آسيا

المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: تطور الدبلوماسية العسكرية الصينية من تبادل الزيارات إلى توزيع اللقاحات

في تقرير صادر عن “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية” (IISS)، بعنوان “تطور الدبلوماسية العسكرية الصينية من تبادل الزيارات إلى توزيع اللقاحات“، تطرقت الكاتبة “ميا نوينز” (Meia Nouwens)، لتتناول الدور الكبير الذي لعبه جيش التحرير الشعبي الصيني، في الاستجابة والتصدي لفيروس كورونا المُستجد، الأمر الذي يٌعظم من دوره المتزايد في الأنشطة الدبلوماسية، وكيف تطور هذا الدور من تبادل الزيارات والمناورات العسكرية إلى توزيع اللقاحات، وإلى نص التقرير:

ذكر التقرير أن دور الجيش الوطني الصيني في السياسة الخارجية الصينية في الماضي كان دورًا محدودًا أو هامشيًا. ولكن في الوقت الراهن، وفي ظل الدور المتنامي والنشط للسياسة الخارجية الصينية؛ نمى دور الجيش الصيني في الدبلوماسية الوطنية، ووصل إلى اّفاق جديدة في سياق التصدي لجائحة فيروس كورونا.، كل ذلك لخدمة الأهداف الاستراتيجية.

 جاء الدور الكبير والنشط للجيش الصيني في التعاطي مع أزمة فيروس كورونا، في سياق دبلوماسي كبير لعبته بكين لتحسين صورتها الدولية بعد ردها الأولي المتأخر وسوء التعامل عقب تفشي الوباء. 

تُشير الكاتبة إلى أن الدبلوماسية العسكرية للجيش الصيني بدأت في التعامل مع تفشًّي فيروس كورونا في مارس 2020، عندما أرسل جيش التحريري الشعبي الصيني معدات وملابس واقية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي فبراير 2021، بدأ الجيش الصيني في التبرع بلقاحات “كوفيد-19” للدول الأخرى في الخارج. 

في هذا السياق ؛ أوضح التقرير أن المساعدة التي يقدمها الجيش الصيني فيما يتعلق بالتبرع باللقاحات تتلاءم مع الجهد الدبلوماسي الأوسع الذي تقوده الحكومة الصينية.

وبين مارس 2020 وأبريل 2021، قدم الجيش التحرير الصيني مساعدات طبية عسكرية وتبرعات لـ 56 دولة حول العالم، فضلاً عما قدمه من مساعدات لبعثات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة. 

وفي جميع الحالات باستثناء حالتين –كما أشار التقرير-، كانت الأنشطة الدبلوماسية الطبية لجيش التحرير الشعبي موجهة إلى دول تنتمي إلى مبادرة الحزام والطريق. ودول تقع في محيط جغرافي يتمركز في دول آسيا والمحيط الهادئ وأفريقيا. ويعكس هذا التركيز على دول مبادرة الحزام والطريق عن النوايا الدبلوماسية الأوسع للصين لتحقيق أهداف سياستها الخارجية. 

وأوضح التقرير، أن الجيش الصيني سعى من خلال مساعدته لتلك الدول على التركيز على الدول ذات المصلحة لبكين، والدول التي أقام معها علاقات ودية بالفعل.

كما تُظهر الأنشطة الدبلوماسية العسكرية لجيش التحرير الشعبي فيما يتعلق بفيروس كورونا أن الجيش سيلعب دورًا أكبر في الدبلوماسية الخارجية للصين، بما يتماشى مع تعليمات الرئيس الصيني “شي جين بينغ”.

المقدمة

يوضح التقرير ان الدور الذي لعبه ومازال –جيش التحرير الشعبي الصيني- في الاستجابة لوباء “كوفيد-19″، يُشير إلى دور متنوع ومتزايد للجيش الصيني، وهذا الانخراط غير العسكري للجيش الصيني ليس بجديد. فعلى سبيل المثال، في عام 2015، ساهم الجيش بفريق طبي عسكري مكون من 163 خبيرًا إلى ليبيريا لدعم جهود البلاد في مكافحة تفشًّي وباء “الإيبولا”. وتماشياً مع دعوة الرئيس الصيني “شي جين بينغ” عام 2015 للجيش للمساهمة في السياسة الخارجية لبكين من خلال الدبلوماسية العسكرية، فقد شجع تفشي فيروس كورونا في إعطاء مساحة حرية أكبر للجيش الصيني. 

وفي هذا السياق أوضحت الكاتبة، أن هذا التقرير يسعى لبناء فهم واضح ودقيق للدور الدبلوماسي العسكري للجيش الصيني، وتحديد أولويات المستفيدين من هذا الدور، وكيف يمكن النظر لهذا النشاط العسكري للجيش الصيني. 

يؤكد التقرير أن أنشطة جيش التحرير الشعبي تم صياغتها لدعم التصورات الحكومية الصينية الواسع، التي تصور الصين على أنها صاحبة دور عالمي مسؤول، وأنه ينبغي توسيع فهم السياسة الخارجية الصينية والدبلوماسية لتشمل أنشطة جيش التحرير الشعبي. 

كما يطرح التقرير عددًا من الأسئلة، من أجل إيجاد إجابات لها حول كيفية تقسيم المهام، واتخاذ القرار بين الجيش الصيني والوكالات الحكومية الصينية الأخرى. والدور المُحدد للجيش الصيني، ومغزى التوقيت من أنشطة الجيش الصيني في الخارج. 

الدبلوماسية العسكرية في عصر جديد

نمت مشاركة جيش التحرير الشعبي في الدبلوماسية العسكرية بشكل كبير في العقود الثلاثة الماضية، بما يتماشى مع الأهمية المتزايدة لقضايا الأمن والدفاع في أولويات السياسة الخارجية للصين. 

فتاريخيًا، لعب الجيش دورًا ثانويًا في السياسة الخارجية الصينية. كان هذا إلى حد كبير بسبب السياق الذي تشكلت فيه أولويات السياسة الخارجية قبل وبعد التسعينيات. 

وكانت مسائل السياسة الخارجية قبل تسعينيات القرن الماضي تعطي الأولوية للمسائل غير العسكرية، وكانت القضايا الاقتصادية والزراعية والعلمية والتكنولوجية لها الأسبقية على قضايا الدفاع والأمن. والتزمت الصين في ذلك الوقت بسياسة إخفاء نقاط القوة وانتظار الوقت من أجل بناء قدرات الصين. وقبل ذلك، سعت بكين إلى الحفاظ على صورة تسلط الضوء على الصعود السلمي لها. 

في ذلك الوقت كانت “وزارة الخارجية الصينية” الوجه المهيمن لنهج السياسة الخارجية، وذلك بصفتها الحارس الرئيسي للنشاط الدبلوماسي. وتواكبت تلك الفترة مع الانتظار والتحلي بالصبر من قِبل جيش التحرير الشعبي. 

فترة التحول

بحلول عام 2021، بدأ التنين الصيني يكشف عن أنيابه، وباتت بكين تولي اهتمامًا كبيرًا لسياق استراتيجي تكون فيه أولوية سياستها الخارجية مُرتكزة على قضايا الأمن والدفاع. 

وفي عام 2015، ذكر الكتاب الأبيض الصيني أنه في حين أن البيئة الخارجية العامة كانت مواتية بشكل عام، فقد أكد أن الصين لديها “مهمة كبيرة لحماية نسيجها الوطني وسلامة أراضيها ومصالحها التنموية”، وذلك في مواجهة التحديات الخارجية المتزايدة. تضمنت مهام الجيش حماية أمن الصين ومصالحها في مجالات جديدة، في الداخل والخارج، والمشاركة في التعاون الأمني ​​الإقليمي والدولي. 

في نفس العام، قدم الرئيس الصيني “شي جين بينغ” دورًا جديدًا وأكثر تحديدًا للدبلوماسية العسكرية. وبحسب شي، ينبغي للدبلوماسية العسكرية أن تدعم السياسة الخارجية الوطنية الشاملة، وتحمي الأمن القومي، والسيادة، ومسائل التنمية، وتعمل على تعزيز البناء العسكري. وأوضح أن الدبلوماسية العسكرية يجب أن تتماشى مع الاتجاه السياسي الصحيح الذي تسير فيه الدولة، على أن يكون الجيش أكثر ابتكارًا، وذلك من خلال بناء خط دفاع أيديولوجي قوي، وأن يُحسنون أساليب ووسائل النشاط العسكري.  

ومنذ عام 2008، نمى التعاون والمشاركة للجيش الصيني ليشمل المساعدات الإنسانية وعمليات الإغاثة في حالات الكوارث، وعمليات حفظ السلام، والتبادلات الأكاديمية مع الجيوش الأجنبية، والاجتماعات رفيعة المستوى مع القادة العسكريين الأجانب، وإجراء التدريبات المشتركة مع الجيوش الأجنبية. ونتيجة لذلك اكتسب الجيش الصيني رؤية وخبرة علمية من خلال العمل جنبًا إلى جنب مع الجيوش الأجنبية الأكثر تطورًا.

انخراط عسكري صيني في مواجهة جائحة كوفيد-19

ومع تفشيًّ وباء كوفيد-19، تحولت الآلية الدبلوماسية لجيش التحرير الشعبي إلى مستوى أخر. إذ لعب دور أكبر في سياق الجهود الدبلوماسية الموسعة لبكين لتحسين سمعة الصين العالمية بعد ردها الأولي المتأخر وسوء التعامل عند تفشي الوباء في مدينة “ووهان” في ديسمبر 2019.

وبحلول منتصف عام 2020، تمكنت بكين – بمساعدة جيشها –  من تنفيذ إغلاق كامل على مستوى البلاد أدى إلى منع تفشي الوباء، فضلاً عن ترسيخ وجودها في معظم أنحاء البلاد. بينما شهدت دول أخرى في جميع أنحاء العالم ذروة كبيرة من ارتفاع حالات الإصابة بالوباء.

بحلول أبريل 2020، بدأت بكين في فتح البلاد مرة أخرى، واستفادت من التعامل مع تفشي الوباء على المستوى الوطني للترويج في الخارج لرواية النجاح الصيني الحاسم. وبين مارس وأبريل 2020، زادت التبرعات الطبية التي قدمتها الصين بنسبة 400٪ مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019. لقد كانت دبلوماسية القناع ودبلوماسية اللقاحات التي طورتها الصين بمثابة نجاح كبير لها. وتمكنت بكين من تفعيل دبلوماسيتها الصحية. وتماشيًا مع الدور الجديد للدبلوماسية العسكرية، لعب الجيش دورًا كبيرًا في الجهود الدبلوماسية الصينية المتعلقة بمكافحة جائحة “كوفيد-19”.

ارتباط توقيت أنشطة جيش التحرير الشعبي بالوضع المحلي والجهود الدبلوماسية

بدأ دور جيش التحرير الشعبي في الدبلوماسية العسكرية لـ COVID-19 في النصف الأول من عام 2020، عندما كانت معظم البلدان تعاني من تفشي الوباء. وتوضح الكاتبة أن الدبلوماسية العسكرية للجيش الصيني فيما يتعلق بفيروس كورونا قد بدأت في مارس 2020، عندما أرسل جيش التحرير الشعبي معدات وملابس واقية إلى إيران. في الشهر التالي، في أبريل 2020، أجرى الجيش الصيني عشرة أنشطة دبلوماسية عسكرية تتعلق بـ COVID-19 حيث نقلت القوات الجوية للجيش الإمدادات الطبية إلى ميانمار وفيتنام وباكستان وتونس، بينما قدم الجيش المساعدة الطبية داخل البلاد الأخرى مثل لاوس وميانمار وإثيوبيا وباكستان، كما عقد مؤتمرات الفيديو لتبادل أفضل الممارسات والمعلومات مع مؤسسات دفاعية في باكستان وسنغافورة.

وانتعشت الأنشطة الدبلوماسية لجيش التحرير الشعبي الصيني بشكل كبير في عام 2021، عندما أجرى الجيش نشاطًا دبلوماسيًا عسكريًا في ست وتسع دول في فبراير ومارس على التوالي. 

يرتبط توقيت هذه الجهود الدبلوماسية بسيطرة الصين على تفشي فيروس كورونا محليًا وتكثيف تفشي الوباء في البلدان الأخرى. ووفقًا للإحصاءات الخاصة بالصين، فقد بدأت في الإبلاغ عن عدم وجود حالات محلية جديدة في منتصف مارس 2020. وقد يفسر هذا؛ الدور المتنامي لجيش التحرير الشعبي في الجهود الدبلوماسية المتعلقة بـ COVID-19، حيث يمكن لجيش التحرير الشعبي تحويل وقته وموارده إلى الخارج بعد نجاحه. بالمساهمة في احتواء الفيروس داخليًا.  

دبلوماسية اللقاحات

في الوقت ذاته، انخرط الجيش الصيني في الجهود الدبلوماسية المتعلقة بإنتاج وتوزيع اللقاحات في الخارج. 

بحلول 8 فبراير 2021، بدأ جيش التحرير الشعبي في التبرع بلقاحات كوفيد -19 للجيوش في الخارج، تمكنت الصين من تقديم المساعدات الخاصة باللقاح إلى 22 دولة. وبحلول نهاية مارس 2021، صدرت الصين 115 مليون جرعة من اللقاحات الصينية، معظمها من الإنتاج المرخص لشركة “استرازينيكا” (AstraZeneca). وبالتالي، فإن مساعدة جيش التحرير الشعبي الصيني في توزيع اللقاحات على الدول الأخرى. تتناسب مع الجهود الدبلوماسية الأوسع المتمحورة حول انتاج اللقاحات من قبل الحكومة الصينية.

يُمكن القول إن الجهود الدبلوماسية العسكرية للصين تمت على مرحلتين:

  • الأولى: توفير والتبرع بمعدات الحماية الشخصية والمعدات الطبية. فضلاً عن إجراء تبادلات تعليمية حول الفيروس. لتبادل الدروس المستفادة وأفضل الممارسات.
  • الثانية: ركزت بشكل شبه كامل على التبرع باللقاحات وتوزيعها في الخارج. 

تحولات استراتيجية: أولويات التفاعل مع الاقتصاديات النامية والناشئة

لقد انتهجت الصين سياسات دبلوماسية واسعه انخرطت فيها المؤسسة العسكرية لدعم الدبلوماسية الصحية خاصة في ظل تفاقم جائحة كورونا، فقد زودت بكين نحو 100 دولة بأقنعة الوجه والأطباء والمستلزمات الطبية المختلفة منذ تفشي جائحة كورونا، وقد لعب جيش التحرير الشعبى الصينى دورا كبيراً في خضم هذا المشهد، فقد قدم المساعدة الطبية العسكرية أو التبرعات إلى 56 دولة حول العالم والغالبية العظمى من المساعدات المقدمة من جيش التحرير بنحو (62٪) كانت تبرعات للجيوش الوطنية أو وزارات الدفاع، وهو ما عزز من الجهود الدبلوماسية الصحية الأوسع للصين لتقديم المساعدة لفيروس كورونا.

وبالنظر إلى الأنشطة الدبلوماسية الطبية لجيش التحرير الشعبى الصينى نجد أنها كانت جميعها موجهة إلى الدول التي تنتمي لمبادرة الحزام والطريق BRI، باستثناء تبرعات جيش التحرير الشعبى ال صينى300,000 جرعة من لقاحات COVID-19 الصينية لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في13 مارس 2021، وتبرعه بمستشفيات متنقلة و90 جهاز راديو محمول VHF و15 جهاز راديو محمول vhf ومعدات واقية للقوات المسلحة الأرجنتينية في يونيو 2020 و14 فبراير 2021.

لقد تجاوزت مشاركة جيش التحرير الشعبى الصينى الدول التي تمتلك الصين معها شراكات استراتيجية غالبا ما تتضمن الشراكات الاستراتيجية مع الصين التعاون العسكري أو الأمني، لذا فإن النشاط الدبلوماسي العسكري المرتبط بـ COVID-19 مع تلك الدول ليس مفاجئا، وعلى الرغم من أهمية مستوى العلاقات الدبلوماسية مع الصين، إلا أنه لم يكن عاملا محددا في المشاركة الدبلوماسية العسكرية لجيش التحرير الشعبى الصينى.  

إن المتأمل إلى الدول التي تلقت أكثر من نوع أو مثيل واحد من المساعدات العسكرية أو المشاركة، يجد أنها تجمعها مع الصين علاقات دبلوماسية على المستوى الثنائي. ومن بين البلدان الـ 15 التي قدم إليها جيش التحرير الشعبي أنواعا أو حالات متعددة من المساعدات المتصلة بكوفيد-19، لم يكن لدى سوى ثلث تلك البلدان (باكستان وتايلند وكمبوديا وميانمار ومنغوليا) شراكات استراتيجية مع الصين.

لقد تركزت المساعدات المقدمة من جانب جيش التحرير الشعبى الصينى على الصعيد الجغرافي، في آسيا والمحيط الهادئ وأفريقيا (31 من أصل 56 دولة) ، في حين انخرط بدرجة أقل مع دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (8) ، وأمريكا اللاتينية (7) ، وآسيا الوسطى وأوروبا الوسطى (6) ، والاتحاد الأوروبي والبلقان (4)، ولعل هذا التوزيع الجغرافي يرتبط بصورة جوهرية بأولوية الصين في السياسة الخارجية، حيث تُعتبر تلك الدول من بين أهم مصادر الطاقة والمواد الخام بالنسبة للصين الصين ، إلى جانب أهمية تلك الدول على المستوى الأمني داخل منطقة آسيا والمحيط الهادئ ، وبالتالي تعتمد استراتيجية “بكين” في تعمق التعاون الجنوب الجنوب على فكرة تعظيم المكاسب للجميع.

أهداف متعددة

تأتي الأنشطة الدبلوماسية العسكرية بالشعارات الصينية لخدمة “المجتمع بمستقبل مشترك” وأهمية الوحدة والتعاون في هزيمة الوباء، إضافة إلى العمل على تعزيز التعاون الدولي في الوقاية من الأوبئة ومكافحتها وتقديم مساهمات جديدة للحفاظ على الأمن الصحي العام على الصعيد الدولي وذلك وفقاً لما ذكره جيش التحرير الشعبى الصينى، ولذلك فإن أنشطة جيش التحرير الشعبي الصيني عادة ما يتم تأطيرها ضمن السرد المماثل “لأصحاب المصلحة” الذي سعت الصين إلى تعزيزه من خلال دبلوماسية المساعدات المدنية.

لقد برز خلال جملة المساعدات الطبية التي قدمها جيش التحرير الشعبي الصيني الرغبة في خلق ما يُعرف باسم “طريق الحرير الصحي” والذي حظى على أهمية كبيرة لدى “بكين” منذ بداية الجائحة ولعل هذا الخط الذي يُشار إليه باسم “مجتمع الصحة العامة للبشرية” كأحد الفروع الجوهرية التي تتناول قضايا نوعية تتمثل في الرعاية الصحية  لمبادرة الحزام والطريق والذي يستهدف منه إلى تعزيز حوكمة الصحة العامة العالمية من خلال أنشطة لا تقتصر فقط على المساعدات الطبية والتدريب الطبي والتبادلات التعليمية بل تشمل نظاماً عاماً للرعاية الصحية.

إن الأنشطة الدبلوماسية في الطب الوقائي والرعاية الصحية التي يقوم بها جيش التحرير الشعبي الصيني تفسر قدر التنسيق في عملية صنع القرار السياسية المحلي، حيث تتم تلك الأنشطة بموافقة اللجنة العسكرية المركزية وبناء على طلب القوات المسلحة للبلد المتلقي، وبالتالي فمن المحتمل أن يكون قرار الاستفادة من جيش التحرير الشعبى الصينى قرارا سياسيا تم اتخاذه على أعلى مستوى، وتخدم أغراضا سياسية في العلاقات الثنائية للصين مع الدول المتلقية، إن البعد السياسي لدبلوماسية اللقاحات في الصين يتجلى بالفعل في جهودها المدنية، والتي برزت على سبيل المثال ، في أعقاب عرض الصين للتبرع بجرعات اللقاح لدولة “غيانا”( Guyana) – هي دولة ذات سيادة على الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية ولكنها ثقافيًا جزء من منطقة البحر الكاريبي الناطقة باللغة الإنجليزية – في حين أن بكين قد ألغت اتفاقا مع تايوان لفتح مكتب تمثيلي. 

إن التبرعات الموجهة بصورة خاصة إلى جيوش الدول المتلقية تعمل على تعزيز وزيادة تعميق الروابط بين جيش التحرير والنخب العسكرية المتلقية في تلك البلدان، وبما أن النخب العسكرية تشكل مراكز مهمة للسلطة في عدد من البلدان المتلقية، يمكن اعتبار جهود جيش التحرير الشعبي مرة أخرى فرعا لمشاركة الصين الأكبر مع النخب في مختلف البلدان.

وعلى النقيض من ذلك فقد شهدت العلاقات العسكرية بين جيش التحرير الشعبي الصيني تراجعاً كبيراً في خضم التفاعل مع القوات المسلحة الأوروبية الغربية خلال السنوات الأخيرة وقد عكست البيانات الموجودة على الدبلوماسية العسكرية لـ COVID-19 لجيش التحرير الشعبى الصينى هذا التراجع، لذلك تظهر البيانات نهجا انتهازيا في السعي لتحقيق هدف استراتيجي شامل ومن المرجح أن يسعى جيش التحرير الشعبى الصينى إلى التعاون مع الجيوش أينما كان ذلك ممكنا والتركيز على البلدان التي يتمتع بها بالفعل بعلاقات ودية راسخة ، بدلا من استخدام الدبلوماسية العسكرية لجيش التحرير الشعبى الصينى لإقامة علاقات استراتيجية جديدة من خلال نهج شديد التركيز وموجه.

وأخيرا، فإن الاشتباك العسكري والعمليات العسكرية بخلاف الحرب قد وفرت في الماضي لجيش التحرير الشعبى الصينى فرصا تعليمية قيمة من خلال بعثات مرافقة لحماية السفن التجارية الصينية وتعاونها مع القوات البحرية الأجنبية في التدريبات والتدريبات المخصصة في خليج عدن، لذلك يمكن أن يكون هناك أيضا عنصر تعلم لجيش التحرير الشعبى الصينى المشاركة في توزيع السلع الطبية وتبادل أفضل الممارسات مع الجيوش الشريكة.  

الخاتمة

إن مشاركة جيش التحرير الشعبي الصيني في الدبلوماسية العسكرية المرتبطة بـ COVID-19 تمثل امتدادًا لمسؤوليات جيش التحرير الشعبي الصيني في تعزيز التعاون الأمني القومي والجهود الدبلوماسية للصين، كما تظهر الأنشطة الدبلوماسية العسكرية لجيش التحرير الشعبي الصيني المتعلقة بفيروس كورنا، الأمر الذي سيعزز من دور جيش التحرير الشعبى الصينى في الدبلوماسية الخارجية للصين إلى جانب وزارة الخارجية الصينية، واتصالاً بذلك؛ يمكن استنتاج الآتي:

  • من غير الواضح إلى أي مدى تم تنسيق الأنشطة الدبلوماسية المتعلقة بالتعاطي مع جائحة كوفيد-19 بين جيش التحرير الشعبي الصيني ووزارة الخارجية والجهود الدبلوماسية الأكبر للصين.
  • على الرغم من أن اللجنة العسكرية المركزية والقوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني قد ذكرتا التعاون العسكري-العسكري لجيش التحرير الشعبي الصينى، إلا أنه من غير الواضح ما هي الوحدات والمكاتب داخل جيش التحرير الشعبي الصيني التي لعبت أدوارا محددة.
  • على الرغم من أن الروايات حول جهود جيش التحرير الشعبى الصينى تم تأطيرها في سياق أوسع من التعاون والوحدة العالميين حول القضايا الصحية، فمن اللافت للنظر أنه لم يكن هناك شيء يذكر لطريق الحرير الصحي في مبادرة الحزام والطريق الصينية، والذي كان من شأنه أن يضع أنشطة جيش التحرير الشعبى الصينى ضمن جهود أكبر للعلاقات التجارية بقيادة الحكومة الصينية. 
  • يمكن القول بأن الصين قد فاتتها فرصة للاستفادة من النشاط الدبلوماسي العسكري لتحقيق مكاسب في العلاقات الخارجية، إلا أن هذا أمر غير مرجح نظرا للضغط المدني الأكبر حول الدبلوماسية الصحية، ولذلك فمن المرجح أن تواصل بكين فصل جيش التحرير الشعبى الصينى عن مبادرة الحزام والطريق بعناية لتجنب عسكرة رواية السياسة الخارجية للصين. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى