روسيا

هل روسيا على موعد مع ثورة ملونة في سبتمبر 2021؟

بينما يتأهب المراقبون ليوم 11 سبتمبر 2021 حينما تنسحب القوات الأمريكية من أفغانستان من أجل تكرار لعبة تفجير كابول بوجه الجار الروسي بالتزامن مع الحرب الباردة الروسية الأوروبية في أوكرانيا، فإن الأنظار تتجه إلى الانتخابات البرلمانية الروسية المقرر عقدها في 19 سبتمبر 2021 لانتخاب مجلس دوما جديد يتألف من 450 عضوًا يمثلون الجمهوريات والأقاليم الروسية المختلفة.

وأهمية تلك الانتخابات ليست في نتائجها، ولكن في الحشد الإعلامي الدولي حولها من أجل تحويلها من انتخابات برلمانية عادية إلى حاضنة لاضطرابات وانتفاضة شعبية مصنوعة تمامًا كما جرى في الجوار اليوغوسلافي والسوفيتي للجمهورية الروسية في العقدين الأخيرين من ثورات ملونة أطاحت بحكام وفككت جمهوريات.

ولم تكن صناعة قضية المعارض الروسي أليكسي نافالني على مدار عامين إلا محاولة لتجييش الشارع الروسي في هذا الاتجاه، وهو أمر ليس بجديد؛ إذ استغل الغرب المشاهد الإعلامية والشبابية القادمة من ميادين الربيع العربي، وإذا بثورة الثلج أو اضطرابات 2011 الروسية تندلع بسبب نتائج انتخابات الدوما عام 2011.

وقد استمرت تلك الاضطرابات بشكل متقطع ما بين 4 ديسمبر 2011 و18 يوليو 2013 متأثرة بالربيع العربي، وحظيت بإشادة واحتضان الخارجية الأمريكية في ظل مواكبتها لعملية إعادة انتخاب الرئيس فلاديمير بوتين رئيسًا عام 2012 في مرحلة تبادل الأدوار مع رئيس وزرائه ديمتري ميدفيدف، وسط غضب الغرب من هذا التحايل الروسي الماكر على الدستور النيوليبرالي الروسي الذي وضعته النخبة النيوليبرالية في زمن بوريس يلتسن تنفيذًا لكتالوج الديموقراطية الأمريكية.

وجرت اضطرابات موسكو 2019 ما بين يوليو وسبتمبر 2019 على ضوء انتخابات محلية جرت بالعاصمة الروسية، وحاول الغرب تكرار ثورة الثلج مرة أخرى عبر اضطرابات 2014 ما بين مارس وسبتمبر 2014، إضافة الى احتجاجات مارس التي وقعت ما بين مارس 2017 وأكتوبر 2018. وأخيرًا، اضطرابات 2020 التي بدأت في 11 يوليو 2020 خارج موسكو قبل أن تكتسب زخمًا مفاجئًا وتصل موسكو في يناير 2021 بالتزامن مع تنصيب إدارة جو بايدن الأمريكية، في تزامن رصده المراقبون.

وتسعى الدوائر الغربية إلى الحفاظ على الجولة الثورية الحالية في الشارع حتى مجيء الانتخابات، وأن تكون اضطرابات 11 يوليو 2020 هي الثورة الروسية التي سوف تطيح بزعامة بوتين، بعد أن فشلت اضطرابات 2011 و2014 و2017 و2019 في هز عرش أقوى رئيس روسي منذ عصر جوزيف ستالين.

خريطة الأحزاب الروسية

يعد حزب روسيا الموحدة المسيطر على مجلس الدوما هو حزب الرئيس بوتين؛ إذ تأسس في ديسمبر 2001 في العام الأول لرئاسته، وشكل الحزب مجلسًا رئاسيًا ما بين عامي 2001 و2004 برئاسة الجنرال سيرجي شويجو الذي تولي لاحقًا منصب عمدة موسكو، قبل أن يصبح وزيرًا للدفاع عام 2012 وحتى اليوم. ولاحقًا ترأس بوتين الحزب ما بين عامي 2008 و2012 حينما كان رئيسًا للوزراء في زمن الرئيس ديمتري ميدفيدف، ثم خلفه الأخير في رئاسة الحزب حتى اليوم. يصنف الحزب بأنه معبر عن الأيديولوجيا المحافظة الروسية.

وتضم المعارضة أحزابًا شيوعية وليبرالية شاركت في الاضطرابات السابقة رغم الشبهات الغربية الواضحة، على رأسها الحزب الشيوعي الروسي الذي يرى نفسه الوريث الشرعي للحزب الشيوعي السوفيتي الحاكم سابقًا. يصنف الحزب بوصفه معبرًا عن “الماركسية – اللينينية”، 

يرأس الحزب الكولونيل جينادي زوجانوف منذ تأسيس الحزب عام 1993. وقد ترشح للرئاسة ثلاث مرات دون أن يظفر بالمقعد الرئاسي في الكرملين، الأولى عام 1996 أمام بوريس يلتسن، والثانية عام 2008 أمام ديمتري ميدفيدف، والثالثة عام 2012 أمام فلاديمير بوتين. وعادة ما يحتل الحزب الشيوعي الترتيب الثاني في مقاعد الدوما وانتخابات الرئاسة في زمن ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

أما المرتبة الثالثة فتكون من نصيب حزب الليبراليين الديمقراطيين، والذي تأسس عام 1992، ويرأسه الكولونيل فلاديمير جيرينوفسكي الذي تعود أصوله إلى جمهورية كازاخستان حينما كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي. ترشح للرئاسة خمس مرات متتالية وخسرها جميعًا. وقد أسس الحزب الليبرالي السوفيتي عام 1989 لمنافسة الحزب الشيوعي السوفيتي قبيل انهيار الامبراطورة السوفيتية، ويسعى إلى توريث الحزب إلى ابنه إيجور نائب رئيس الحزب ونائب رئيس مجلس الدوما.

ولكن اللاعب الجديد في المعارضة الروسية هو أليكسي نافالني، أحد شباب اضطرابات 2011، وصاحب الاتصالات الواسعة بمنظمات حقوق الإنسان الغربية، وهو المعارض الذي يقوم الإعلام الغربي بتلميعه، ويرأس حزب التحالف الشعبي، وهو حزب لم يتم تسجيله رسميًا في روسيا.

أليكسي نافالني من مواليد يونيو 1976، يستخدم الأدوات التي اشتهر بها نشطاء الثورات الملونة؛ إذ ينشط في عوالم التدوين ومؤسسات المجتمع المدني والتيار الحقوقي ويمتلك قناة نشطة عبر موقع YouTube ويخرج بعض الأفلام القصيرة والوثائقية منها فيلم “قصر بوتين” الذي أثار ضجة في روسيا عام 2020.

سيناريو الثورة

عادة لا ينتظر نشطاء المجتمع المدني والتيار الحقوقي وحتى بعض المنتسبين إلى التيار الشيوعي والتيار الليبرالي نتائج الانتخابات، بل يتم التظاهر ضدها خلال اليوم الأول لانعقاد الانتخابات، مطالبين بحياة حزبية حقيقية، وانتخابات حقيقية، وتنوع في المرشحين، وتوقف احتكار الكرملين و”حزب الكرملين” للمناصب السيادية.

وينضم عام 2021 تيار جديد شبابي قوي يضم أتباع أليكسي نافالني، هم من أنصار العولمة النيوليبرالية، ولديهم مسحة واضحة من “الأمركة” في حياتهم الشخصية قبل العامة. لذا فإن المعيار الحقيقي لقياس الحدث الشعبي المرتقب لن يكون مدى جدية الانتخابات، أو الإقبال الجماهيري، أو حتى النتائج، ولكن المعيار هو مدى الاستجابة الشعبية لدعوات النزول المليونية يوم عقد الانتخابات؛ فالأمن الروسي بلا شك يرصد كل ما سبق.

ولكن تظل “مدى الاستجابة الشعبية” هي آخر خطوة في لعبة الثورات الملونة؛ إذ لو أتت الاستجابة تقليدية فإنه سوف يسهل على الأمن الروسي لملمة المشهد، ولكن إذا ما تفاجأ الكرملين بأعداد كبرى كما جرى في الثورات الملونة في صربيا وأوكرانيا وقيرغيزستان وجورجيا وأرمينيا ومؤخرًا في بلاروسيا فأن المشهد وقتذاك سوف يذهب في معالجات بالغة التعقيد قد تستلزم تقديم الكرملين بعض التنازلات.ورغم كافة الاستعدادات الغربية لاستغلال هذا الحدث، فإنه من الصعب أن يذهب سيناريو “الثورة الروسية” إلى ما ذهبت إليه الأمور في الجمهوريات اليوغوسلافية والسوفيتية السابقة، في ظل ولع الأمة الروسية بسيرة بوتين وقدرته على استعادة المجد الإمبراطوري للروس.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى