إسرائيل

شاهد على التمييز العنصري: كيف يتلقى فلسطينيو الداخل تعليمهم داخل دولة الاحتلال؟

شكلت العائلات العربية التي لم تهاجر عام 1948 بعد النكبة ما يعرف بـ “عرب 48” أو “عرب الداخل” نسبةً لتواجدهم داخل حدود خط الهدنة (الخط الأخضر)، ويقدرون بنحو 21% من إجمالي السكان وفق الإحصاء المركزي الإسرائيلي عام 2019. وغالبًا ما يستخدم الاحتلال الإسرائيلي مصطلح “الأقلية العربية” للتعبير عن فلسطينيي 48، ويعكس هذا المصطلح سياسات التعامل معهم كمواطنين في شتى الجوانب ومنها التعليم من منطلق كونهم أقلية، فلا يتمتعون بحقوق التعليم الكاملة المقدمة للأغلبية الإسرائيلية. وينصرف هذا الجور والتمييز على جميع مجالات التعليم، كالموازنة المالية، والمخصصات المادية، والبنية التحتية للمدارس وصيانتها، بالاضافة إلى تهويد الثقافة العربية، وتزييف التاريخ، ومصادرة الذاكرة الجمعية لأبناء عرب 48 من خلال المناهج التعليمية. 

نظام التعليم والمناهج:

يخضع نظام تعليم عرب 48 إلى وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية من خلال قسم التعليم العربي داخل الوزارة، والذي يهيمن عليه الإسرائيليون بشكل كامل ومركزي، ويشرف جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” على تعيين أعضاء الهيئة الإدارية والأكاديمية بالمدارس العربية، وتعتمد مناهج المدارس العربية على المناهج اليهودية المترجمة للغة العربية، ويتم تدريسها في المدارس العربية الإسلامية والتي تضم الطلاب من الأصول العربية من المسلمين والدروز وبعض المسيحيين، وكذلك في المدارس المسيحية والارثوذكسية، والتي تضم معظم الطلاب الكاثوليك والبروتستانت والموارنة. وتوجد فجوة كبيرة بين أعداد المدارس العربية مقارنة بالمدارس الإسرائيلية الأخرى. والشكل التالي يوضح نمو المدارس العربية مقارنة بالمدارسة الإسرائيلية في الفترة ما بين 1948 وحتى 2017 وفق الاحصاء الصادر عن وزارة التربية والتعليمية الإسرائيلية.

شكل (1) نمو أعداد المدارس العربية مقارنة باعداد المدارس الإسرائيلية ما بين 1948- 2017.

بالاضافة إلى الإقصاء والتمييز في البنية التحتية للمدارس كما يوضحه الشكل السابق، يتعرض التعليم العربي إلى التمييز في مخصصات الموازنة المالية، فنصيب الطالب العربي من موازنة التعليم في إسرائيل أقل بنسبة 88٪ مقارنة بالطالب اليهودي بحسب التقرير الصادر عن مركز توب لأبحاث السياسة الاجتماعية في إسرائيل عام 2017.

ويؤثر هذا التمييز على زيادة نسب التسرب في التعليم وخاصة في المرحلة الثانوية، فمعدلات استحقاق شهادة الثانوية العامة بين نظامي التعليم العربي والإسرائيلي انخفضت من 98٪ إلى 86٪ في التعليم العربي مقارنة بـ 99٪ و92٪ في التعليم الإسرائيلي عام 2016 بحسب تقرير المركزي للإحصاء التابع لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي.

ووفق تقرير لجنة متابعة قضايا التعليم العربي التابعة للمجلس التربوي العربي الصادر في 2012 يعاني التعليم العربي داخل إسرائيل من نقص 6100 فصل دراسي و4000 معلم. كذلك يسجل الطلاب العرب مستويات منخفضة في التحصيل الدراسي، فقد احتلت نتائج الاختبارات الدولية PISA لطلاب عرب 48 عام 2018 المرتبة الاخيرة من بين 79 دولة.

وتظل المناهج التعليمية المعضلة الأكبر في تعليم العرب داخل إسرائيل، فالكتاب المدرسي يعكس بالتبعية ثقافة وهوية المجتمع، إلا أن المناهج التعليمية العربية في إسرائيل تعرضت إلى متغيرات متباينة، فقانون التعليم الصادر في 1953 لم يعترف بتفرد العرب على الإطلاق، بل وهدف إلى تأسيس التعليم الابتدائي على قيم الثقافة الإسرائيلية، وظلت المناهج العربية متأثرة بالثقافة الإسرائيلية حتى تعديل القانون عام 2003 والاعتراف باللغة والثقافة والتاريخ والتراث والتقاليد الفريدة للعرب وغيرهم كمواطنين إسرائيليين. لكن ظل تناول المحتوى التعليمي يقتصر على قضايا الثقافة والدين والتقاليد بشكل عام، وأعرض عن تناول أي قضايا وطنية أو سياسية.

أنشأت لجنة مراقبة التعليم العربي التي تأسست عام 1984 المجلس التربوي العربي، الذي دعا بدوره إلى تقييم وضع التعليم العربي داخل إسرائيل، وكلف باحثين متخصصين عام 2012 بإعداد دراسة مقارنة بين مناهج التعليم العربي والإسرائيلي في المدارس في أربعة مواد تعليمية أساسية هي: التاريخ والجغرافيا واللغة العربية والمدنيات.

وتوصلت نتائج الدراسة إلى وجود اختلاف صارخ بين المحتوى التعليمي في المناهج العربية عن المناهج الإسرائيلية في الكم والمضمون، وخاصة في منهج التاريخ والذي يضم فصلًا عن تاريخ الشعب اليهودي بذات القدر المخصص لتاريخ الشعوب الإسلامية في كتب الطلاب العرب فقط، بينما يشغل تناول تاريخ الشعوب الاسلامية حيزًا ضئيلًا جدًا في كتاب الطلاب الإسرائيليين، ويحث المنهج العربي على تنمية الوعي بالمصير المشترك بين العرب واليهود، ويختفي هذا تمامًا في المنهج العبري. 

وعلى الرغم من جهود المجلس التربوي العربي إلا أن وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية لا تقدم أي تعاون معه أو اهتمام بدراساته ومخرجاته. بناء عليه سعت العديد من الجمعيات العربية إلى العمل على نشر تربية وثقافة مضادة تناهض ما تقدمه المناهج التعليمية في المدارس، فتقوم بتوفير أطر تعليمية غير نظامية خارج المناهج الرسمية وساعات الدراسة الفعلية في المدارس العربية النظامية، وقد ساهمت هذه الجمعيات في حفظ الاستقلال الثقافي العربي والفلسطيني.

ضاعفت جائحة كورونا الفجوة بين التعليم العبري والتعليم العربي بسبب النقص في أجهزة الكمبيوتر، وقلة المواد الدراسية العربية المرقمنة، فمنصات التعلم عن بعد متاحة باللغة العبرية فقط، وهناك نحو 33% من الطلاب العرب داخل إسرائيل يواجهون مشكلة الوصول إلى الإنترنت وفق تقرير العام الماضي للجنة متابعة قضايا التعليم العربي. ويعتمد التعليم العربي خلال الجائحة على تطبيق WhatsApp، بيد أن تكلفة طباعة أوراق العمل المرسلة عبر التطبيق تحول دون الاستقادة الكاملة من التعلم عن بعد، علاوة على ارتفاع تكلفة توفير كروت شحن الإنترنت بالهواتف الذكية، أو امتلاك هواتف ذكية من الأساس.

شواهد وتوصيات

يساهم التعليم العربي غير الرسمي داخل إسرائيل إلى حد كبير في حفظ الهوية القومية والوطنية للطلاب العرب، لكن يجب أن تتوافق مناهج التعليم العربي الرسمي بشكل أفضل مع ما يقدمه التعليم العربي غير الرسمي بما يدعم ثقافة الأطفال والشباب العرب. 

يواجه نظام التعليم العربي في إسرائيل عددًا من التحديات بالإضافة إلى الفجوات مقارنةً بنظام التعليم العبري، أو بحجم النمو المتزايد لاحتياجات الطلاب العرب، أو الفجوات الاجتماعية والاقتصادية المتعددة. 

 يفتقر التعليم العربي إلى اللامركزية في جميع جوانب السياسات التعليمية، الأمر الذي يستوجب بحث اعتراف دولي يعضد استقلال إدارة التعليم العربي داخل إسرائيل في ضوء إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية الصادر عن الجمعية العامة في 2007.

كذلك تحتاج مناهج التعليم العربي إلى مراجعة وتقييم لحفظ القومية والوطنية والثقافة العربية والفلسطينية من خلال لجنة دولية مختصة استنادًا إلى اتفاقية اليونسكو لمناهضة التمييز في التعليم الصادرة في 1962.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى