سياسة

مصر والسودان وفرنسا”.. لماذا الآن؟”

لم يكد يمر أسبوع على إجراء تشكيلات من القوات البحرية والجوية لمصر وفرنسا تدريبات مشتركة في نطاق الأسطول الجنوبي وبأحدى القواعد الجوية؛ حتى تلقى الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة من نظيره الفرنسي ايمانويل ماكرون لحضور قمة تمويل الاقتصاديات الإفريقية ومؤتمر باريس لدعم المرحلة الانتقالية في السودان اللذين عقدا يومي 17 و18 مايو الجاري على التوالي.

لتتصدر مرة أخرى القاهرة وباريس مشاهد التعاون الثنائي رفيع المستوى في قصر الإليزيه، بيد أن التعاون بين هذا الثنائي كان يتركز في الاتجاهين الاستراتيجيين الشمالي والغربي للدولة المصرية، متضمناً ملفي “شرق المتوسط والحرب الليبية”، إذ تقاطعت الرؤي الثنائية في هذين الملفين حد الشراكة الاستراتيجية في شرق المتوسط، وانضمام باريس للمنظمة الإقليمية لمنتدى غاز شرق المتوسط بصفة عضو مراقب.
ومن هذين الملفين قدمتا القاهرة وباريس نموذجاً للتعاون الثنائي أفرز سياسة إيجابية نشطة لكليهما في دائرتي شرق المتوسط وليبيا. إلا أنه ومع بدء باريس لمراجعة نظرتها للإسلام السياسي وشبكاته الاجتماعية المتغلغلة في أوساط المؤسسات التعليمية والثقافية والأحياء السكانية؛ ارتأت الحاجة أكثر للنظر للتجربة المصرية في تحجيم الظاهرة الإرهابية وشبكة رعايتها الإقليمية وذلك منذ أحداث كنيسة نوتردام في مدينة نيس الفرنسية، أكتوبر 2020. وهو ما دفع بدوره لتغيير باريس نظرتها عن كيفية التعامل مع ملف حقوق الإنسان في الحالة المصرية، ما قارب أكثر من تطابق وجهات النظر بين العاصمتين.
إلا أنه ومع بدء مؤتمر دعم المرحلة الانتقالية في السودان، انتقل التركيز المصري الفرنسي من دائرتي شرق المتوسط وليبيا، ليتجه صوب الجنوب، والشرق الإفريقي، ليؤشر عن وجود دفوع للأطراف الثلاثة “مصر – السودان – فرنسا” في صياغة نمط معين من الشراكة والتعاون، يمكن تحديده كالاتي:

• تعزيز ريادة الدور المصري في إفريقيا: تنظر مصر إلى إفريقيا كونها مجال حيوي يذخر بالفرص أكثر من التحديات، ومعتمدة على موروثها التاريخي من دعم الدول الإفريقية للتحرر من نير الاستعمار، إذ كانت مصر في ستينيات القرن المنصرم نموذج ألهم سائر دول القارة في المضي قدماً لنيل التحرر والاستقلال عن قبضة القوي الاستعمارية. لكن شهد الدور والنفوذ المصريين تراجع ملحوظ منذ حادثة محاولة اغتيال الرئيس الراحل حسني مبارك في أديس أبابا 1995. وبدأت مصر منذ العام 2014 برنامجها الشامل للتنمية المستدامة، والذي يتضمن في مجمله تعظيم مقدرات القوة الشاملة المصرية، من خلال الرجوع لافريقيا وتدشين علاقات تراعي المصالح المتبادلة وثقل الموروث المصري من التعامل الرشيد مع دول القارة. فتركزت الجهود المصرية على الاهتمام بمناطق القرن الافريقي ودول حوض النيل والساحل والصحراء وشمال افريقيا كخطوة أولي. وساهمت دورة ترأس مصر للاتحاد الإفريقي في تسويق النوايا المصرية تجاه دول القارة الذي حصلوا على دعم مصر في المحافل الدولية ودعم خطط النمو والتكامل الاقتصادي. وجاء السودان على رأس الدول التي حرصت القيادة المصرية على دعمه بكافه السبل في عمليته الانتقالية وإعادة انفتاحه على العالم ومنظومته المعولمة السياسية والاقتصادية وحتي الثقافية.
• تأمين باريس لمصالحها في شرق إفريقيا وليبيا وتشاد: تتعرض باريس منذ العام 2019 لصعود المزاج الإسلاموي الرافض لها في منطقة غرب افريقيا والساحل والصحراء، وما غذي ذلك الاشتباك الموسع مع تركيا في شرق المتوسط وسوريا وشمال العراق. كما حل إقليم الساحل والصحراء كثاني أكبر الأقاليم تعرضا للعمليات الإرهابية بعد إقليم جنوب شرق آسيا. وتباعاً استُهدفت المصالح الفرنسية في كل من مالي وتشاد والنيجر، على نحو مهاجمة القوات الفرنسية وتوجيه الحراك الثوري ناحية لفظ وطرد الوجود والشراكة الفرنسية مع حكومات هذه الدول. ولعل في اغتيال ادريس ديبي، الرئيس التشادي، وخطاب المتمردين الذي صدر مستهدفاً المصالح الفرنسية بالأساس، مؤشر قوي على حاجة باريس الملحة لايجاد مقاربة أخري غير العسكرية ومكافحة الإرهاب، فكان السودان بوابة شرق إفريقيا بالنسبة لباريس، فالصومال وإريتريا وجيبوتي اصحبوا مناطق اختناقات مرورية ومزدحمين بالقوي الإقليمية والدولية المنافسة / المناوئة لفرنسا على حد سواء. كما أن تخلص السودان من عباءة الحكم الديني لنظام البشير شجع باريس على تبني رعاية المرحلة الانتقالية للسودان وتسويقها أوروبيا. كما يمثل الموقع الجغرافي للسودان ميزة استراتيجية لأطراف التعاون، فالمناورات الفرنسية في البحر الأحمر مع الجانب المصري تعكس رغبة وجود باريس عبر بحريتها الزرقاء، في البحر الأحمر وخليج عدن، وتباعاً تعزيز النفوذ الأمني بما يكبح تسرب النشاط الإرهابي من مناطق الالتهاب والاشتباك “الصومال” موزمبيق، لمناطق تشاد وليبيا ومالي.
• ادماج السودان في المنظومة الدولية: عاني السودان جراء حكم البشير من عزلة دولية أضرت بحقه في التنمية والدخول في شبكة الاقتصاد المعولم. ولعل في اعلان باريس اسقاط ديون السودان البالغة 5 مليارات دولار مؤشر عن اتساع هامش الحركة لمخططي الاقتصاد في الخرطوم لتنفيذ برامج إصلاح اقتصادي. فضلاً عن إشراك السودان في المهام الدولية كمكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، ومنع تسرب النشاط الإرهابي لوسط وغرب القارة.

ختاما

يعي الثلاثي “مصر السودان فرنسا” أهمية العمل المشترك لمواجهة التحديات التي تفرزها الشبكة الإقليمية الراعية للإرهاب، فضلاً عن تحقيق التكامل الأمني والتجاري، وتقريب وجهات النظر السياسية حيال القضايا المشتركة. إذ تنظر باريس بعين الاحترام لما أنجزته القاهرة من تحالفات استراتيجية قامت على أساس الاقتصاد المعولم بدلا من التحالفات الأمنية البحتة التي أثبتت فشلها في نظام تسوده روح العولمة وتقاسم انتاج السلع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى