القضية الفلسطينية

تهدئة التصعيد الإسرائيلي الفلسطيني

بعد جهود مضنية تمت منذ اللحظة الأولى على مدار أحد عشر يومًا، نجحت الدولة المصرية في تهدئة الصراع القائم بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، والتوصل إلى اتفاق غير مشروط لوقف إطلاق النار بدءًا من الساعة الثانية فجر اليوم الجمعة 21 مايو. وهذه الهدنة جاءت بعد اتصالات مكثفة بين مصر ورام الله وغزة وتل أبيب، وأيضًا محادثات مكثفة مع الأمم المتحدة والجانب الأمريكي. فأعلنت الحكومة الإسرائيلية في بيان لها أمس الخميس قبول المقترح المصري لوقف إطلاق النار من الطرفين وبدون أية شروط. وأكد كلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي الالتزام بوقف إطلاق النار 

وبعد نجاح المساعي المصرية في التوصل لصيغة تهدئة للصراع القائم بين إسرائيل وقطاع غزة تواصل الرئيس الأمريكي جو بايدن مع الرئيس عبد الفتاح السيسي لتثمين جهود مصر ودورها المحوري والتاريخي تجاه القضية الفلسطينية، وعلاقاتها الفعالة مع كافة الأطراف، وتحركاتها الهادفة إلى إرساء السلام العادل والشامل في المنطقة، والتوصل إلى صيغة تهدئة دائمة ببنود محددة سيتم العمل عليها الفترة المقبلة. مع إطلاق جهد جماعي دولي يهدف إلى إعادة إطلاق مسار المفاوضات بين الجانبين لتحقيق السلام المنشود وفق المرجعيات الدولية. وقامت القاهرة بإيفاد وفدين أمنيين إلى تل أبيب وقطاع غزة؛ لمتابعة إجراءات التنفيذ، والاتفاق على الإجراءات اللاحقة التي من شأنها الحفاظ على استقرار الأوضاع بصورة دائمة.

وبعد أن تمت التهدئة وتعهد كلا الجانبين بالالتزام بها، نلقى الضوء في هذا التقرير على بداية الصراع والتصعيد بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، ونتائج هذا الصراع، وأيضًا مآلات هذا الصراع ومن الرابح من الصراع في ظل الأزمة الأخيرة.

شرارة التصعيد

https://images.theconversation.com/files/400877/original/file-20210516-13-4y8fjy.jpg?ixlib=rb-1.1.0&q=45&auto=format&w=754&fit=clip

كان استمرار إسرائيل في البناء الاستفزازي للمستوطنات في الضفة الغربية، والإهانات اليومية التي تلحقها بالسكان الفلسطينيين المحرومين من حقوقهم في القدس الشرقية، تسهم في إحباط وغضب هائلين بين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال.

وكانت الهجمات الإسرائيلية على غزة انطلقت منذ الاثنين الماضي، بعد أن أطلقت حماس صواريخ من القطاع باتجاه إسرائيل، على خلفية قضية حي الشيخ جراح ذي الأغلبية الفلسطينية في القدس الشرقية، حيث أمرت الحكومة الإسرائيلية عددًا من العائلات الفلسطينية بمغادرة منازلهم، بعد حكم قضائي بأن العائلات اليهودية لديها مطالبة تاريخية بالممتلكات. وسماح القانون الإسرائيلي لليهود باستعادة الممتلكات التي فقدوها في حرب عام 1948، لكنه يمنع الفلسطينيين “بمن فيهم المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل” من استعادة الممتلكات التي فقدوها في الحرب نفسها. فأدى القرار المثير للجدل إلى أيام من الاحتجاجات التضامنية من قبل الفلسطينيين في القدس الشرقية واشتباكات مع الشرطة واليهود الإسرائيليين في الأحياء المجاورة. 

ووقعت اشتباكات عدة بين فلسطينيي الداخل “عرب 48” ويهود في بلدات عدة مختلطة يقطنها مزيج من اليهود وفلسطينيي الداخل، الذين يشكلون 21 بالمئة من السكان. وفي غضون ذلك داهمت شرطة الاحتلال، يوم الاثنين، المسجد الأقصى وأطلقت الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية على فلسطينيين رشقوا بالحجارة. وأثار اقتحام الأقصى غضب الكثيرين.

وعلى إثر ذلك، لم تصمت الفصائل الفلسطينية وأطلقت حركتا حماس والجهاد الإسلامي وابلًا من الصواريخ من قطاع غزة تجاه إسرائيل لأول مرة منذ سنوات عديدة، مما أدى إلى إجهاد منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية القبة الحديدية. وردت إسرائيل بقصف هائل على غزة. وفي غضون ذلك تدفق الفلسطينيون في إسرائيل إلى الشوارع في عرض حاشد غير مألوف للاضطرابات المدنية.

نتائج عدوان إسرائيل على قطاع غزة

583 شهيدا و 3640 جريحاً حصيلة العدوان على غزة
  • عدد الضحايا:

وفقًا لوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية فإن العدوان الإسرائيلي في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، أسفر عن اســــتشهاد 241 مواطنا بينهم 67 طفلا، وإصابة 7802؛ من بين الشهداء 219 في قطاع غزة، بينهم 63 طفلاً و36 سيدة و1530 جريحًا. وفي الضفة 26 شهيدا، بينهم 4 أطفال و5164 جريحًا، وفي القدس شهيد واحد، و1108 إصابات. وتتنوع الإصابات ما بين رصاص حي، ورصاص معدني مغلف بالمطاط، واختناق جراء استنشاق غاز مسيل للدموع، وإصابات جراء الضرب والسقوط. بينما قالت السلطات الإسرائيلية إن 12 شخصًا قتلوا في إسرائيل.

  • استهداف البنية التحتية:

استهدفت إسرائيل بشكل مكثف وغير مسبوق في اليوم الثامن من المواجهة البنية التحتية في قطاع غزة؛ مدمرة شوارع وسيارات وخطوط كهرباء ومصانع اقتصادية وخطوط غاز، ومؤسسات حكومية من مطارات وقواعد جوية، مما زاد من مأساة الغزيين. وهذا الاستهداف يأتي ضمن سياسة الاحتلال في تدمير مقومات الحياة في غزة، والتي تعد جريمة حرب خطيرة تُضاف إلى سجل جرائم الاحتلال. وكذلك، استهدف الاحتلال المرافق المائية بشكل مباشر وغير مباشر، وتعمد تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

https://images.theconversation.com/files/400879/original/file-20210516-17-s1xzeh.jpg?ixlib=rb-1.1.0&q=45&auto=format&w=754&fit=clip

وقد قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن قرابة 450 مبنى في قطاع غزة دمر أو تعرض لأضرار بالغة، بما في ذلك ستة مستشفيات وتسعة مراكز للرعاية الصحية الأولية. وقالت منظمة الصحة العالمية إنها تحتاج 7 ملايين دولار لتمويل الاحتياجات الصحية الطارئة في الأراضي الفلسطينية. وتضررت أيضًا 1800 وحدة سكنية بشكل كامل جراء القصف الإسرائيلي، الأمر الذي رصدته منظمة العفو الدولية، واصفة قصف إسرائيل لمنازل المدنيين بأنه جرائم ضد الإنسانية وترقى لجرائم الحرب. 

  • عدد الصواريخ: 

ووفقًا لتصريحات إسرائيلية فإن أكثر من 4000 صاروخ أطلق عليها من غزة، بعضها استهدف إسرائيل، في حين أسقط البعض الآخر بدفاعات القبة الحديدية الجوية.

وعن الخسائر التي لحقت بحركة حماس فبحسب موقع “The Intel Lab” فإن حصيلة الضربات على حماس والأهداف في غزة حتى يوم 18 مايو تشمل التحقق من صحة عدد 813 تأثيرًا بصريًا منذ 10 مايو وتشمل قصف قاذفات، وأنفاق، ومخازن ذخيرة، ومقرات، وبنايات لحماس ومنازل كبار النشطاء لديها.

تداعيات المكسب والخسارة

إذا ألقينا الضوء على تحليل التصعيد الأخير بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني نجد أنه على الرغم من أن أعداد الضحايا على الجانب الفلسطيني أكبر وأضخم، ولكن الجانب الإسرائيلي أيضًا تكبد خسائر سياسية ودبلوماسية، فهجماته على قطاع غزة تسببت في مزيد من الأضرار لعلاقات إسرائيل بالولايات المتحدة وفي تمزق النسيج الاجتماعي الإسرائيلي المتكون من عرب ويهود.

  • بالنسبة للجانب الفلسطيني:

إن حقيقة أن حماس أطلقت أكثر من 4000 صاروخ وذخائر أخرى على إسرائيل بحلول منتصف مايو لا تدل فقط على خطورة التهديد الذي تمثله لإسرائيل والحافز الذي تخلقه لرد انتقامي أكثر خطورة وشكل من أشكال القصف الاستراتيجي، وإنما تعمل أيضًا كحافز لإيران والدول الأخرى المعادية لإسرائيل لدعم حماس بمزيد من الأسلحة والأموال.

وقد أصبح الموقف المؤيد للفلسطينيين أكثر شيوعًا في جميع أنحاء الولايات المتحدة؛ إذ ألقى أعضاء تقدميون بارزون في الكونجرس خطابات حماسية دفاعًا عن الفلسطينيين في قاعة مجلس النواب. ويعطي الصراع الأخير رسالة لإسرائيل وداعميها بأنه إذا وجد لديهم ظن بوجود تراجع تدريجي عن القضية الفلسطينية فإنه ظن خاطئ بعدما أثبت الصراع الأخير دعم حقوق الفلسطينيين. وأثبت موقف جميع الدول العربية وعلى رأسها المساعي التاريخية للدولة المصرية أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن يتم وضعها في الخلف، وأنها مازالت حية ولم يعد من الممكن تجاهلها.

  • بالنسبة للجانب الإسرائيلي:

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ألا يتوقف العمل العسكري والعدوان على غزة لأنه سيستفيد من الصراع الطويل؛ فعندما بدأ الصراع كان على وشك الإطاحة به من منصبه من خلال تحالف انضم إلى الأحزاب اليمينية اليهودية والعربية في إسرائيل. معللًا عدم التوقف بأنه “لتقويض قدرات حماس، وقصف قيادة حماس وإجبارها على الخضوع”. ولكن استمرار نهجه في العدوان وارتكاب جرائم حرب ضد الانسانية قلل من التعاطف الدولي مع الإجراءات المتطرفة التي تستخدمها إسرائيل.

وأدى الصراع الأخير إلى تمزق النسيج الاجتماعي لإسرائيل، وتعاطف العديد من اليهود في أمريكا ودعمهم للقضية الفلسطينية، وأدى إلى أزمة هوية بين الشباب اليهود الذين شاهدوا بعض حلفائهم وأصدقائهم في دول العالم ينشرون على وسائل التواصل الاجتماعي دعمهم الواضح للفلسطينيين، ويقارنوا إسرائيل بألمانيا النازية، وامتلاء وسائل التواصل الاجتماعي بالصور والشعارات و”الهشتاجات” المؤيدة للفلسطينيين طوال الأسبوع الماضي.

مجمل القول إن العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة أعاد إحياء القضية الفلسطينية، وخلق تفاعلًا عالميًا على وسائل التواصل الاجتماعي ضد إسرائيل، وأجبر الحكومات الأوروبية أن تتفاعل بشكل أكثر استباقية لوضع حل جذري شامل وعادل. علاوة على أن التوصل إلى وقف لإطلاق النار بجهود مصرية دؤوبة يثبت يومًا تلو الآخر بأن لمصر الريادة في تغيير مجريات الأمور، وأنها الرقم الصحيح في التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، ولها القدرة والفاعلية على التأثير على الفاعلين وداعميهم دوليًا وعربيًا. وقادرة على نسج وتجميع خيوط للوصول لحلول للقضايا الشائكة في الشرق الأوسط وشرق المتوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى