القضية الفلسطينية

في “كابيتول هيل”: الديمقراطيون يضغطون لدعم الفلسطينيين وإدارة بايدن لا ترى

خلال السنوات القليلة الماضية بدا أن أعضاء الحزب الديمقراطي  أكثر جرأة  وانتقادا للسياسات الأمريكية تجاه إسرائيل مظهرين القدرة على نقد إسرائيل والحديث عن حقوق الفلسطينيين وهو الأمر الذي لم يكن كذلك في سابق العهد.

 الأزمة الأخيرة في القدس وما تبعها من أحداث وقصف صاروخي متبادل بين غزة وتل أبيب والعنف الإسرائيلي الصارخ تجاه اهلي القدس أدى لتحول عميق في وجهات النظر لدى عدد من أعضاء الكونجرس الأمريكي في الحزبين بالأخص في المعسكر الديمقراطي وهو ما ترجم مطلع هذا الأسبوع  في شكل خطاب وقع عليها 28  عضوا ديمقراطيا  بالكونجرس مطالبين الرئيس بايدن بضرورة وقف إطلاق النار الذي أسفر عن سقوط أكثر من 200 فلسطيني نصفهم  من الأطفال والنساء ما يقرب من 10 إسرائيليين.

يجد الرئيس الأمريكي جو بايدن نفسه في معضلة حقيقية  بسبب الموقف الراهن فهو من جهة لا يمكنه التخلي عن دعم إسرائيل الحليف الوثيق والأبدي للولايات المتحدة كما لا يمكنه البقاء ساكناً أمام العنف السافر والمستمر على أهالي فلسطين وبالأخص مواطني قطاع غزة.

 فقد وعد  بايدن خلال برنامجه الانتخابي بأن تكون مسألة حقوق الإنسان في قلب سياساته بل ستكون محدداً لشكل العلاقات والسياسات الخارجية الأمريكية مع دول العالم، ما زاد الطين بله وصعب التحرك أكثر على بايدن هو انقسام أعضاء الكونجرس بين داعم لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وبين منتقد لانتهاكها  لحقوق الإنسان ، هذا الموقف الذي أتخذه عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي له دلالات وأسباب عدة كما أنه بالتأكيد سيؤثر على التحرك الأمريكي تجاه الأزمة وتجاه إيجاد حل شامل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، وهو ما يتوجب منا الغوص في تفاصيل هذا الموقف ومقارنته بموقف الكونجرس من أحداث سابقة على الأراضي الفلسطينية لاستشفاف حقيقة الموقف الداخلي الأمريكي ( الجديد ) من النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

في مقال لها بعنوان ” الديمقراطيون يزيدون التشكيك في إسرائيل والضغط على بايدن” قالت ” نيويورك تايمز” أن بيان الرئيس بايدن يوم الإثنين الماضي صيغ بعناية لدعم وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين وسط ضغوط متزايدة داخل حزبه من أجل أن تتخذ الولايات المتحدة موقف أكثر تشككاً من أقرب حلفائها .

 وتضيف ” نيويورك تايمز” أن البيان الأخير جاء في أعقاب نداءات المشرعين الديمقراطيين للتحدث بعزم ضد تصاعد العنف المستمر.

وأوضحت  الصحيفة أن البيان جاء انعكاسا لتغير موقف المشرعين الديمقراطيين الذين طالما كرروا دعمهم لمقولة ” لدى إسرائيل حق الدفاع عن النفس” خلال الاشتباكات السابقة بين الطرفين، دعم الديمقراطيين لوقف العنف وللضغط على أسرائيل بعد أحداث الأسبوع الماضي بدأ من خلال الجناح التقدمي بالحزب الديمقراطي  في مجلس النواب ، فقد قامت النائبة عن ولاية نيويورك ألكساندرا أوكاسيو كورتيز بلفت الانتباه للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من قبل السلطات الإسرائيلية.

وكدليل على التغير الدراماتيكي في المواقف مؤخراً فقد قام النائب عن نيويورك جورجي ميكس  رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب  وهو أحد أبرز داعمي إسرائيل فيه ،كما أنه عضو في ” إيباك” اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة بالتصريح أمام زملائه في جلسة يوم الإثنين الماضي أنه سيطالب إدارة الرئيس بايدن تأجيل شريحة ال735 مليون دولار من الأسلحة الموجهة لإسرائيل والتي تم الموافقة عليها من قبل المشرعين قبل انفجار الوضع.

وتشير الصحف الأمريكية إلى أن تحرك النائب جورجي ميكس وعقده لاجتماع طارئ للجنة العلاقات الخارجية للتباحث حول أمر تأجيل شحنة الأسلحة الأمريكية لإسرائيل ، جاء بعد تعالي الأصوات القلقة من إرسال الولايات المتحدة أسلحة لإسرائيل في الوقت الذي تقوم فيه بتفجير واستهداف المدنيين والابنية السكنية التي كان أحدها مقراً لوكالة ” أسوشيتد برس” الأمريكية قبل أن يتحول لأنقاض.

هذا التحرك من النواب الديمقراطيين بالأخص من الجناح التقدمي بالحزب سواء بعقد اجتماعات أو بالضغط على الإدارة الأمريكية لتبني موقف أكثر صرامة مع إسرائيل ، وجد رد فعل سريع من الحزب الجمهوري كما تجمع ” إيباك” حيث حذرا من أي تراجع في الالتزام الأمريكي بدعم إسرائيل ، كما قام النائب جيرولد نادلير من نيويورك والذي يمثل اكبر المقاطعات ذات الغالبية اليهودية في الولاية بتقديم خطاب موقع من 12 نائب لدعم الموقف الإسرائيلي ، كما ووفقاً لما نشرته ” نيويورك تايمز” فقد عمل تجمع ” إيباك” خلف الكواليس لمنع النواب من التوقيع على العريضة ذات الموقف المعارض لإسرائيل كما عدم دعم أو تبني الساسة الأمريكيين للموقف الفلسطيني.

بدوره قام السيناتور الجمهوري عن ولاية كنتاكي والمعروف بدعمه الدائم لإسرائيل ميتش ماكونيل بانتقاد النائبة ألكساندرا أوكاسيو كورتيز التي كانت من أوائل من تعالت أصواتهم دفاعا عن حقوق الفلسطينيين بسبب وصفها لإسرائيل بأنها ” دولة فصل عنصري ” وطالب الرئيس الأمريكي بايدن ” بعدم ترك مجال للشك حول الموقف الأمريكي من دعم حليفها ” 

ويرى المحللون الأمريكيون أن الحزب الجمهوري يحاول استغلال انجراف الجانب التقدمي من الحزب الديمقراطي لدعم حقوق الفلسطينيين وانتقاد الممارسات الإسرائيلية سياسياً، حيث تحاول قيادات الحزب الجمهوري  من خلال التصريحات تبني موقف أكثر دعماً لإسرائيل مع الاعتراف بضرورة وقف إطلاق النار ( وهو ذات الموقف لدى الديمقراطيين) لاستمالة المصوتين اليهود نحو الحزب الجمهوري ، على سبيل المثال المرشح الأبرز في لانتخابات على منصب عمدة مدينة نيويورك اندرو يانغ اعلن علناً دعمه للموقف الإسرائيلي في النزاع في بيان أصدره الأسبوع الماضي وهو ما وضعه في مرمى الانتقاد وتسبب له في إلغاء فاعلية تتعلق بتوزيع منتجات غذائية على مسلمي المدينة بمناسبة عيد الفطر ، النائبة عن نيويورك وأول من دعم الفلسطينيين في الأحداث الأخيرة ألكساندرا اكاسيو كورتيز انتقدت يانغ حيث قالت على صفحتها على موقع تويتر ” من المخجل جداً ليانغ أن يحاول الظهور في فاعلية تتعلق بعيد الفطر حتى بعد دعمه الغريب لضربة جوية أدت لمقتل 9 أطفال ” 

أما عن أسباب التحول في الموقف لدى نواب الحزب الديمقراطي فعلينا العودة للوراء سبعة أعوام عندما كان النقاش محتدماً في الكونجرس حول الاتفاق النووي الإيراني ، في تلك الأثناء قام رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بجهود حثيثة لقتل الاتفاق عن طريق إقحام نفسه في الساحة الداخلية الأمريكية ، مصوراً أن دعم الاتفاق النووي هو خيانة لإسرائيل مما أدى لانقسام بين الجمهوريين والديمقراطيين حول هذه القضية تحديداً وحول التدخل الإسرائيلي في السياسة الأمريكية والذي أغضب الديمقراطيون وانعكس على موقفهم.

سبب أخر للتحول في موقف الديمقراطيين هو الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والذي اعطى لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كل ما كان يشتهيه ، بما في ذلك الإعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان ، نقلة السفارة الأمريكية للقدس، خطة سلام ( صفقة القرن) لتلبي كل رغبات نتنياهو ، كما قام ترامب بإغلاق المكتب السياسي لفلسطين بواشنطن ووقف المساعدات لأهالي للضفة الغربية وقطاع غزة وقطع العلاقات مع المسؤولين الفلسطينيين ، ونتيجة لذلك تحولت إسرائيل من تلقي دعم واسع النطاق من الحزبين إلى التخوف من أفعالها على أسس حزبية ، أي كما قالت الرئيس التنفيذي للمجلس الديمقراطي اليهودي الأمريكي هالي سويفر ” أن دونالد ترامب قام ( بتسيس ) الدعم الأمريكي لإسرائيل” ، وهو ما أنعكس على مواقف الحزبين واعضائهما بعد انتهاء حقبته.

بالإضافة للسببين السابقين فإن الفهم الأعمق لدى الناخب الديمقراطي لقضايا مثل التميز العرقي الممنهج وعنف الشرطة والهجرة وغيرها من القضايا الجدلية المتعلقة بحقوق الإنسان في السنوات الأخيرة أنعكس على فهمهم ونظرتهم للصراع القائم في الشرق الأوسط والعنف الناتج عنه.

 في مارس الماضي أظهر استطلاع للرأي من معهد ” جالوب” أن ما نسبته 53% من الديمقراطيين يفضلون فرض ضغط أكبر على إسرائيل لإنهاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وهي قفزة ب عشر درجات في المئة عن ذات الاستطلاع في العام 2018 وبعشرين درجة في المئة عن استطلاع 2008 وهو ما يوضح أن التيار اللبرالي في الحزب الديمقراطي أضحى أقل تعاطفاً مع إسرائيل مقارنتاً بالسنوات السابقة وهو ما بالطبع أنعكس على صناع القرار داخل الحزب 

هل سيؤثر ذلك على سياسات بايدن وماذا سيفعل ؟؟

حتى الأن لم تقم أدارة بايدن بالكثير لحل الأزمة الحالية ، بل لم يقم بايدن بعكس أي من قرارات الرئيس السابق ترامب التي اتخذت ضد الفلسطينيين منذ وصوله للبيت الأبيض اللهم إلا إعادة الدعم للاجئين الفلسطينيين ، بل كان التحرك السياسي للولايات المتحدة هو بمنع صدور بيان عن مجلس الأمن بخصوص الأزمة كما مجموعة من الاتصالات المكثفة من قبل وزير الخارجية أنتوني بلينكن مع نظرائه من الدول المجاورة والمعنية لتعزيز جهود التهدئة.

 كما أن بايدن لم يقم حتى اللحظة باختيار مبعوث خاص للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولم يسمي بعد سفيره لإسرائيل ، هذه الشواهد تدلل على أن إدارة بايدن لا ترى أن التحرك السريع في الأزمة الحالية أولوية لها في الوقت الراهن والذي تنشغل في الإدارة الأمريكية بأمور أخرى أكثر تأثيراً على الداخل الأمريكي ، فبايدن لا يزال مشغولاً بجائحة كورونا ومجابهتها وهو يحتاج لمليارات الدولارات في سبيل ذلك وهو ما لن يتحصل عليه إلا بموافقة الكونجرس ، وإن هاجم بايدن إسرائيل في هذا التوقيت قد يخلق غضباً لدى النواب الجمهوريين الذي يحتاجهم في تصويت الكونجرس لتمرير مثل هذه القوانين.

نقطة أخرى تبرر تأخر التحرك الأمريكي هي أن إدارة بايدن  لاتزال تتفاوض على عودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي الإيراني وهو ما يتمنى بايدن أن يحدث بسلاسة وهو إتفاق تعارضه إسرائيل بشكل قاطع وقد تتخذ موقف أكثر صرامة من الاتفاق النووي وستحاول جاهد عرقلته حال قيام بايدن بانتقادها في الأزمة الحالية.

يبدو أن بايدن وإدارته سيراقبون المشهد عن كثب دون تدخل صريح إلا من خلال تحركات دبلوماسية لتعزيز التهدئة فالإدارة الحالية ليست على استعداد لتلقي الضربات الداخلية من الكونجرس ومن الجمهوريين بسبب دعم حقوق الفلسطينيين ‘ كما أن المصالح الإسرائيلية تلعب دوراً كبيراً في ” الصمت المقنع” للإدارة الأمريكية عن انتهاكاتها كما أنهم مشغولين بالمشهد الداخلي الأمريكي وليسوا مستعدين لأي ” انقسام إضافي” في الداخل بسبب قضايا خارجية 

بالإضافة للنقطتين السابقتين يبدو أن الإدارة الأمريكية الجديدة وصلت لشبه قناعة أنها بعيده عن لعب دور ” الوسيط الحاسم ”  في المشهد الفلسطيني الإسرائيلي الحالي وفقاً للتعبير الذي أستخدمه الخبير في معهد ” نيو أميركان ” للدراسات الأمنية المتخصص في الصراع العربي الفلسطيني إيان غولدينبرغ الذي غرد على منصة تويتر شارحاً لوجهة النظر السابقة قائلاً ” “من المهم أن نتذكر أنه على الرغم من أن للولايات المتحدة دورا مهما في إنهاء الصراع الحالي بين إسرائيل وحماس ، إلا أنها ليست الوسيط الحاسم لأنها لا تتعامل مع حماس، وهو درس تعلمته خلال وقتي في الولاية خلال حرب غزة الأخيرة”

“الوسطاء الرئيسيون في هذا الصراع والذين يتمتعون بنفوذ حقيقي مع حماس وعلاقة وثيقة مع الإسرائيليين هم المصريون، في نهاية المطاف ستنتهي هذه الجولة من العنف على الأرجح باتفاق في القاهرة”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى