القضية الفلسطينية

الحرب على غزة 2021.. الملامح والنتائج المتوقعة بعد وقف إطلاق النار

يتشابه ما يجري في قطاع غزة حاليًا من تصعيد عسكري إسرائيلي عنيف باستخدام القصف الجوي والبحري وما يخلفه ذلك من مئات الشهداء والمصابين مع ما أقدم عليه الاحتلال من قبل في حوادث متشابهة ومتكررة تقريبًا، بدءًا من عملية “الرصاص المصبوب” عام 2008 مرورًا بعملية “عمود السحاب” عام 2012، وصولًا إلى عملية “الجرف الصامد” عام 2014. إلا أن العدوان الإسرائيلي الحالي على القطاع والذي حمل اسم “حارس الأسوار” قد حمل عدة ملامح ومتغيرات قد تبدو جديدة عن العمليات التي سبقته، تتمدد هذه المتغيرات في كل جوانب التصعيد العسكري تقريبًا، بدءًا من دوافعه وشرارة انطلاقه، وصولًا إلى التأثيرات التي ستخلفها نتائجه على مستقبل القضية الفلسطينية ومستقبل المواجهة بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية. وهو ما يحاول هذا التقرير الوقوف عليه.

ملامح ومتغيرات

  • شرارة الانطلاق

كانت الدوافع الرئيسة للحروب الإسرائيلية السابقة على قطاع غزة هي الصواريخ التي تطلقها حركة حماس ردًا على السياسات الإسرائيلية المتمثلة في فرض الحصار وتضييق الخناق على قطاع غزة، وتهرب إسرائيل من الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقات برفع الحصار عن غزة؛ وهو النموذج الذي حدث في حرب 2008 برفض حركة حماس تمديد التهدئة التي تمت بينها وإسرائيل بوساطة مصرية (19يونيو 2008) والتي حُدد لها ستة أشهر انتهت (19ديسمبر 2008). وكذلك هو ما حدث في حرب 2012؛ إذ انطلقت (14 نوفمبر 2012) نتيجة عمليات نفذتها حماس ضد جنود إسرائيليين ردًا على الحصار المفروض على القطاع، تبعها هجمات إسرائيلية على المدنيين في غزة، واستهداف نائب القائد العام لكتائب عز الدين القسام أحمد الجعبري.

أما حرب 2014 التي كانت الأسباب المتعلقة بالحصار حاضرة فيها أيضًا، فإن التصعيد الحالي قد يكون امتدادًا وتطورًا لمتغير مهم كان سببًا في انطلاقها (8 يوليو 2014) وهو تفاعل الفصائل في غزة مع ما حدث في القدس، وخاصة تعذيب وحرق الطالب محمد أبو خضير في حي شعفاط بالقدس (2 يوليو 2014). وهو الأمر الذي تعزز في الحالة الراهنة؛ إذ انطلقت شرارة التصعيد نتيجة ما شهدته القدس المحتلة من تهجير قسري لأهالي حي الشيخ جراح، وانتهاكات المستوطنين المتواصلة بحق أهالي القدس والمسجد الأقصى واقتحام باحاته بحماية من قوات الاحتلال، حتى أسمت الفصائل هذه المعركة بـ”سيف القدس”.

فقد أكدت الفصائل الفلسطينية في التصعيد الحالي الوحدة الفلسطينية وأرست معادلة مفادها أن ما يحدث أو سيحدث في القدس أو الضفة الغربية سيتردد صداه وسيستوجب ردًا من قطاع غزة، وأن ثوابت القضية وأهمها القدس والمقدسات الإسلامية تظل جامعة لكل الفلسطينيين، سواء القابعين تحت الاحتلال، أو غيرهم. ومن ثم فإن حقيقة واضحة يشير لها التصعيد الحالي وهي أن المساعي الإسرائيلية طوال عقود لتقسيم المجتمع الفلسطيني وتكريس الانقسام لم تنجح، بل أن الفلسطينيين لم يكونوا بهذا الشكل من الاتحاد منذ سنوات طويلة ضد الاحتلال وممارساته القائمة على الفصل العنصري. وهي حقيقة لن يكون بمقدور إسرائيل تجاهلها مستقبلًا.

والثابت في كل هذه الوقائع هو الفشل المعلوماتي والاستخباري الإسرائيلي في فهم السياق الوطني لما يجري، وتوقع ما تؤول إليه الأحداث، والأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى تصعيد، والأثر الذي يمكن أن تُحدثه ممارسات الاحتلال في القدس على بقية البقاع.

  • اختلال معادلة الردع 

أظهر العدوان الإسرائيلي على الأراضي المحتلة التقدم الكبير في القدرات الصاروخية لحركة حماس على المستوى الكمي والنوعي، ويظهر ذلك بشكل جلي من خلال التصريحات الإعلامية للمتحدث باسم جيش الاحتلال بأن الصواريخ التي استهدفت إسرائيل خلال الفترة الماضية “هي الأكثر عددًا في تاريخها”، وظهرت القدرة الصاروخية لحركتي حماس والجهاد بشكل أكبر فاعلية من قبل، وخاصة على مستوى الكم.

وعند المقارنة بالعدوان الأخير في عام 2014 نجد أن فصائل المقاومة تمكنت من إطلاق نحو 4000 صاروخ خلال مدة العدوان الذي استمر 50 يومًا، وكانت أكبر حصيلة يومية للصواريخ التي تم إطلاقها حوالي 200 صاروخ في يوم واحد. بينما في العدوان الحالي تمكنت الفصائل من إطلاق أكثر من 4000 صاروخ حتى اليوم وخلال عشرة أيام فقط، وسجلت أعلى حصيلة يومية بـ 700 صاروخ. وأدى هذا التطور إلى انكشاف المنظومات الدفاعية الإسرائيلية بعدما وصلت الصواريخ الفلسطينية إلى مناطق لما تكن تصلها من قبل.

وتمتلك حركتا حماس والجهاد عدة طرازات من الصواريخ بمديات مختلفة مثال “القسام – القدس 101- سجيل 55″، ولكن اللافت في التطور الحالي ظهور صاروخ جديد أسمته كتائب القسام “عياش 250” نسبة لـ “يحيى عياش” أحد أبرز قادة الكتائب بمدى يصل إلى 250 كم واستهدفت به مطار رامون الذي يبعد عن قطاع غزة نحو 220 كم، هذا بالإضافة إلى متغير مهم وهو توسع بنك الأهداف الفلسطيني ليشمل القواعد الجوية الإسرائيلية إذ استهدفت الفصائل (18 مايو) 6 قواعد هي “حتسور”، و”حتسريم”، و”نيفاتيم”، و”تل نوف”، و”بلماخيم”، و”رامون”.

ولم يقتصر التطور النوعي الفلسطيني على القدرات الصاروخية فحسب، وإنما امتد إلى استخدام طائرات مسيّرة مفخخة من طراز (شهاب)، وطائرات مسيّرة أخرى للرصد والاستطلاع من طراز “الزواري”، وظهور سلاح “الغواصات الموجهة” هذا بجانب استخدام صواريخ كورنيت وقذائف الهاون. مما مكّن الفصائل من شن هجمات ناجحة ضد عدد من الأهداف الإسرائيلية كان أبرزها مصنع الكيماويات بمستوطنة “نير عوز”، وخط أنابيب نفط عسقلان-إيلات.

كشف التطور الواضح للفصائل الفلسطينية عن فشل استخباراتي وأمني إسرائيلي كبير أخل بمعادلة الردع، إذ تمكنت الفصائل من حشد ترسانة ضخمة من الصواريخ والعتاد العسكري بدعم مباشر من إيران، وهو ما أكده الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي “زياد نخالة” في تصريحات خلال مشاركته في مراسم إحياء الذكرى الأولى لمقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس السابق (1 يناير)، إذ أكد “نخالة” أن  كل الأسلحة الكلاسيكية والصواريخ بعيدة المدى وصلت إلى قطاع غزة عن طريق “سليماني”، وأن مخططات تصنيع الصواريخ أُرسلت إلى القطاع بعد التدريب عليها في إيران، وأن “سليماني” أرسل 10 سفن من السلاح إلى غزة. 

وعلى الرغم من تأكيد المخابرات الإسرائيلية أن الصواريخ الفلسطينية تفتقر إلى أنظمة التوجيه ويصل عددها إلى قرابة 30 ألف صاروخ وقذيفة، إلا أنها نجحت في إبقاء نحو 3 مليون إسرائيلي في الملاجئ المحصنة تحت الأرض بسبب زيادة قُطر دائرة الاستهداف الصاروخي، وهو ما يعد نجاحًا ومتغيرًا كبيرًا لصالح الفصائل. ولم تنجح الضربات العسكرية الإسرائيلية اليومية على القطاع والتي تجاوزت 600 ضربة حسبما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إيقاف الضربات الصاروخية أو التأثير على كثافتها. 

  • اضطراب إسرائيلي عام

تمثل حالة الاضطراب الإسرائيلية على المستويين السياسي والمجتمعي -فضلًا عن الاقتصادي- ملمحًا جوهريًا للحرب الحالية؛ إذ تندلع المواجهة الحالية وسط حالة غير مسبوقة من التصدع داخل المجتمع الإسرائيلي بشقيه من اليهود والفلسطينيين من عرب 48، اشتدت رحاها مع أحداث حي الشيخ جراح واقتحام المسجد الأقصى، وما أنتجه ذلك من صدامات عنيفة بين الفلسطينيين من جهة واليهود وقوات الاحتلال من جهة أخرى، وخاصة في مدن اللد وحيفا وعكا.

وتعد هذه المواجهات وكذلك الإضراب العام الذي اُعلن في الضفة الغربية ومدن إسرائيلية نتاجًا مباشرًا للسياسات العنصرية والتمييزية التي تتبعها إسرائيل بحق عرب 48، وتشكل هذه الأحداث في مجملها حائطًا منيعًا أمام الاستقرار المجتمعي في إسرائيل وتصدعًا عميقًا ومتجذرًا في جبهتها الداخلية؛ في ضوء أن فلسطينيي الداخل يمثلون نحو 20% من المجتمع الإسرائيلي، وكوّنوا رقمًا مهمًا في معادلة السياسة الإسرائيلية في الانتخابات المتوالية. وهو ما يؤكد الحقيقة السالف ذكرها حول وحدة الفلسطينيين داخل إسرائيل وخارجها، والتي تحاول إسرائيل تجاهلها.

Rivlin calls on Arab leaders to speak out against violence in Israeli towns  | The Times of Israel

ذلك تزامنًا مع حالة غير مسبوقة من الجمود في السياسة الإسرائيلية في ضوء الفشل في تشكيل ائتلاف حكومي بعد عقد أربعة انتخابات في ضوء عامين دون تحقيق أغلبية برلمانية، وفشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تشكيل ائتلاف حكومي، وتكليف زعيم المعارضة يائير لابيد (5 مايو) بتشكيل حكومة، وهي المهمة التي تبدو صعبة، وربما تقود إلى انتخابات تشريعية خامسة، وهو ما يزيد الأمور تعقيدًا.

  • تغير التفاعل العالمي

كانت ردود الفعل العالمية في كل الحروب السابقة ينصب معظمها في التأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها أمام الهجمات الصاروخية للفصائل الفلسطينية، وضرورة توقف هذه الهجمات كشرط للقبول بوقف إطلاق النار. أما التصعيد الجاري فقد شهد –إضافة إلى ردود الفعل العالمية التقليدية وخاصة من الولايات المتحدة- متغيرًا جديدًا في التعاطي العالمي، تمثل في أحد أوجهه الدعوة إلى ضرورة وقف الطرفين لإطلاق النار فورًا حسبما أكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، وإرسال واشنطن مبعوثًا إلى إسرائيل بعد يومين فقط من التصعيد لدعم جهود الوساطة المصرية، في حين أنه في حرب 2014 لم ترسل مبعوثًا إلى إسرائيل إلا بعد أن تحقق وقف إطلاق النار في اليوم الـ50 من الحرب. ومن ثم فإن الضغط الدولي المكثف على إسرائيل لوقف الحرب والذي يشمل أيضًا الداعم الأكبر لها الولايات المتحدة يمثل متغيرًا مهمًا ستكون له نتائجه المستقبلية.

متغير آخر قد جد في هذا التصعيد وهو إدانة ما تقوم به إسرائيل على كل المستويات، سواء الاستهداف المكثف للمدنيين واللاجئين والمؤسسات الإعلامية في غزة، أو الانتهاكات بحق المقدسيين وخاصة أهالي حي الشيخ جراح، أو العنف الذي يمارسه المستوطنون بحق الفلسطينيين في المدن المختلطة، وتوصيفه بأوصافه الحقيقية “الفصل العنصري”، وسعي نواب في الكونجرس الأمريكي إلى منع صفقة بيع أسلحة أمريكية دقيقة التوجيه إلى إسرائيل بقيمة 735 مليون دولار.

وهي تطورات جعلت إسرائيل هي التي تحاول إضفاء الشرعية على ما تقوم به، وإقناع المجتمع الدولي بأنها تدافع عن نفسها عن طريق التسويق المكثف للأضرار التي تلحقها الصواريخ في المدن والمستوطنات الإسرائيلية. وقد يرتبط هذا التغير في الاستجابة العالمية للحدث بالتحولات الكبرى على المستويين الإقليمي والدولي، وما تسهم فيه هذه المواجهة من رسم لقواعد جديدة للعبة بين القوى الدولية والإقليمية، وفي القلب منها معادلة أمريكا-إيران، خاصة مع وجود إدارة أمريكية جديدة.

  • الدور المصري

تحتل القضية الفلسطينية حجر الزاوية في السياسة الخارجية المصرية كأحد محددات الأمن القومي المصري، ودائمًا ما تلعب مصر دورًا محوريًا خلال أي مواجهة تحدث بين فلسطين وإسرائيل للوصول إلى هدنة ووقف إطلاق النار واتفاق تهدئة،  وتفاعلت مصر بشكل سريع مع التطورات في الأراضي المحتلة، إذ أصدرت الخارجية المصرية ثلاثة بيانات رسمية خلال الفترة من 7 – 10 مايو شددت خلالها على ضرورة احترام المقدسات الإسلامية ووقف كافة الممارسات التي تنتهك حرمة المسجد الأقصى، وتحميل السلطات الإسرائيلية مسؤولية التطورات التي ستؤدي إلى مزيد من الاحتقان والتصعيد. 

ومع بدء العدوان الحالي أكدت مصر في كلمتها أمام مجلس الأمن على أن العرب والمسلمين ضاقوا على مدى العقود الثلاثة الماضية مما بدا تغييباً وتسويفاً لا نهائياً لوعود وتعهدات دولية ذات طابع قانوني بالتفاوض الجاد حــول إنشاء دولة فلسطينية على الأراضي التي تم احتلالها عام 1967 والتي تشمل القدس الشرقية، وأن مشهد الصراع العسكري الحالي يهدد مستقبل السلام والاستقرار في المنطقة، داعية مجلس الأمن حثيثًا لأن يلتفت لهذا الوضع المتأزم، وأن يرتقي إلى حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه لإنهاء جولة الصراع الحالية، هذا بالإضافة إلى فتح معبر رفح والتوجيهات الرئاسية بتقديم كافة أوجه الدعم للأشقاء بقطاع غزة وختامًا بإعلان الرئاسة المصرية عن تقديم مبلغ 500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة ومشاركة الشركات المصرية في عملية إعادة الإعمار. 

قناة المملكة

الثابت في هذا الإطار وفي هذه الجولة من التصعيد الإسرائيلي الفلسطيني والجولات السابقة عليها أن مصر دائمًا هي محور أي تحركات دولية تهدف إلى خفض التصعيد والوصول إلى وقف لإطلاق النار؛ إذ أرسلت وفدًا أمنيًا إلى كل من تل أبيب وقطاع غزة للوصول إلى الهدنة، وقامت الولايات المتحدة بالبناء على هذه الجهود عبر إرسال مساعد وزير الخارجية للشؤون الفلسطينية والإسرائيلية هادي عمرة موفدًا من الرئيس الأمريكي جو بايدن لتعزيز الضغوط على الطرفين للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، علاوة على المشاورات الدولية الموسعة التي أجرتها الأطراف الدولية الفاعلة مع مصر بغية إنجاح هذه الجهود، وآخرها الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأمريكي جو بايدن بالرئيس عبد الفتاح السيسي للتباحث حول  وقف العنف والتصعيد، والتوافق خلاله على تعزيز التنسيق المتبادل بين الأجهزة المختصة بين البلدين خلال الفترة المقبلة لاحتواء تصعيد الموقف.

نتائج متوقعة

  • فشل تحقيق الانتصار

التغير في معادلة الردع الذي فرضته فصائل المقاومة بقدراتها العسكرية التي استطاعت إلحاق أضرار في العمق الإسرائيلي أدى إلى عدم استطاعة إسرائيل في تحقيق ما يمكن أن تصفه بأنه انتصار عسكري. وهذه الحالة شبيهة بما انتهت به عملية “الجرف الصامد ” (26 أغسطس 2014). إلا أن هذه الحالة قد ترسخت في حرب 2021، مع تداول الصور والمقاطع المصورة التي تظهر إصابة صواريخ المقاومة لأهداف حيوية في المدن والمستوطنات الإسرائيلية، منها مطاري بن جوريون ورامون، 

وفي ضوء هذه الحالة -فضلًا عن رغبة نتنياهو في تحقيق مكسب على المستوى السياسي انعكاسًا للوضع العسكري مثلما حدث في 2014- تحاول إسرائيل -من خلال إعاقة جهود الوساطة الساعية للتوصل إلى وقف إطلاق النار أطول وقت ممكن، وتأكيد استمرار المعارك أيامًا أخرى- أن تطيل أمد الحرب –غير مكترثة بالخسائر- أملًا في تحقيق اختراق يمكن أن تصفه بأنه تحقيق للهدف المنشود من العملية، والذي لم يتغير عن العمليات السابقة وهو تدمير القدرات العسكرية لحركة حماس.

وقد يتمثل هذا الاختراق المنشود في استهداف أحد الشخصيات المهمة في التسلسل القيادي لحركة حماس، وخاصة محمد الضيف قائد كتائب عز الدين القسام والذي تحاول إسرائيل استهدافه منذ نحو 25 عامًا، أو تدمير شبكة أنفاق حماس في غزة بشكل كامل، وهو هدف أثبتت التجربة في 2014 صعوبة تحققه إلا بهجوم بري ستكون خسائره كبيرة. ونتيجة لذلك كله فإن الوقت القصير الذي يفصل إسرائيل عن وقف إطلاق النار وصعوبة تحقيق هذه الأهداف يجعل من إمكانية خلق صورة انتصار لها أمرًا صعبًا للغاية.

وقد يفرض العدوان الحالي معادلة جديدة في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي يتم بموجبها تجنب الحرب، وذلك بعدما تأكدت إسرائيل من ارتفاع فاتورة كل عملية عسكرية تقوم بها ضد القطاع، وخاصة بعد فرض الفصائل الفلسطينية واقعًا جديدًا عبر التطور الواضح الذي شهده مسرح العمليات. وستتخوف إسرائيل من أن أي مواجهة مستقبلية ستتكلف فاتورة باهظة في ضوء التطور المستمر للعتاد العسكري للفصائل، خاصة بعد أن أثبت العدوان الحالي فشل إسرائيل في منع عملية التطوير منذ عام 2014 وحتى عام 2021.

  • ضرورة إنهاء الوضع القائم

أعاد التصعيد الجاري بروز القضية الفلسطينية على الساحة العالمية بعد أن توارت عن الأنظار إثر نحو 10 سنوات من الحرب المستعرة في الإقليم، وأكد حقيقة للمجتمع الدولي مفادها أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لن يكون ممكنًا التعامل معه من منطلق إدارة الوضع القائم، وأن الاتفاقات التي وقعتها إسرائيل مع عدد من الدول العربية لم تؤدِ إلى تخفيف حدة النزاع أو وجود دولة إسرائيلية أكثر أمنًا، وأن السلام والاستقرار في الشرق الأوسط لن يتأتى إلا بحل جذري وعادل للقضية الفلسطينية يراعي حقوق الفلسطينيين التاريخية.

وتتأكد هذه الحقيقة بالنظر إلى ما حدث خلال الأسابيع الأخيرة، فالوضع القائم بما يشمله من تصدع وانكشاف داخلي إسرائيلي ووحدة الفلسطينيين داخل إسرائيل وخارجها وقدرات عسكرية متطورة لدى الفصائل تنذر بعدم استقرار طويل الأمد يمكن أن يهدد إسرائيل.

وعلاوة على ذلك فإن هذا التصدع الداخلي والاشتباك الأيديولوجي وتنازع الهويات الذي قد يتطور في أي وقت إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة يطرح أمام إسرائيل صورة واقعية مصغرة لما يمكن أن يكون عليه الحال إذا تحقق سيناريو الدولة الواحدة ذات القوميتين كحل مقترح للقضية الفلسطينية. ومن ثم، فإن حل الدولتين رغم الصعوبات الجمة التي تعترض الطريق أمام تحققه يظل هو الحل الأمثل لتسوية هذا الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى