القضية الفلسطينية

المبادرة المصرية لإعادة الإعمار في قطاع غزة.. توقيت حاسم وضرورة ملحة

في يوم 18 مايو الجاري أعلنت القيادة السياسية تدشين مبادرة مصرية لإعادة إعمار قطاع غزة المنكوب، بمخصصات مالية تصل إلى 500 مليون دولار أمريكي، وهو ما يفوق 7.8 مليار جنيه مصر. وتهدف تلك المبادرة إلى إصلاح ما دمرته الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي شهدها قطاع غزة خاصة الأخيرة منها، على أن تقوم بتنفيذ تلك المبادرة الشركات المصرية المختصة بالإنشاءات والمقاولات. وتأتي تلك المبادرة في الوقت الذي تقوم فيه مصر بتثبيت عملية التهدئة التي توافق عليها الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي في 20 مايو الجاري، وذلك بعد 11 يومًا من العدوان على قطاع غزة. 

وضع متأزم داخل القطاع

فرضت إسرائيل على مدار 14 عامًا حصارًا بريًا وبحريًا مشددًا على قطاع غزة، كانت له تبعات سلبية كثيرة على القطاع الذي يعاني أساسًا من العديد من المشكلات، ولقد تمثلت أول تلك التبعات في عدم وجود إمكانية لتوسع المواطنين الفلسطينيين جغرافيًا في الأراضي المحيطة بهم، واقتصار وجودهم على مساحة القطاع المقدرة بـ 365كم2, وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع كثافة سكان القطاع إلى 5,693 فردًا لكل كيلو متر، ليجعل ذلك من قطاع غزة المكان الأعلى كثافة سكانية على مستوي العالم.

وساهمت الأعمال العدائية المتكررة التي نفذتها قوات الاحتلال على القطاع منذ عام 2008, والتي شهدت ذروتها خلال 4 عمليات عسكرية على القطاع في و2012 و2014 و2021, إلى نشر حالة دمار واسعة قدرت الأمم المتحدة تكلفتها خلال الفترة من 2007 إلى 2018 فقط بأكثر من 16.7 مليار دولار, وأدت تلك الأعمال العسكرية إلى تعطيل نمو الاقتصاد المحلي في غزة, فضلًا عن حرمان القطاع من استغلال موارده الطبيعية مثل الغاز الطبيعي الموجود في الآبار البحرية المقابلة للقطاع, وهو ما أدى إلى تقليص مشاركة الاقتصاد الغزيِ في الناتج المحلي الإجمالي لدولة فلسطين من 31% إلى 18% بحلول 2018.

انحسار الوضع الاقتصادي في القطاع أدى بدوره إلى رفع نسب البطالة بين المواطنين الغزيين والتي وصلت في 2020م إلى 47%, وأصبح متوسط الأجور في غزة أقل من الحد الأدنى المتعارف عليه في عموم الدولة الفلسطينية بنسبة 11%, ليصل خلال العام الماضي إلى أقل من 1290 شيكل إسرائيلي وهو ما يقارب على 390 دولار في الشهر.  –انظر الشكل التالي رقم 1- 

المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني

مجموع ما سبق كان له أثره في ارتفاع معدلات الفقر بقطاع غزة، إذ قدرت الإحصاءات الرسمية لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTADبأن معدل الفقر شهد قفزة ملحوظة بما نسبته 14% وذلك بين عامي 2007 و2017, وهو ما أوصل نسبة الفقراء بالقطاع في هذا العام الأخير إلى 56% من جملة السكان. ويُعتقد أن تلك النسبة شهدت ارتفاعًا كبيرًا خلال العام الماضي 2020, وذلك جراء تداعيات الأزمة الاقتصادية الناتجة من انتشار وباء كورونا، فقد أظهرت تقديرات رسمية صادرة عن السلطة الفلسطينية في أواخر 2020, أن 68% من الأسر في غزة أصبحت لا تستطيع أن توفر نفقاتها لأكثر من شهر، وأصبحت 63% من الأسر تسعى للحصول على المساعدات وكوبونات الطعام التي توفرها المنظمات الإنسانية العاملة بالقطاع.

وكان للأزمة الاقتصادية التي يعيشها القطاع العشرات من الآثار الصحية والمجتمعية الخطيرة، والتي نذكر منها مثالًا زيادة نسبة الأطفال ما دون الخامسة من العمر، والذين يعانون من أمراض قصر القامة ونقص الوزن، فوصلت نسبتهم في 2019 إلى 9% من جملة أطفال غزة، وذلك بعد ان كانت نسبتهم 7.4% من جملة الأطفال في 2014م.

معدلات الجريمة والعنف شهدت تصاعدًا هي الأخرى خلال السنوات الماضية، ففي عام 2020 تعرضت 7.6% من الأسر في غزة لأعمال إجرامية، فيما أشار أحد التقارير الرسمية إلى تعرض 33% من أطفال القطاع إلى أعمال عنف وذلك خلال عام م وحده، وتصاعدت معدلات العنف الاسري أيضًا في ذات العام لتطال 39% من جملة الأسرة، بالإضافة إلى ذلك ارتفعت أعداد مدمني المخدرات في غزة لتقارب إلى نحو 100,000 مواطن غزي، وذلك وفق ما أورده أحد الإحصاءات غير الرسمية.

تحديات تنموية متعدد بقطاع غزة

الأوضاع المتردية في قطاع غزة والتي أبزرنا بعض ملامحها خلال الفقرات السابقة، أصبحت تتطلب العديد من المجهودات في مختلف الملفات التنموية، لذلك ستقوم الورقة خلال الفقرات التالية بإعطاء لمحة عن أهم التحديات التنموية التي يجب التعامل خلال المرحلة القادمة: 

  • مشروعات الإسكان 

يعد ملف الإسكان من أحد أكبر التحديات التي تواجه المواطنين في غزة، ففي قطاع تفوق نسبة الزيادة السكانية فيه 2.75% سنويًا –انظر الشكل التالي رقم 2– وهو ما يقارب على 75,000 نسمة، يحتاج المواطنون دائمًا إلى إيجاد مشروعات إسكانية تلاقي متطلباتهم في تأمين المساكن الجديدة، ويتضح حجم التحدي مع مطالعة الإحصاءات التي تصدرها السلطة الفلسطينية عن عدد المساكن المشغولة والخالية، حيث يوجد في القطاع الآن أكثر من 155,500 مبنى مخصصين للاستخدام السكني وجميعها مشغولة بالسكان.

 في مقابل ذلك، لا يوجد سوى 14,550 مبنى خالٍ من السكان، وهذه المباني الخالية ليست كلها بالضرورة صالحة للاستخدام السكني، فبعضها غير مكتمل البناء وبعضها مدمر من جراء العمليات العسكرية، وهذا ما يفسر ارتفاع معدل التزاحم داخل المنازل في قطاع غزة، فوفقًا للتقارير الرسمية الفلسطينية يوجد في كل غرفة سكنية بالقطاع ما متوسطه 1.6 مواطن، وهو ما يزيد على النسبة المماثلة في الضفة الغربية بحوالي 0.3 مواطن، هذا ما يتسبب بدورة في انخفاض مستويات الرفاهية السكنية لمواطني القطاع عن نظرائهم في الضفة ورام الله. 

المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني

  • المؤسسات التعليمية

مجال التعليم هو أحد أبرز النجاحات التنموية التي استطاعت الدولة الفلسطينية أن تحققها بما أتيح لها من موارد خاصة في قطاع غزة، فعلى الرغم من ارتفاع نسبة الأطفال في سن التعلم والمقدرة نسبتهم بـ 47.5% من جملة سكان غزة، إلا أن الإحصاءات الرسمية تشير إلى انخراط 99.5% منهم في العملية التعليمية.

لكن هناك مجموعة من التحديات التي تقلل من جودة الخدمة التعليمية المقدمة للطلبة، أولها ارتفاع نسب الطلبة داخل المدارس، والتي تقدر في المتوسط بأكثر من 760 طالبًا في المدرسة الواحدة بقطاع غزة، وذلك في مقابل 225 طالبًا في المدرسة الواحدة بالضفة ورام الله. فضلًا عن أن معدل الطلاب في غزة بالقياس على عدد المعلمين المتوفرين يعد أعلى من المعدل في الضفة ورام الله، فيتوفر في غزة ما متوسطه معلم واحد لكل 28 طالب في حين يتوفر في الضفة ورام الله معلم واحد لكل 20 طالب. 

وكذلك، عانى العديد من طلاب القطاع من تحدٍ جديد وهو ضرورة الدراسة عن بعد بسبب إجراءات التباعد التي فرضتها الحالة الوبائية لفيروس كورونا، إذ تعاني 64% من الأسر من عدم امتلاكها لجهاز حاسب إلكتروني مرتبط بشبكة الإنترنت، وهو ما صعب على أبناء تلك الأسر عملية تلقي دروسهم ومتابعة واجباتهم المدرسية خلال العام الماضي 2020والعام الحالي 2021. 

  • المرافق الصحية 

كانت المرافق الصحية من أكثر المؤسسات العامة التي تضررت بفعل الأعمال العسكرية التي طالت القطاع على مدار السنوات الماضية. وكان انحسار عمليات التطوير في هذه المرافق نتيجة للحصار المفروض على غزة سببًا مضافًا في ضعف قدراتها المتاحة، فعلي الرغم من وجود 2.1 مليون مواطن في غزة، إلا أن القطاع بأكمله لا يمتلك سوى 32 مستشفى، ولا توجد بتلك المستشفيات سوى ما مجموعه 2,485 سرير طبي، وهو ما يساوي 1.3 سرير لكل 1000 مواطن، ما يعني أن متوسطات الأسرة الطبية المتوفرة للموطنين الغزيين أقل بكثير من المتوسطات العالمية المتبعة – انظر الشكل التالي رقم 3 –.

المصدر: إحصاءات البنك الدولي

وكذلك، فإن مرفق الإسعاف الطبي التابع للهلال الأحمر الفلسطيني والذي يخدم قطاع غزة، يعاني هو الآخر من حالة من الضعف والمحدودية، إذ لا تتوفر في غزة سوى 75 سيارة إسعاف، وهو ما يعني سيارة واحدة في المتوسط لخدمة كل 27,000 نسمة، ولا تتوفر لدى سلطات القطاع أي طائرات مروحية للإخلاء الطبي العاجل. 

  • المؤسسات الثقافية والترفيهية

يوصف قطاع غزة من الناحية التاريخية والثقافية بأنه منطقة متعددة الحضارات، ويعزي هذا الأمر إلى وقوعه في موقع وسط بين حضارة إقليم وادي النيل من جهة وحضارات إقليم الهلال الخصيب من جهة أخرى، لذلك يمتلك القطاع في يومنا هذا حوالي 35 موقعًا تراثيًا تعود جميعها إلى عصور مختلفة، فبعضها يعود لعهد الكنعانيين والبعض الآخر إلى عهد الرومان والبيزنطيين، فيما يرتبط عدد آخر بتاريخ الدول الإسلامية التي حكمت مصر أو الشام.

لكن على الرغم من هذا التنوع التراثي الكبير، فإن حالة المؤسسات الثقافية ليست في أفضل ما تكون؛ فلا يمتلك القطاع وفق التقديرات الرسمية سوى 64 مؤسسة ثقافية فقط، وذلك من أصل 619 مؤسسة تنتشر في عموم الدولة الفلسطينية، وتشكل المراكز الثقافية أغلب تلك المؤسسات الموجودة بغزة، فيما لا يوجد سوى عدد محدود جدًا من المتاحف الأثرية والمسارح – انظر الشكل التالي رقم 4 -. 

المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني

وإلى جانب الضعف في الشق الثقافي، يعاني الشق الترفيهي من حالة من التردي هو الآخر, فلا توجد في القطاع أي دور للسينما, ولا يمتلك القطاع حدائق حيوان متطورة, بالإضافة إلى ذلك تحتاج مناطق الشواطئ العامة والكورنيش البحري بغزة إلى الكثير من عمليات التطوير الحضاريِ, ويحتاج القطاع أيضًا إلى زيادة أعداد النوادي والمراكز الرياضية التي من شأنها أن تساعد في تفريغ طاقة شباب غزة بشكل مفيد, حيث لا يمتلك القطاع حاليًا سوى 153 ناديًا ومركزًا رياضيًا –انظر الشكل التالي رقم 5– وهو ما يقل عن 23% من جملة الأندية الرياضية في عموم فلسطين. 

المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني

  • مرافق المياه والصرف

تعاني منظومة المياه والصرف الصحي في قطاع غزة من وقوعها تحت وطأة مجموعة من التحديات، والتي تؤدي في النهاية إلى التأثير المباشر على جودة حياة المواطن الغزيِ؛ فالتقديرات الحكومية الرسمية تشير إلى تمكن وصول 99.6% من الأسر في القطاع إلى مصادر المياه، لكن هذه المصادر تتنوع ما بين وصلات المياه المنزلية الملحقة بالشبكة العمومية والحنفيات العامة والآبار الارتوازية والينابيع ومياه الأمطار المجمعة. ويؤدي استخدام تلك الأنواع المتعددة وغير المؤمنة من مصادر المياه، إلى تلوث المياه التي يستخدمها المواطنون. ولقد قدرت إحدى الدراسات الرسمية أن المياه التي تتلوث بفعل سوء التوصيل تبلغ ما يزيد على 89% من إجمالي المياه النقية المتوفرة للاستخدام.

أزمة إمدادات المياه في غزة لا تتوقف عند هذا الحد، فالسلطات الإسرائيلية تمنع توصيل المياه المستخرجة من المصادر المستدامة كالأنهار إلى مواطني القطاع بشكل شبه كامل. ولا يمكن الاعتماد على مشروعات تحلية مياه البحر بشكل واسع في الفترة الحالية بسبب محدودية قدرات الإنتاج لمحطات التحلية المتوفرة بغزة, بالإضافة إلى قلة جوده مياه البحر التي تعتمد عليها تلك المحطات بفعل التلوث الشديد لمياه البحر المتوسط المقابلة للقطاع من جراء الصرف الصحي, وهو ما سنتحدث عنه خلال القرات اللاحقة, لذلك يضطر المواطنون الغزيون إلى الاعتماد بشكل مفرط على مياه الحوض الجوفي الساحلي– انظر الشكل التالي رقم 6 -.

المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ملاحظة: 80% من المياه التي تبيعها إسرائيل لقطاع غزة مستخرجة من مياه الآبار الفلسطينية

ففي عام 2019م وحده تم استخراج ما يقارب على 187.6 مليون متر مكعب من مياه الحوض الجوفي, وذلك على الرغم من توصية الحكومة الفلسطينية بعدم استخراج أكثر من 60 مليون متر مكعب خلال السنة الواحدة, ولقد أدى هذا الأمر إلى نضوب مخزون المياه الجوفي إلى ما دون مستوي 19 متر تحت مستوى سطح البحر, مما ينذر بخطر مائي على القطاع وسكانه, وذلك لأن هذا الحوض هو المصدر الرئيسي لتوفير مياه الشرب بغزة في الوقت الحالي, وحذرت الأمم المتحدة من تعرض هذا الحوض لتداخل مياه البحر وترشيح مياه الصرف, وهو ما جعل 97% من مياهه المتوفرة غير متوافقة مع معاير منظمة الصحة العالمية. 

ونشير هنا بالملاحظة إلى أن جميع العوامل السابقة، بالإضافة إلى ارتفاع ثمن شراء المياه والذي يصل في بعض الأحيان إلى 7 دولارات لكل متر مكعب، أدت إلى تقليص نصيب الفرد في غزة من المياه النقية إلى 22.4 لتر في اليوم، وهو أقل من الحد الأدنى العالمي الذي أوصت به منظمة الصحة العالمية بنسبة 77%. 

مرفق الصرف الصحي ليس أفضل حالًا من مرفق المياه النقية، فالحصار المفروض على القطاع وعدم القدرة على إدخال المواد اللازمة للاستخدام في عمليات معالجة مياه الصرف، بالإضافة إلى محدودية توفر الإمكانات التكنولوجية والمالية الكافية لتشغيل محطات المعالجة، دفع بسلطات القطاع إلى تصريف المياه العادمة نحو البحر مباشرة. 

وتقدر الأمم المتحدة أن كمية المياه الملوثة التي تصرف من القطاع سنويًا هي 39.4 مليون متر مكعب، ويعود 70% من تلك المياه العادمة إلى سواحل غزة مع حركة المد والجذر، ليؤدي بذلك إلى تلوث الشواطئ والِإضرار بالبيئة البحرية المحلية، بالإضافة إلى تعطيل عمل محطات تحلية المياه. 

  • مرفق الكهرباء 

يعد نقص الكهرباء من أكثر الملفات تأثيرًا على حياة المواطنين في غزة، فعلى الرغم من وجود تقارير رسمية تفيد بحاجة القطاع لأكثر من 500 ميجا وات من الكهرباء لتحقيق الاستدامة في تغذية الشبكة العمومية للكهرباء على مدار 24 ساعة يوميًا، إلا أن ما يتم توفيره فعليًا لا يتجاوز 150 ميجا واط.

ويعود السبب في وجود ذلك الفارق بين المتوفر والمطلوب من احتياجات الكهرباء إلى عاملين رئيسين، أولها افتقار غزة لوجود محطات الكهرباء، فالقطاع بأكمله لا يمتلك سوى محطة كهرباء واحدة، ولا تزيد القدرة الإنتاجية الإجمالية لتلك المحطة عن 63 ميجا وات، لكن المحطة لا تستطيع العمل بشكل منتظم نظرًا للتذبذب الشديد في إمداد المحطة باحتياجاتها من الوقود، وذلك من جراء التعنت الإسرائيلي في عملية فتح المعابر والسماح بمرور صهاريج النفط. فيما يتمثل العامل الثاني في عدم سماح شركة الكهرباء الإسرائيلية ببيع أكثر من 120 ميجا واط من الكهرباء إلى القطاع.

ويؤدي النقص في احتياجات الكهرباء إلى تقليص وصول الكهرباء إلى المباني في غزة إلى ما دون 8 ساعات في اليوم، فيما يتقلص هذا الرقم بحلول أشهر الصيف إلى 4 ساعات فقط نتيجة للأحمال العالية، وهو ما يضع المنشآت والمرافق الحيوية كالمستشفيات ومحطات المياه والصرف في خطر دائم، وتدفع الانقطاعات المتكررة للكهرباء بالمواطنين إلى الاعتماد على مصادر تغذية كهربائية عالية التكلفة كالمولدات الكهربائية الخاصة.

  • الإنتاج الزراعي والسمكي

واجه القطاع الزراعي في قطاع غزة خلال السنوات الماضية العديد من العوامل السلبية التي أوقفت حركة تطوره ونموه، ولقد تمثل أول تلك العوامل في التوسع العمراني الجائر على حساب الأرض الزراعية وذلك لتوفير المساكن الجديدة التي يحتاجها المواطنون، فقد قدرت إحدى المنظمات المدنية المهتمة بالنشاط الزراعي في غزة أن القطاع فقد ما بين العامين 2005 و2020م ما يقارب على 92,000 دونم، وهم ما يساوي 47% من مساحة الأرض الزراعية في غزة. 

وتتسبب الظروف السياسية التي يرزح تحتها القطاع، في إضعاف حجم الاستثمارات الزراعية به، ونأخذ مثالًا على ذلك عدد المشاتل الزراعية في غزة والتي لا تتجاوز 50 مشتلًا وفق الإحصاءات الرسمية، في حين أن الضفة الغربية تمتلك 136 مشتلًا زراعيًا. وكذلك، لا يمتلك القطاع من معاصر الزيتون سوي 36 معصرة وذلك على الرغم من امتلاك الضفة لـ 250 معصرة.

بالإضافة إلى ذلك يعاني القطاع الزراعي من تدهور في مدخلات الإنتاج الزراعي نتيجة للحصار الإسرائيلي المستمر، والذي يحرم المزارعين من استجلاب الأسمدة والمخصبات الزراعية المطلوبة للعملية الزراعة، بالإضافة إلى عدم توفر المياه المطلوبة لري الحقول نتيجة للأزمة المتفاقمة في توفير إمدادات المياه، فضلًا عن الملوحة والتلوث الشديدين اللذين تتصف بهما الواردات المائية في حال قدومها للمزارع.

على جانب آخر يعاني القطاع السمكي من العديد من المشكلات التي تحد من قدراته الإنتاجية، والتي من أهمها تحجيم قوات خفر السواحل الإسرائيلية لحركة الصيادين الغزيين وعدم السماح لهم بالخروج عن مساحة صيد تزيد عن 3 أميال بحرية. ويعاني صيادو القطاع من اعتمادهم على أسطول متقادم وغير حديث من قوارب الصيد، وهو ما يقيد قدراتهم على الإنتاج السمكي، بالإضافة إلى ذلك لا يستطيع الصيادون أن يحصلوا على إنتاج سمكي ذي جودة عالية، بسبب التلوث الشديد الذي تتصف به المياه البحرية المقابلة للقطاع. 

  • سلاسل الإمداد الصناعية بالقطاع 

يمتلك قطاع غزة مدينة صناعية في جانبه الشمالي الشرقي، وتعتبر تلك المدينة الصناعية مركزًا لتلبية جزء من احتياجات الاستهلاك المحلي، بالإضافة إلى إمكانية التصدير للعالم الخارجي. لكن المدينة الصناعية لم تنجح حتى الآن في توفير نسبة كبيرة من متطلبات السوق في غزة، حيث تبلغ قيمة المستوردات السلعية قرابة 6 مليار دولار سنويًا، وتستحوذ إسرائيل وحدها على تصدير ما نسبته 55% من جملة تلك البضائع المُصدرة إلى قطاع غزة. 

ويعزى الضعف التصنيعي في القطاع إلى عدد من العوامل؛ أولها تقويض عمليات استيراد المواد الخام والآلات الصناعية، بالإضافة إلى إجبار المنتجين في غزة على استخدام معبر واحد هو كرم أبو سالم، سواء في عمليات الاستيراد أو التصدير مما يزيد تكاليف الشحن عليهم، وأيضا تعمُد السلطات الإسرائيلية استخدام تقنيات قديمة في التفتيش والفحص عند المعبر مما يؤدي لإتلاف البضائع وضياع الوقت.

  • مرفق الحماية المدنية 

يعاني قطاع غزة من انحسار واضح في قدرات المرفق الخاص بالحماية المدنية, والذي يعول عليه التدخل في أثناء وقوع الحرائق والكوارث والانهيارات السكنية, والتي كثيرًا ما يشهدها القطاع بفعل الهجمات العسكرية الإسرائيلية, فمنذ عام 1997م لم يستلم المرفق أي معدات إطفائية جديدة, ولم يشهد أي تطوير جوهري منذ ذلك الحين.

ولقد ساهم الحصار الذي فرضته إسرائيل على القطاع منذ عام 2007, في رفع معاناة المرفق، حيث منعت إسرائيل دخول أي وحدات إطفائية أو مركبات جديدة للعمل ضمن صفوف مرفق الحماية المدنية، باستثناء عدد محدود من الوحدات الإطفائية الخفيفة والتي كانت تأتي في شكل معونات من دول أخرى لصالح قطاع غزة.  

لذلك لا يمتلك مرفق الحماية المدنية في غزة حاليًا سوي 30 عربة إطفاء، بالإضافة إلى بضع سيارات أخرى خاصة بالإنقاذ والإمداد المائي، وتوصف كافة العربات العاملة بالمرفق بأنها خفيفة أو متوسطة، فيما لا تتوفر لدى مرفق الحماية المدنية أي سيارات إطفائية ثقيلة سوى سيارة سلم إطفائي واحدة، ولا تتوفر لدى المرفق أي معدات أو مركبات حديثة للتعامل مع المفرقعات ومخلفات القذائف الحربية. 

ختامًا، يمكننا القول إن التحديات التي يواجها قطاع غزة أصبحت كثيرة ومتراكمة، ولقد اشتدت وطأتها وتأثيراتها السلبية مع استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع، لكن المبادرة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة ستعيد فتح الآفاق للتعامل مع تلك التحديات المزمنة، وهو ما سيؤدي بدوره إلى إعادة دوران عجلة التنمية، ورفع جودة الحياة المتوفرة للمواطنين الغزيين.

وستساعد المبادرة على توفير فرص العمل لأبناء القطاع، وهو ما سيساهم في بشكل مباشر في تخفيض معدلات الفقر والجريمة والتطرف، مما سينعكس على الاستقرار والأمن بمنطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى تثبيت الحالة الأمنية على الحدود الشرقية لجمهورية مصر العربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى