بالتحذيرات الأمريكية والأوروبية بهذا الشأن، فأين كانت الولايات المتحدة، عندما وقعت مصر (اتفاق واشنطن) وانسحبت إثيوبيا، أحيانا تكون فواتير الدم أرخص التكاليف، كما أن القاهرة نجحت في إعادة نحت دورها في الشرق الأوسط وحوض النيل وشرق المتوسط، مستعيدة حضورها كقوة فاعلة إقليميا ودوليا.

نقلا عن صحيفة “الأهرام” في عددها الصادر اليوم الأربعاء 2/6/2021

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى