إسرائيل

من هو الرئيس الثالث عشر “للموساد” في إسرائيل؟

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الاثنين الماضي تعيين “ديفيد بارنيع” رئيسا جديدا لجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد)، وهو الرئيس الثالث عشر للجهاز.

ويعد بارنيع، الذي يبلغ من العمر ستة وخمسين عاماً، ويشغل حالياً منصب نائب رئيس الموساد، ذو خبرة واسعة في العمل الاستخباراتي داخل إسرائيل، إذ تخصص لفترة كبيرة في تجنيد عملاء للعمل ضد إيران وجماعة حزب الله اللبنانية، وقد تم اختياره بعد مشاورات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” والمدعي العام “أفيخاي ميندلبليت” ورئيس الموساد المنتهية ولايته “يوسي كوهين”، ومن المقرر أن يتولى المنصب رسمياً في 1 يونيو القادم.

وجاء إعلان نتنياهو عن تعيين رئيس الموساد الجديد في الحفل السنوي لتكريم ضباط الموساد الاستثنائيين؛ إذ أعلن أن بارنيع، المعروف أيضًا باسمه المستعار “ديدي”، سيحل محل “يوسي كوهين” رئيس الموساد الحالي، مشيرًا إلى أن مهمته الأولى هي منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

وخلال كلمته، وجه نتنياهو قوله لبارنيع: “سواء تم التوصل إلى اتفاق مع إيران أم لا، سنفعل كل شيء لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، لأن القضية تدور حول وجودنا. تلك هي مهمتك الأولى”.

ومن المقرر أن تنتهي مهمة كوهين بإدارة الموساد بعد فترة خمس سنوات تولى فيها الأخير هذا المنصب، وساهم خلالها بشكل كبير في إنجاز اتفاقات التطبيع التي تمت خلال تلك الفترة، فضلاً عن إشرافه على العديد من عمليات استهداف العلماء الإيرانيين، وعلى رأسهم “محسن فخري زادة”، إضافة إلى تفجير مفاعل نطنز النووي بطهران.

وحول خلفيته الدراسية و العملية، فقد حصل رئيس الموساد الجديد على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، وعمل كمدير  أعمال ببنك الاستثمار في إسرائيل، كما عمل بوحدة استطلاع تابعة للجيش الإسرائيلي ثم انضم إلى العمل بالموساد في عام 1996، حيث تم تكليفه للعمل بوحدة العمليات. وتولى قيادة فرقة تسوميت المسئولة عن تجنيد العملاء منذ عام 2013 وحتى تعيينه في عام 2019 بمنصب نائب الرئيس في الموساد، وقد مُنحت أربع جوائز من الجيش الإسرائيلي للوحدة التي يرأسها.

يذكر أنه قد تم تأجيل تعيين بارنيع لعدة أشهر، حيث أعلن نتنياهو أنه اختار بديلا لكوهين في ديسمبر، ولم يذكر اسمه بموجب قواعد الرقابة العسكرية حتى إعلان مكتب رئيس الوزراء عن تعيينه.

ويرجع هذا التأجيل للمخاوف القانونية آنذاك بشأن ما إذا كان يُسمح لحكومة مؤقتة بتعيين مدير للموساد. لكن المدعي العام أفيخاي ماندلبليت أبلغ نتنياهو مؤخرًا أنه لا يرى أي عوائق قانونية، خاصة وأن الوضع السياسي في الوقت الحالي يرجح أنه قد لا تكون هناك حكومة جديدة بحلول الأول من يونيو عندما يتنحى كوهين، وتمت الموافقة على التعيين لاحقًا من قبل اللجنة الاستشارية للخدمة المدنية، بقيادة قاضي المحكمة العليا السابق إليعازر غولدبرغ.

وقد رحب رئيس إسرائيل “رؤوفين رفلين”، في بيان له، ببارنيع، وقال فيه: “عزيزي ديدي ، ليس لدي أدنى شك في أنك ستقود أعضاء الموساد الممتازين بمهنية وحكمة وشجاعة”. “أنا واثق من أن قدراتك المتنوعة والمثيرة للإعجاب وسنوات خدمتك العديدة للبلاد ستوجهك على طريقك لضمان التفوق الأمني والتشغيلي لإسرائيل.”، كما تمنى وزير الدفاع بيني جانتس الحظ لبرنيع وشكر كوهين على “بناء قدرات جديدة للموساد وقيادة عمليات جريئة وهامة”، وأضاف جانتس أن “جهاز الدفاع سيواصل العمل بشكل وثيق مع الموساد وسيساعد في أي مهمة ضرورية في المعركة المهمة لحماية أمن إسرائيل”.

من جانب آخر، يشار إلى أن لرئيس الوزراء عمومًا سلطة تقديرية كاملة بشأن من يدير الموساد. فمن الناحية الفنية، الموساد هو جزء من مكتب رئيس الوزراء، لذلك فليس هناك حاجة إلى موافقات من مجلس الوزراء أو الكنيست. لذلك فلنتنياهو الحق في ترشيح رئيس الموساد في إطار سلطته.

وفي السياق ذاته، فبعد ترشيح بارنيع في ديسمبر الماضي، أشاد رئيس الموساد السابق “داني ياتوم” ونائبه آنذاك “رام بن باراك”، عضو الكنيست الحالي، باختبار بارنيع، وهما من منتقدي نتنياهو ويشير دعمهما إلى أن ترشيحه يحظى بقبول واسع داخل مجتمع الاستخبارات في إسرائيل.

في الوقت نفسه ، فإن الانطباع السائد بشأن بارنيع هو ترجيح أن يكون جريئاً ومجازفاً في إدارته للموساد على غرار كوهين. على النقيض من سلف كوهين “تامير باردو”، الذي كان أقل جرأة وحاول إبقاء الوكالة أكثر وراء الكواليس. وحسبما ورد بموقع والا العبري، فإن بارنيع هو أحد القادة الذين يبحثون عن طرق إبداعية لإنتاج المزيد من المعلومات الاستخبارية عالية الجودة وتحقيق الإنجازات. وتوقع الموقع أن يسير الرئيس الجديد على خطى كوهين – الذي تربى بارنيع على يديه – ويكون خليفته فيما يخص الإبداع والسعي للتواصل.

وحول شخصية بارنيع، اعتبره العديد ممن عملوا معه كقائد ملهم، رجل تحليلي، ذكي ومتواضع للغاية، ورأوا فيه رجل عمليات استخباراتية غير عادي، كما أشادوا بتميزه وأيدوا توليه المنصب الأبرز في وكالة الاستخبارات. وفي السياق ذاته، ‎ينسب أعضاء كبار سابقون في المؤسسة إلى العمليات التكنولوجية التي أنجزها بارنيع واحترافيته في تطبيق الأنظمة المتقدمة التي قفزت بالموساد بضع خطوات إلى الأمام. ووفقا لما ذكر زملائه في وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن التحركات التي قام بها بالاشتراك مع كوهين في المجال التكنولوجي عززت مكانة المؤسسة في مجتمع الاستخبارات وحولتها إلى هيئة استخباراتية مستقلة رائدة.

فيما يتعلق بالتحديات التي من المقرر أن يواجهها بارنيع، فسيتعين على الرئيس الجديد للموساد إيجاد طرق ووسائل جديدة للتعامل مع الملف النووي الإيراني والقدرات الصاروخية لطهران، بحيث سيكون عليه بناء النشاطات والعمليات الاستخباراتية ضد إيران بموجب القاعدة وحجر الأساس الذي وضعه سلفه كوهين، سواء من ناحية تحسين الآليات لجمع المعلومات الاستخباراتية والقدرات التشغيلية والعملياتية ضد المشروع النووي الإيراني.

ووفقا للمحل العسكري لصحيفة “يديعوت أحرونوت” “رون بن يشاي”، كان بارنيع الذراع الطويلة لكوهين بكل ما يتعلق بمهاجمة الأهداف الإيرانية، وحقق معه ما اعتبره “إنجازات مذهلة” خاصة بعد التفجيرات في منشأة نطنز للطرد المركزي التي تنسبها طهران إلى الموساد. وهذا الأمر، وفقا لتقديرات المحلل العسكري، يلزم برنيع ابتكار واستحداث آليات جديدة للتعامل مع النووي الإيراني، وأيضا الاستغناء عن بعض طرق التشغيل، واتخذا احتياطات أكثر فاعلية من ذي قبل.

أما عن اختيار نتنياهو لبارنيع، فمن المتعارف عليه أن يتم اختيار مدير الموساد قبل شهر واحد فقط من مغادرة المدير الذي يتولى المنصب حينها. وغالبًا ما يستغل نتنياهو مثل تلك التعيينات لكسب المزيد من التأيدد الشعبي؛ ويبدو أن نتنياهو أراد الإعلان عن التعيين في ديسمبر قبل الإعلان عن انتخابات مارس.

في كل الأحوال، حتى و إن تغير المسئول عن إدارة جهاز الموساد، وتغيرت أدواته وأساليبه، فلن تتغير سياساته العامة التي تحتلها مواجهة إيران كتحدي وجودي لدولة إسرائيل، ومن المرجح أن يتم البحث عن أساليب مبتكرة لمواجهة إيران في ظل تولي بارنيع، خاصة و أن الفترة الراهنة تشهد تطوراً كبيراً في قدرات إيران النووية بالتزامن مع الحديث عن عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي كان دونالد ترامب قد انسحب منه، وهو ما سيترتب عليه رفع العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، الأمر الذي تخشاه إسرائيل بشدة؛ لذا فمن المتوقع أن يتم استغلال كافة إمكانيات الرئيس الجديد وخبرته في هذا الملف لمواجهة إيران، ويتوقع أيضاً أن تتزايد عمليات الاغتيال وأن تتم بصورة أكثر جرأة بجانب بذل المزيد من الجهد لمواجهة الجماعات التي تهدد إسرائيل وعلى رأسها حزب الله؛ ولتحقيق تلك الأهداف، فيرجح أن يقوم الموساد بتوسيع شبكة علاقاته الاستخباراتية وتوطيد علاقاته بشكل خاص مع الدول التي لا تقيم علاقات مع إسرائيل، ولن يكتفي باتصالاته الحالية التي تبلغ 150 دولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى