مقالات رأي

ملف حقوق الإنسان على أجندة القاهرة-واشنطن

كتب: محمد مرعي

كان لافتًا في بيان الرئاسة المصرية حول الاتصال الثاني الذي تلقاه الرئيس السيسي من نظيره الأمريكي “جوزيف بايدن” الثلاثاء 25 مايو أن اختتم البيان بالإشارة إلى أن الرئيسين تناولا في الاتصال بحث بعض الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، بما فيها “ملف حقوق الإنسان”، والتأكيد على الالتزام بالانخراط في حوار شفاف بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية في هذا الصدد.

البيان الرئاسي أراه اتسم بالشفافية والجرأة، بكشف أن ملف حقوق الإنسان كان ضمن محاور المباحثات بين الرئيسين؛ فمصر ليس لديها ما تخجل منه، ولا نقول أن الملف ليس به قصور ولا يحتاج لإصلاح، بل العكس، هناك نقاش داخلي مصري مستمر بين مختلف قوى المجتمع المدني ومؤسسات الدولة على مدى السنوات الماضية حول ضرورة إصلاح هذا الملف بشكل كامل، كان آخرها مطالبات من بعض منظمات حقوق الإنسان في مصر ومن مؤسسات بحثية ومن كيانات سياسية بضرورة مراجعة قانون الحبس الاحتياطي، وضرورة الإفراج عن عدد من المحبوسين من القوى المدنية ممن لم يتورطوا في أعمال عنف أو إرهاب أو التحريض على عنف أو دعم تنظيمات إرهابية كتنظيم الإخوان. وهذا نابع من رغبة مصرية داخلية في الأساس وليس كرد فعل على تدخلات خارجية؛ فالملف على أجندة السياسة الداخلية المصرية قبل أن يكون على أجندة بعض الحكومات والمؤسسات الدولية، وهو ضمن رؤية مصر 2030 التي تنظر إلى حقوق الإنسان بمفهومها الشامل. 

ولكون الملف على قائمة اهتمامات الإدارة السياسية، هناك تحضير حاليًا لإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وهي الأولى في مصر، وتهدف إلى دمج أهداف ومبادئ حقوق الإنسان فى المشروع التنموى لمصر، وحرصت الدولة ممثلة في السفير أحمد إيهاب جمال الدين الأمين العام للجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان مساعد وزير الخارجية لحقوق الإنسان والمسائل الإنسانية والاجتماعية الدولية، على مشاركة ممثلي منظمات المجتمع المدني وممثلي القوى السياسية في صياغة وإعداد هذه الاستراتيجية الوطنية.

ما حققته ونفذته إدارة السيسي على مستوى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمصريين عظيم ويستحق الدعم والإشادة، حتى الحقوق السياسية أخذت مصر فيها خطوات كبيرة؛ فقد انتهت الحكومة من إطلاق اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية رقم 149 لسنة 2019، الذي ينظم عمل منظمات المجتمع المدني التي تلعب دورًا حيويا حاليا في مشروع بناء مصر الجديدة أو الجمهورية الجديدة على كافة الأصعدة، عبر شراكات واتفاقيات تعاون تقوم بها هذه الجميعات والمؤسسات مع الحكومة المصرية. 

أما على مستوى ترسيخ قواعد الحكم الرشيد وتعميق دولة القانون والدستور، فلا يمكن تجاهل ارتفاع ترتيب مصر في مؤشر مكافحة الفساد العالمي، ولا خطوات مصر في التمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمرأة والشباب، ولا خطوات ترسيخ قيمة المواطنة وتحقيق المساواة الكاملة بين كل مكونات المجتمع بغض النظر عن الدين أو اللون أو الجنس أو المنطقة الجغرافية، فوصلنا إلى مرحلة تراجع فيها بشكل كبير للغاية خطاب الكراهية والتطرف الذي ساد مصر على مدى عقود مضت خاصة تجاه مسيحيي مصر، فوجدنا إدارة مصرية تنسف كل هذه الموروثات البغيضة، وتقرر غلق منابع التطرف، وتشرع في إزالة كل العراقيل التي كانت تبطئ مثلًا ترميم أو بناء كنيسة، لترسخ حرية العبادة لكل المصريين.

حتى ما كان يثار في سنوات مضت من ادعاءات عن وجود انتهاكات لحقوق الإنسان في أقسام الشرطة وداخل السجون لم نعد نسمع عنها، وهناك اهتمام كبير من القيادة السياسية المصرية بهذا الأمر وتحديدًا منذ 2015، إذ تبنت استراتيجية لتحسين جودة الخدمات التي تقدمها المؤسسات الشرطية للمدنيين، وجعل برامج التدريب والتأهيل لأفراد الشرطة على رأس عملية الإصلاح والتطوير والتحديث لهذا الكيان الشرطي الكبير الذي قدم العشرات من أبنائه دماءهم خلال السنوات الماضية في معركة الأمة المصرية ضد الإرهاب الأسود في سبيل أن يحيى المصريون في أمن وأمان.

لا يمكن بالتأكيد حصر العلاقات المصرية الأمريكية في ملف حقوق الإنسان؛ فرغم حيوية الملف لإدارة بايدن أو بمعنى أصح حيويته لمجموعات الضغط من اليسار والليبراليين الجدد داخل المعسكر الديمقراطي المؤيد لبايدن، ورغم التحليلات التي أشارت إلى أنه سيكون أداة ضغط أمريكية على القاهرة، إلا أن الاتصالات الأخيرة بين بايدن والسيسي أثبتت عدم صحة هذا الطرح، وأثبتت أيضًا أن أدوات الضغط هذه والتي استخدمتها واشنطن من قبل إبان حقبة أوباما لم ولن تجدي نفعا مع القاهرة. فالشراكة بين الدولتين منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد 1979 بين مصر وإسرائيل وصلت إلى مرحلة من التعاون والتنسيق الاستراتيجي وتحقيق المصالح الحيوية لكلا الطرفين، ما يدفع دائمًا الفاعلين في واشنطن والقاهرة إلى ضرورة استمرار هذه الشراكة وتوسيعها، وهذا ما تعيه مؤسسات الدولة العميقة الأمريكية كالبنتاجون ومجتمع الاستخبارات، التي كانت تحرص دائمًا على تجاوز أي خلاف في بعض الملفات بين القاهرة وقاطن البيت الأبيض أي من كان.

فواشنطن تعي النفوذ المتصاعد لمصر حاليا في الشرق الأوسط ومحيطها الإقليمي، وقد أثبتت أحداث غزة والقدس الأخيرة وما قبلها في قضايا وملفات إقليمية عديدة أنه من الصعب استبدال دور وتأثير مصر في الشرق الأوسط، وأن الفراغ الجيواسترايتجي الذي شهدته المنطقة في سنوات ما بعد يناير 2011 والذي حاولت بعض القوى غير العربية كتركيا وإيران وإسرائيل وحتى العربية ملأه مدفوعة بحالة السيولة التي كانت تشهدها مصر داخليًا قد باءت جميعها بالفشل. حتى النظريات والتحليلات التي قدمتها بعض مراكز الأبحاث الغربية وعلى رأسها الأمريكية عن تراجع النفوذ والدور المصري لم يعد لها محل من الإعراب، بعد أن عظمت إدارة الرئيس السيسي منذ 2014 مكامن القوة الشاملة للدولة المصرية اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا وأمنيًا، ساعدها في إعادة الاستقرار والأمن للداخل المصري، وساعدها أيضًا في إعادة رسم التحالفات الإقليمية وفقًا للرؤية المصرية، بما ساهم ويساهم في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي. 

انفتاح إدارة بايدن الأخير بشكل واسع مع مصر الذي ظهر في الاتصالين الهاتفين اللذين أجراهما بايدن بالسيسي، والذي ظهر أيضًا في زيادة أنتوني بلينكن الأخيرة إلى القاهرة، وتأكيده على الدور والثقل السياسي لمصر في الإقليم، أراه بداية حقيقية لانفتاح أكبر بين الدولتين للتحضير لعودة الحوار الاستراتيجي بينهما، وهذا الحوار الاستراتيجي أظن أنه يحتاج تفاعلًا وانخراطًا أكبر من المراكز البحثية والأحزاب والمؤسسات البرلمانية في مصر مع المؤسسات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية؛ للنقاش والتباحث حول سبل تعزيز التعاون والتنسيق المصري الأمريكي سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، فواشنطن شريك استراتيجي للقاهرة ولا يزال لها الدور الأكبر في تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، ولا تزال تتمتع باليد العليا في حسم القضايا والأزمات الإقليمية والدولية التي تتقاطع مع المصالح المصرية كالقضية الفلسطينية وأزمة سد النهضة الإثيوبي والملف الليبي وملف الإرهاب العابر للحدود وغيرها، ولا أعتقد أن ملف حقوق الإنسان المصري سيشكل عائقًا لتحقيق هذا الهدف، هو فقط يحتاج من مصر أن تعيد تقديمه وتسويقه بشكل آخر للعالم في صورة مغايرة لما تحاول بعض المنظمات الدولية المسيسة وبعض التنظيمات المعادية لمصر كتنظيم الإخوان الإرهابي رسمه عن مصر وأوضاعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى