أفريقياسياسة

مصر وفرنسا.. تعميق الحضور التنموي في إفريقيا

يأتي الحديث عن مصر كبوابة لدولة فرنسا للقارة الإفريقية في ضوء حضور السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي قمة تمويل الاقتصادات الإفريقية جنوب الصحراء التي عُقدت في فرنسا على مدار يومي 18 و19 مايو 2021، وتستمد القمة أهميتها من توقيتها لأنها جاءت بعد التداعيات الصحية والاقتصادية التي تسببت فيها جائحة كوفيد 19، إذ انكمش اقتصاد دول إفريقيا جنوب الصحراء مجتمعة بنسبة 1.9 % في عام 2020، وهو أسوأ انكماش مسجل. ومن المتوقع أن يأتي تعافيها متأخرًا عن بقية دول العالم في الفترة من 2020 إلى 2025.

وتتمثل أهمية القمة لفرنسا في رغبة باريس في استرجاع صورتها في إفريقيا من خلال إعطاء التنمية دورًا محوريًا في سياستها الخارجية من خلال تقديم المنح أكثر من القروض، وقد بلغ حجم المساعدات التنموية التي قدمتها فرنسا إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء وهاييتي في مجالات الفقر والصحة والمناخ والتعليم والمساواة بين الرجل والمرأة ١٢.٨مليار خلال عام ٢٠٢٠.

في حين تتمثل أهمية القمة لمصر كدولة إفريقية تعطي التنمية الاقتصادية في القارة الإفريقية وفق أجندة أفريقيا 2063 الأولوية على أجندة سياستها الخارجية، كما ترغب في الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية في علاقة القارة بالدول الكبرى وخاصة فرنسا.

تهدف هذه القمة الى إيجاد مصادر تمويل جديدة لهذه المنطقة من القارة الإفريقية خاصة أنها تضررت بشدة من تداعيات جائحة كوفيد١٩. وقد جاءت مبادرة الرئيس الفرنسي ماكرون لعقد تلك القمة الإفريقية بعد قناعات لعدد من الاقتصاديين والمحللين بأن معالجة الديون ليست كافية ولابد من استراتيجية تمويل أكثر شمولًا بما في ذلك المزيد من التدفقات الخارجية لتعزيز القطاع الخاص الإفريقي، والجاذبية الاقتصادية لإفريقيا لإيجاد مصادر جديدة للتمويل.

وكما صرح وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير أثناء زيارته إلى ساحل العاج مؤخرا: “إن أموال صندوق النقد ستذهب مباشرة إلى الاقتصادات الإفريقية”، علما بأن صندوق النقد الدولي قد خصص 23 مليار دولار للتنمية في إفريقيا.

ودرست القمة أيضًا سبلًا لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في المنطقة، بما يشمل تقديم ضمانات قروض. ووفقاً لصندوق النقد فإن تلك المشاريع تجد صعوبة في الحصول على تمويل وسط التباطؤ الذي دفع التوظيف للهبوط 8.5 % وترك 17 من دولة القارة في أو قريبة من ضائقة ديون العام الماضي.

وقد عقدت فرنسا القمة نظرًا لأهمية القارة لها، وتتمثل في أن الحضور الفرنسي بالقارة يساعد على المحافظة على مكانتها الدولية وعلى مصالحها بالقارة وعلى رأسها الموارد الطبيعية الاستراتيجية التى تملكها القارة والتى تلزم لتنمية الصناعات الثقيلة والنووية الفرنسية، كالهيدروكربير واليورانيوم، وأيضًا الوصول إلى المواقع الاستراتيجية فى بعض الدول الأفريقية؛ فالوجود العسكري لها فى جيبوتى يمثل ميزة عامة، وهى مراقبة المدخل الجنوبى للبحر الأحمر، وهو الممر المائى بالغ الأهمية على المستوى الاستراتيجى والتجارى حيث يربط خطوط التجارة العالمية، فضلًا عن معادلة الدور الأمريكي في القارة، بالإضافة إلى سعيها لعمل حزام واق على دول الساحل يمنع تسرب الإسلام السياسي إلى الجنوب اعتمادًا على حضورها في دول غرب ووسط أفريقيا، وتحالفها مع القادة الأفارقة.

وعلى المستوى السياسي: تسعى فرنسا إلى دعم الاستقرار بما يقلل من احتمال اندلاع الحروب الأهلية والصراعات بين العرقيات والقبائل المختلفة، وتدعم القضايا الإفريقية في المحافل الدولية وخاصة الأمم المتحدة.

وعلى المستوى الاقتصادي: تعتمد العلاقات الاقتصادية الفرنسية مع الدول الإفريقية على أسس أربعة رئيسة، هي: (1) التجارة البينية، إذ بلغ حجم الصادرات الفرنسية حوالي 13.5 مليار دولار سنويًا. (2) الاستثمارات الفرنسية في أفريقيا، إذ توجد حوالي 1500 شركة فرنسية في الأسواق الإفريقية. (3) منطقة الفرنك الفرنسى، التي ترتبط بها ستة عشر دولة من غرب ووسط إفريقيا. (4) المساعدة في إنشاء المنظمات الاقتصادية الإقليمية فى وسط وغرب أفريقيا التي تشترك مع فرنسا فى تحمل المسؤولية المالية، وبالتالي تساعد فرنسا على تخفيف أعبائها المالية تجاه هذه الدول.

أما على المستوى الأمني: توجد اتفاقيات تعاون عسكري مع 22 دولة تشمل عدة مجالات: المساعدات العسكرية والفنية، المساعدات المباشرة للجيوش وأجهزة الشرطة الوطنية الأفريقية، المنح الدراسية العسكرية وبرامج التدريب للضباط الأفارقة، وتشمل هذه الاتفاقيات مجال الصحة العامة وحفر الآبار وتنقيتها وإقامة البنية التحتية من طرق وكبارى.

تعد مصر هي بوابة الدول الكبرى إلى أفريقيا لما لها من استراتيجية متكاملة تجاه التحرك في القارة لتحقيق أجندة إفريقيا 2063، فمع الزيادة السكانية المتوقعة وخاصة في المدن الأفريقية ووصول عددهم إلى مليار نسمة في عام 2040، فمن المتوقع أن تحتاج إلى بنى تحتية بقيمة 90 مليار دولار أمريكي سنويًا، ومن ثم فإن هذا المجال بحاجة لاستثمارات كبيرة، فضلًا عن استثمار اتفاقية التجارة الحرة بين الدول الإفريقية، كما يمكن لمصر وفرنسا التعاون فيها وغيرها من المجالات التي تحتاجها القارة.

وعلى صعيد القضايا الاقليمية ذات الاهتمام المشترك بين مصر وفرنسا، يمكن القول إن هناك تنسيقًا مشتركًا في العديد من القضايا، إذ تعد القضية الفلسطينية هي القضية المحورية في المنطقة والتي تحظى باهتمام دولي كبير خاصة من فرنسا التي تؤيد الحقوق الفلسطينية، ولذا أعلنت فرنسا دعمها للوساطة المصرية إيمانا منها بمحورية الدور المصري في هذه القضية.

تأتي القضية الليبية قضية مشتركة بين البلدين، وقد حظيت بتنسيق عالي المستوى كان له الأثر في إحلال الاستقرار في ليبيا وانتقال السلطة من حكومة الوفاق الي حكومة مؤقتة تمهيدًا لانتخابات تشريعية ورئاسية، والنجاح في إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية منها، وكذلك مواجهة التدخل التركي في شرق المتوسط، فضلًا عن تكثيف الجهود بين البلدين لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل. وكذلك استطاعت مصر وقف الهجرة غير الشرعية من سواحلها منذ عام 2017.

هناك تواصل بين البلدين حول سد النهضة، وتتفهم فرنسا رغبة مصر في التوصل إلى اتفاق قانوني شامل وملزم بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، وتتطلع فرنسا إلى التوصل لحل يحقق مصالح كل الأطراف فى أقرب وقت ممكن.

وقد شهدت العلاقات العسكرية بين البلدين بدءًا من 2015 عقد عدد كبير من الصفقات العسكرية خصوصا فيما يخص القوات الجوية والقوات البحرية، وتعكس هذه الصفقات العلاقات الاستراتيجية بين البلدين والدعم الذي تحظى به مصر من القيادة الفرنسية مما يعكس معرفة فرنسا بحجم التهديدات التي تحيط بمصر في محيطها الاقليمي.

وختاما، يمكن القول إن عمق العلاقات المصرية الفرنسية والتوافق بينهما في الرؤى في العديد من قضايا المنطقة والقارة، والخبرة التاريخية في التعامل مع الدول الإفريقية فاعل أساسي في تحقيق التنمية المستدامة في الدول الإفريقية وفق أجندة إفريقيا 2063.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى