السودان

تحولات متسارعة: سياق ودلالات زيارة وزير الخارجية القطري للسودان

شكٌلت زيارة وزير الخارجية القطري إلى السودان في الثالث والعشرين من مايو 2021، نقطة تحول في خضم التعاطي القطري مع المحيط العربي والإفريقي، وبمثابة مسار تصحيح لحالة التخبط التي كانت متواجدة إبان حكم الرئيس السوداني السابق “عمر البشير”، علاوة على كونها ورقة لإبداء حسن النية والتحرك الإيجابي حيال القضايا المحلية وذلك إقرارا لمخرجات قمة العُلا التي انعقدت مطلع العام الجاري.
وتُعد تلك الجولة الدبلوماسية التي يقوم بها الشيخ ” محمد بن عبد الرحمن آل ثاني” وزير الخارجية القطري للسودان بغرض تعزيز العلاقات الثنائية بينهما، علاوة على كونها إحدى المحطات المندرجة في ضوء جولة إقليمية تضمنت ليبيا ومصر، الأمر الذي يُعد بمثابة محطة نوعية نحو استعادة العلاقات مع الأقطاب الإقليمية ذات التأثير الممتد، لتبدأ بها الدوحة إعادة التفاعل الإيجابي في المنطقة بما يتوائم مع المصالح الوطنية لكافة الدول.

دلالات متباينة

إن المتأمل لزيارة وزير الخارجية القطري للسودان يجد أنها تأتي في ضوء جولة خارجية يمكن تسميتها بــ”لم الشمل” داخل الحاضنة العربية الإفريقية، والعودة مرة أخرى لممارسة الدور الدبلوماسي الطبيعي في إطار من احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، حيث تأتي تلك الزيارة في ظل عدد من المتغيرات المحلية والإقليمية – ومن الجدير بالذكر – أن تلك الزيارات تأتي في ظل تولى قطر رئاسة الدورة الحالية لجامعة الدول العربية، كالآتي:

  1. بيان “العلا” وإلتزامات متعددة: لعل الوتيرة المتسارعة لتحركات الدبلوماسية القطرية يأتي في أعقاب توقعيها ودول الرباع العربي على بيان العلا الذي تم طرحه في في أعمال القمة الخليجية في السادس من يناير 2021، والذي رسٌخ لعلاقات جديدة تنهي بها حالة القطيعة مع قطر في ضوء عدد من البنود التي يجب الإلتزام بها حيال دول المنطقة.
  2. “لم الشمل” وإعادة التفاعل الإيجابي: تأتي تلك في إطار جولة عربية وعلى رأسها مصر وليبيا وكذلك في ضوء مساعي قطر لتقريب وجهات النظر مع الجانب الإثيوبي فيما يتعلق بملف سد النهضة وتشابكات الحدود مع السودان، فقد قام بزيارة مماثلة لإديس أبابا بهدف العمل على إعادة التفاعل الإيجابي حيال أزمة سد النهضة وحتمية التوصل لاتفاق قانوني ملزم وعادل لكافة الأطراف، وهو الأمر الذي يعتبر مبادرة طيبة من جانب الدوحة لحلحة أزمة السد في حال إذا ما حدث تقدماً يُذكر في هذا الملف.
  3. مصر وإتزان العلاقات: تسبق زيارة وزير الخارجية القطري للخرطوم زيارة مماثلة إلى القاهرة في الخامس والعشرين من مايو 2021، والتي جاءت في ضوء المصالحة الرباعية مع قطر وما تبعها من الحاجة الماسة للتنسيق مع القاهرة في العديد من الملفات، ولعل ملف سد النهضة المشترك بين مصر والسودان كان من بين نقاط الحديثه الهامة في جولة ” محمد آل ثاني”، بما يُرجح تكوين تكتل إقليمي داعم للبلدين في موقفهما من أزمة “سد النهضة”.
  4. ليبيا والدفع نحو استقرار الأوضاع: تأتي أيضاً تلك الزيارة في أعقاب اللقاء الذي جمع “محمد آل ثاني” ووزيرة الخارجية الليبية ” نجلاء المنقوش”، وما نتج عنه من تشكيل فرق عمل لتقييم مجالات الدعم في ظل دعم العملية السياسية وفي ضوء المجهودات الإقليمية لحل الأزمة، وهو ما ينعكس إيجابياً على استقرار المنطقة ككل وبالتالي تخفيف الضغط الأمني على الحدود السودانية.
  5. طي صفحات الماضي: إن تلك الزيارة تأتي كذلك الأمر في أعقاب عودة الدفء في العلاقات السودانية القطرية والتي بدأت بصورة جلية خلال زيارة الفريق “محمد حمدان دقلو” النائب الأول لرئيس مجلس السيادة في نهاية شهر يناير 2020، ولحقها زيارة الفريق أول “عبد الفتاح البرهان” رئيس مجلس السيادة السوداني والتي تُعد الزيارة الأولى له إلى الدوحة وذلك في الثامن من أبريل 2021.

أهداف متعددة

ثٌم هناك رغبة مشتركة بين الطرفين لتوطيد العلاقات الثنائية بينهما بعد حالة التراجع التي شهدتها الدولتين بعد الإطاحة بنظام البشير وما شهدته البيئة الداخلية من تغييرات جذرية على الصعيد السياسي تطلب معه العمل بصورة مختلفة عن الماضي، ولعل تلك الأهداف تكمن في الآتي:

  1. على الصعيد السوداني؛ الدفع في مسار تقديم الدعم المادي لبناء الاقتصاد في المرحلة الراهنة وتكوين طوق خليجي مالي داعم لمسار تحسين الوضع الاقتصادي في البيئة الإقليمية وكذلك في المؤسسات المالية الدولية، كما هو الحال بالنسبة للتحرك المصري الرامي لإسقاط وتخفيف عبء الديون عن السودان، ومشاركة قطر في هذا المؤتمر، فضلاً قيامها بإعفاء الخرطوم من باقي الديون، علاوة على دفع عجلة الإنتاج عبر الاستثمارات القطرية التي تفيد الداخل السوداني والتي تحتل المرتبة الخامسة في الدولة التي تستثمر في الخرطوم بواقع 3.8 مليار دولار.
  2. الأمر الآخر الذي ينعكس بصورة إيجابية هو تحقيق قدر من الدعم الإقليمي للسودان فيما يتعلق بقضيتي “سد النهضة” و أزمة الحدود السودانية الإثيوبية، ولعل هذين الملفين من أبرز نقاط الحديث والتباحث بين وزير الخارجية القطري وبين السودان.
  3. الأمر الثالث مساندة الحكومة الانتقالية ومجلس السيادة في إتمام عمليات السلام مع الفصائل المسلحة في الداخل السوداني، خاصة وأن الدوحة لعبت دوراً سابقاً فيما يُعرف باسم “اتفاقية الدوحة لسلام دارفور” 2011، وهذا من شأنه أن يساعد الحكومة الراهنة في تحقيق إنجاز آخر في هذا الملف، مما يخلق جبهة سودانية داخلية قوية.
  4. على الزاوية الأخرى؛ نجد أن السودان تمثل بوابة هامة لقطر لتحقيق تواجد متوازن في إفريقيا تُعزز من خلاله الدوحة فرص استثمارية متعددة في القطاعات المختلفة تحقق لها مكاسب اقتصادية عبر الشراكات الممتدة مع الحكومات الإفريقية.
  5. الأمر وثيق الصلة؛ الدفع في تحقيق تواجد لها في البحر الأحمر وذلك عبر التعاون والتفاهمات المختلفة مع المملكة العربية السعودية ومصر والسودان، بما يحقق منفعة عامة للجميع، خاصة في ظل إعادة صياغة العلاقات المصرية التركية والسعودية بما يحقق المصالح المشتركة للجميع.
  6. واتصالاً بالسابق؛ فإن تلك الزيارات المكوكية لوزير الخارجية القطري في ظل تعقد المشهد بين إثيوبيا وكلاً من مصر والسودان خاصة في ظل اقتراب “أديس أبابا” في مرحلة الملء الثاني للسد يُنذر بصورة كبيرة بعواقب وخيمة تطول المنطقة ككل وبصورة أقرب إلى منطقة القرن الإفريقي التي تمتاز قطر بتواجد استثماري كبير بها، وبالتالي فهي تسعى لتسكين الوضع وحلحلة تلك الأزمة للحيلولة دون تفاقم الأوضاع.
    ختاماً؛ إن بلورة استراتيجية جديدة بين قطر ودول المنطقة العربية والإفريقية تُمثل نقطة فاصلة في خضم العلاقات الإقليمية؛ يمكن من خلالها تحقيق قدراً من الاتزان في العلاقات البينية بينها وبين الدول المختلفة، ولعل الخط الفاصل هنا يكمن بصورة جوهرية في بيان “العُلا” الذي يُعد الوثيقة الحاكمة لعلاقات قطر الإقليمية بما يحقق مصالح الجميع دون التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى