الاقتصاد الدولي

من سيملأ حذاء الصين الخالي؟

على مدار السبعين عامًا الماضية، قام العديد من البلدان بالتخصص في الصناعات كثيفة العمالة لتصبح أحد مراكز التصدير والتصنيع القوية في العصر الحالي. بداية من اليابان، ثم دول نمور شرق آسيا، وأخيرا تبعت الصين هذا المسار الذي أفضي بها إلى أن تدخل ضمن مصاف الدول ذات مستويات الدخل العالية.

ازدهار الصناعة الصينية

البداية في عام 1992، عندما وسع دونج شياو بينغ عملية الإصلاح والانفتاح الاقتصادي لتعتمد البلاد على التنمية المدفوعة من خلال التوسع في سوق التصدير، كانت عمليات الإنتاج الأولى تتم في مصانع مملوكة لشركات متعددة الجنسيات، والتي ازدهرت في البداية في مناطق إنتاج خاصة بمدن الساحل الشرقي للبلاد (قرب موانئ التصدير)، قبل أن تتوسع في عمليات الإنتاج في أماكن أخري بالبلاد.

كان احتضان البلاد لعمليات التصنيع محاولة واعية من الحكومة الصينية لمحاكاة نجاح اليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية في العقود السابقة؛ فقد كان رئيس الوزراء السنغافوري “لي كوان يو” مستشارًا غير رسمي لدنغ أثناء قيامه بصياغة استراتيجيته الإصلاحية. سمحت عملية الإصلاح تلك للشركات الأجنبية بالاستثمار في الدولة واستيراد الآلات والتكنولوجيا الأجنبية، وتم إنشاء نظام قانوني تجاري أكثر ملاءمة للسوق للشركات العاملة في مناطق المشاريع الخاصة، وتوحيد واغلاق المؤسسات الصغيرة غير الفعالة المملوكة للدولة، وخفض حواجز الاستيراد، وتخفيف القيود المفروضة على الهجرة الداخلية المتجسد في نظام تسجيل ” هوكو “.

قامت الحكومة الصينية بعد الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في 2001 بإزالة الحواجز أمام التصدير، وخفض التعريفات الجمركية على الواردات. كل تلك الإصلاحات تمت خلال فترة تقل عن 12 سنة، وساهمت في تحويل الصين إلى مصنع العالم إذ ارتفعت حصتها من سوق الصادرات من 2.8% في عام 1990 إلى 6.8% في عام 2000، ثم إلى 18.5% في عام 2015 (ذروة حصية الصين من سوق التصدير العالمي). وتسببت تلك الزيادة الصينية في فقدان الوظائف في العديد من أماكن التصنيع الأخرى بالعالم في الدول التي تتنافس مع الصادرات الصينية، واتجاه الدول إلى الاعتماد على الصادرات المتخصصة مثل الصادرات الزراعية والتعدين والمواد الخام، وساهمت في زيادة الاختلالات العالمية فيما يتعلق بالفوائض التجارية الهائلة التي حققتها الصين.

آثار الإصلاح

ساهمت التعريفات الجمركية المنخفضة على استيراد المواد الخام في الصين في إتاحة إمكانية أكبر لوصول الشركات إلى تكلفة أقل لمدخلات الإنتاج المستوردة، ومن ثم عزز ذلك من قدرتها على المنافسة بشكل أكبر في سوق التصدير. بحلول الثمانينات منح العديد من البلدان ذات الدخل المرتفع (بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية) الصين حق الدولة الأولى بالرعاية، وسمحت لها بالوصول إلى أسواقها حتى قبل انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، بانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في مطلع الـ 2000 إثر التخفيض الذي فرضته تلك المنظمة في تعريفات الاستيراد على كل من إنتاجية الشركة وعلامات السعر والتكلفة، ساهم ذلك في زيادة الإنتاجية الكلية للبلاد بمتوسط سنوي بلغ 2% خلال الفترة بين 1998 و2007، مقابل نمو في الإنتاج بنسبة 1.1% سنويا خلال الفترة بين 2007-2013.

بالنظر إلى تحليل أسباب نمو الصادرات الصينية خلال الفترة من 1990-2005 فإن الباحثين يعزون 15.6% في النمو إلى التخفيضات في التعريفات الجمركية  التي فرضتها الصين على الواردات من المواد الخام المستخدمة في التصنيع؛ 8.4% من النمو يعود إلى تخفيضات التعريفات الجمركية للدول الأجنبية على الواردات من الصين، و6.7% من النمو يعود إلى السماح للصين بالهجرة الداخلية وهو ما ساهم في توفير احتياجات المصانع من الأيدي العاملة، أما 69.4% المتبقين من أسباب نمو الصادرات فتعود إلى نمو الإنتاجية بالصين والذي يمكن نسب جزء منه إلى سياسات إصلاح التجارة الداخلية التي روجت للتجارة وشجعت المصنعين على تحسين الإنتاجية.

فترة الهبوط

بعد العام 2010 توقف ازدهار الصادرات الصناعية الصينية فعليًا؛ إذ إن تلك الصادرات التي كانت تنمو بنسبة 8.3% سنويا خلال الفترة بين 1991 – 2010، سجلت نموًا بنسبة 0.7 نقطة مئوية سنويا خلال الفترة بين 2010 و2016. على الرغم من أن حصة الصين من السوق العالمية في التصنيع لم تنخفض كثيرًا -إلا النمو في تلك الصناعات لم يعد مثل السابق- فنمو الصين في الصناعات كثيفة العمالة (الملابس والأحذية والسلع المنزلية والمنسوجات) أصبح أقل من الفترات السابقة. هذا فضلا عن أن الصين تنظر إلى الدول التي سبقتها من النمور الآسيوية (هونج كونج، سنغافورة، كوريا الجنوبية، تايوان) والتي كانت تتخصص في تلك الصناعات كثيفة العمالة في السبعينيات والثمانينيات، ثم انتقلت لاحقًا إلى عمليات التصنيع كثيفة رأس المال والأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا كمثال لمستقبل الصين. 

ومن ثم فإن خطة الصين حاليًا هي الخروج من كونها المصنع العالمي للصناعات الكثيفة إلى أن تكون مختبر العالم (المركز العالمي لأبحاث التطوير)، ويتضح ذلك جليًا من خلال إطلاق مبادرة صنع في الصين في 2015 والتي ركزت سياساتها الصناعية على التكنولوجيا والصناعات كثيفة رأس المال، والصناعات التكنولوجيا الفائقة، والخدمات التي تدعم الذكاء الاصطناعي وغيرها من الأنشطة كثيفة الابتكار، ومن ثم فإن ذلك التوجه سيخلق فرصة أمام الدول الأخرى لملء الفجوة التي ستتركها الصين في التصنيع كثيف العمالة، خاصة في البلدان التي تتمتع بالميزة النسبية التي كانت تتمتع بها الصين سابقا وتغيرات في الآونة الأخيرة (صغر سن السكان، ووجود قوة بشرية كبيرة).

بالنظر إلى الدول التي تتمتع بتلك الميزات النسبية نجد أنها دول جنوب شرق أسيا مثل (بنغلاديش والهند وباكستان وسريلانكا، كمبوديا وإندونيسيا وميانمار وفيتنام)، وبلدان شرق أوروبا والبحر الأبيض المتوسط (المغرب وتونس ومصر وبلغاريا وبولندا ورومانيا وتركيا) ومن ثم فهي دول مستهدف أن تكون بديل للصين في المستقبل في مجال الصناعات كثيفة الاعتماد على العمالة.

آليات التكيف المحتملة

ليس بالضرورة أن تتخلى الصين عن مكانتها العالمية في مجال الصناعات كثيفة العمالة (خيوط وأقمشة نسجيه، تجهيزات وتركيبات الصرف الصحي والسباكة والتدفئة والإنارة، الأثاث، سلع السفر وحقائب اليد والحاويات المماثلة، مصنوعات من الملابس وملحقاتها، الأحذية، الدراجات والدراجات البخارية، منتجات المواد البلاستيكية، العاب الأطفال والمنتجات الرياضية، اللوازم المكتبية) خاصة وأن تلك الصادرات تشكل نسبة 9.5% من التجارة العالمية في عام 2005. 

مثلت حصة الصين من تلك الصادرات نسبة 39.2% في عام 2013، انخفضت إلى 31.6% في عام 2018. ومن ثم ونظرًا لمكانة الصين الكبيرة في تلك الصناعات، فتوجد العديد من الآليات أمام الصين للتكيف والاحتفاظ بتلك الصناعة وعدم نقلها للخارج.

أولًا: هو أن تقوم الصين أو البلدان الأخرى بتطوير تكنولوجيا جديدة يجعل من تلك القطاعات الإنتاجية قطاعات أقل كثافة للعمالة ومن ثم يسمح ذلك للإبقاء على عمليات الإنتاج بالصين وربما التوسع فيها في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع من خلال أتمتة عمليات الإنتاج، خاصة وأن معظم قطاعات التصنيع تتجه لتكون أكثر كثافة ومن ثم تكون الصين قادرة على استبدال العمالة برأس المال، وتظل حيوية في القطاعات كثيفة العمالة بمرور الوقت.  لكن صعوبة ذلك الأمر أن قطاعات المنتجات كثيفة العمالة مقاومة لعمليات الأتمتة، ويرجع ذلك جزئيا إلى الهندسة المعقدة للنسيج المرن والمواد الأخرى المستخدمة في الملابس والمنسوجات والسلع ذات الصلة. 

ثانيا: إعادة التخصيص المكاني للتصنيع كثيف العمالة داخل الصين بحيث يتم نقلها من المدن الساحلية المكلفة والمكتظة بالسكان إلى المناطق الداخلية الأرخص والأقل كثافة سكانية. تلك العملية ليست بالجديدة في تاريخ البشرية فقد سبق أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بأمر مشابه بعد الحرب العالمية الثانية مدفوعة بالتوسع في إنشاء الطرق السريعة بين الولايات، وظهور تكنولوجيا النقل بالحاويات. تعكف الصين حاليًا على توسيع شبكة الطرق السريعة بها والسكك الحديدية الوطنية بشكل كبير وهو ما يدفع إلى تسهيل تلك التغيرات. 

وثالثا: يمكن للصين أن تسمح بزيادة هجرة العمالة الأقل تعليمًا خارج أرضها، ومن ثم تمكين المصانع من استبدال بالعرض المتضائل من المجاهرين الجدد من الريف إلى المدن العمالة الأجنبية الأكثر مهارة، لكن حتى الآن تقاوم الحكومة الصينية ذلك التوسع الكبير في الهجرة.

نخلص من التحليل السابق أنه على مدار الثلاثين عامًا الماضية، شكل وجود الصين في مجال التصنيع، واعتمادها على استراتيجية تقليدية للتنمية قائمة على التصنيع بغرض التصدير عائقًا كبيرًا أمام العديد من البلدان الأخرى التي كانت ترغب في المنافسة، خاصة مع استمرار الصين في خفض أسعار المنتجات بغرض استحواذها على حصة سوقية أكبر في سوق التصدير.

في العصر الحالي فإن تلك الأوضاع تتغير تدريجيًا، خاصة مع تغير الملامح الديمغرافية لدولة الصين من حيث السكان الذين أصبحوا أكثر تعليمًا وأكبر سنًا، وتباطؤ معدلات الهجرة من الريف والحضر، مع ارتفاع متوسط الدخل لسكان الريف، فإن البلاد تواجه تحديات خاصة في المجال الذي حظيت فيه بميزة نسبية سابقًا وهو مجال الصناعات كثيفة العمالة. فقد ساهمت قوى السوق (التنوع وزيادة التطور التكنولوجي لصادرات الصين) وتدخل الدولة من جانب آخر إلى زيادة التحول في التخصيص العالمي. 

ومن ثم فإن الصين تواجه ثلاثة بدائل أساسية للتخلص من صناعاتها كثيفة العمالة، إما من خلال نقلها للدول الناشئة الأخرى والجديدة في ذلك المجال، أو محاولة أتمتة تلك الصناعات كثيفة العمالة والاعتماد على تكنولوجيا جديدة ومن ثم الاحتفاظ بتلك الصناعات في الصين، أو نقل عمليات التصنيع كثيفة العمالة داخليا في الصين، ومن ثم فإن الإجابة على تساؤل من سيملأ حذاء الصين لايزال يمثل لغزا.

References:

  1. Acemoglu, D. and P. Restrepo. 2020. “Robots and Jobs: Evidence from US Labor Markets,” Journal of Political Economy, vol. 128, no. 6, pp. 2188-2244.
  2. Amiti, M. and J. Konings. 2007. “Trade Liberalization, Intermediate Inputs, and Productivity: Evidence from Indonesia,” American Economic Review, vol. 97, no. 5, pp. 1611-1638.
  3. Brandt, L. and K. Lim. 2020. Accounting for Chinese Exports. Working paper, no. 680. University of Toronto, Department of Economics.
  4. Costa, F., Garred, J. and J. P. Pessoa. 2016. “Winners and Losers from a Commodities-forManufactures Trade Boom,” Journal of International Economics, vol. 102, pp. 50-69.
  5. Fajgelbaum, P. D. and C. Gaubert. 2020. “Optimal Spatial Policies, Geography, and Sorting,” Quarterly Journal of Economics, vol. 135, no. 2, pp. 959-1036.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى