القضية الفلسطينية

جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.. اختبار متجدد للعدالة الدولية

ارتكبت القوات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين جملة من الانتهاكات التي ترقى إلى درجة الجرائم ضد الإنسانية خلال انتفاضة القدس 2021، بدأت بالتهجير القسري لأهالي حي الشيخ جراح بالقدس، وتفريق مظاهرات سكانه الرافضة للقرار بقوة السلاح، مما تسبب في سقوط ضحايا من المدنيين. وقامت طائراتها الحربية بقصف قطاع غزة وهو ما أوقع عددًا كبيرًا من الضحايا والمصابين، فضلًا عن قصف مقرات صحف ووسائل إعلام. وهو ما يمثل انتهاكًا للاتفاقيات الدولية وقرارات مجلس الأمن الهادفة لحماية الصحفيين في مناطق النزاعات المسلحة، وهو ما يستلزم من المجتمع الدولي تحركًا عاجلًا لوقف آلة الحرب، ويضع منظومة العدالة الدولية في اختبار جديد لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية.

ويعرف القانون الدولي الإنساني جرائم الحرب بأنها أي خرق للائحة لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية، والقرار الذي تم اعتماده بالإجماع في لجنة حقوق الإنسان، والذي ينصّ على أن “الخروقات الجسيمة” من قبل إسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأول هي جرائم حرب؛ وتتضمن القتل العمد، والتسبب عمدًا بمعاناة شديدة أو إصابة خطرة للجسد أو الصحة، والتدمير الواسع أو الاستيلاء على الممتلكات، الذي لا تبرّره ضرورات عسكرية، والذي جرى القيام به بشكل مفرط وغير شرعي، والنقل أو الترحيل غير الشرعي، والاحتجاز غير الشرعي.

القتل العمد

بحسب ما رصدته المنظمة العربية لحقوق الإنسان لأعداد الضحايا، فقد بلغ عدد الشهداء بعد سبعة أيام من القصف المتواصل برًا وبحرًا وجوًا إلى ٢١٦ فلسطيني، بينهم ٢٠٢ مدنيًا، فضلًا عن إصابة نحو ٥٥٠٠ فلسطينيًا. وسقط في قطاع غزة وحده ١٨٨ شهيدًا، بينهم ١٧٥ مدنيًا، يضمون ٥٥ طفلًا و٣٣ سيدة، ونحو ألفي مصاب منهم ٤٠٠ في حالة خطرة. وثبت أن الجيش الإسرائيلي استخدم أسلحة شديدة التفجير ذات قوة نيرانية عالية التدمير ضد مناطق مدنية دونما اكتراث بحياة وسلامة المدنيين.

وتسبب القصف المتواصل فى تدمير ٩٠٠ وحدة سكنية بشكل كامل، وتضرر ٥ آلاف منزل بصورة جزئية؛ نتيجة استهداف الأبراج السكنية المزدحمة، وهدم المنازل على رؤوس قاطنيها، وبصفة خاصة في فترات الليل دون تحذير مسبق، وهو ما أدى إلى مذابح كبيرة، من أبرزها ما جرى لأسرة أبو حطب في مخيم الشاطيء شمالي غزة والذي أودى بحياة ١١ شخصًا بينهم ثمانية أطفال وسيدتين.

وكذلك، استخدمت قوات الاحتلال القوة المميتة ضد المحتجين في القدس الشرقية ومدن وبلدات الضفة الغربية، ما أدى إلى استشهاد ٢١ فلسطينيًا بالذخيرة الحية في مواجهة محتجين لمجرد استخدام بعضهم الحجارة، وإصابة نحو ٤ آلاف آخرين.

واستعانت السلطات الإسرائيلية بميليشيات المستوطنين المسلحين في ملاحقة السكان الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر، وشهدت مدن ١٩٤٨ اعتداءات مروعة بحق فلسطينيين يتمتعون بجنسية دولة الاحتلال.

التهجير القسري

يعرّف القانون الدولي التهجير القسرى بأنه “ممارسة ممنهجة تنفذها حكومات أو قوى شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية بهدف إخلاء أراضٍ معينة وإحلال مجاميع سكانية أخرى بدلًا عنها”. ويكون التهجير إما مباشرًا؛ أي ترحيل السكان من مناطق سكنهم بالقوة، أو غير مباشر؛ عن طريق دفع الناس إلى الرحيل والهجرة باستخدام وسائل الضغط والترهيب والاضطهاد. وهو يندرج ضمن جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.

فقد ورد في نظام روما الإنساني للمحكمة الجنائية الدولية، إن “إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين يشكل جريمة ضد الإنسانية”.

وينطبق التعريف الدولى على الجريمة الإسرائيلية بحق سكان حى الشيخ جراح في مدينة القدس، فيما يعرف باستراتيجية تهويد القدس ومحو أى أثر عربي بها، فقد بدأت السلطات الإسرائيلية وعبر استخدام قوتها المسلحة السطو على منازل الفلسطينيين من قاطني الحي وتهجير سكانه قسريًا، وتفريق المظاهرات السلمية بقوة السلاح والاعتداء عليهم.

الفصل العنصرى

وكان الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن جدار العزل العنصري الإسرائيلي في كل من الضفة والقدس قد انتهى إلى توافر مقومات صارخة لجريمة الفصل العنصري “الابارتهايد” والتي أكدتها تقارير لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري.

وتمارس سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة تمييز عنصري ضد الفلسطينيين حتى من بين حاملى الجنسية الإسرائيلية، وتصادر حقهم في البناء والتنقل والعمل والزواج من أجانب، وتعمل على الفصل الكامل بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.

وذلك في انتهاك فج وصارخ لنصوص “الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها” لسنة 1973 (اتفاقية الفصل العنصري) و”نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية” لسنة 1998 اللذين يعرفان الفصل العنصري بوصفه جريمة ضد الإنسانية تتكون من ثلاثة عناصر أساسية؛ وهي نية إبقاء هيمنة جماعة عرقية على أخرى، وتوافر سياق من القمع الممنهج من الجماعة المهيمنة ضد الجماعة المهمشة، والأفعال اللاإنسانية.

استهداف الصحفيين

دمرت الطائرات الحربية الاسرائيلية “برج الجلاء” في حي الرمال بمدينة غزة، ويضم البرج مكاتب وكالة الأنباء الأمريكية “آسوشيتد برس”، إلى جانب محطات إذاعة محلية وشبكات إنترنت. وقامت قوات الاحتلال باعتقال حوالي 27 صحفيًا في الضفة الغربية، وهي جريمة حرب أخرى بموجب المواد 8 من 55 من برتوكول روما الأول المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية ولقرار مجلس الأمن رقم 2222 لسنه 2015.

وعدّ القانون الدولى استهداف مكاتب الصحفيين انتهاكًا للحماية القانونية المفروضة للصحفيين في مناطق النزاعات المسلحة بموجب اتفاقيات لاهاي لعام 1899 والمادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1949 والتي نصت على حماية الصحفيين خلال قيامهم بمهمتهم الصحفية في مناطق النزاعات المسلحة، ومنحتهم حصانه من الأعمال العسكرية وعدم توقيفه، وكذلك احترام مقار عملهم وممتلكاتهم إذ لا تعتبر المكاتب الإعلامية أهدافا عسكرية.

العدالة الدولية

من جانبها قالت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا إنها تراقب الوضع في الأراضي المحتلة، وأن المشاركين في عمليات القتل قد يكونوا أهدافًا لتحقيقات المحكمة القادمة حول اتهامات طالت قادة إسرائيليين بارتكاب جرائم حرب في جولات سابقة. وقالت بنسودا إنها ماضية في تحقيقها حتى من دون تعاون مع إسرائيل، التي تتهم مكتب المدعية العامة بالتحيز القائم على معاداة السامية، وترفض الولايات المتحدة عضوية المحكمة، وترفض ولايتها القضائية وأي مساس بإسرائيل.

والحقيقة أن العدالة الدولية تقف عاجزة أمام الجرائم الإسرائيلية المتعددة بحق الشعب الفلسطيني، بداية من مجلس الأمن المتخاذل عن اتخاذ أي قرار ضد إسرائيل بسبب تدخل الولايات المتحدة، وحتى المحكمة الجنائية الدولية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بالإضافة إلى تراجع منظمات حقوق الإنسان الدولية عن الضغط من أجل محاكمة مجرمي الحرب في إسرائيل.

حالة من العجز الدولي عن تحقيق العدالة سببها تدخلات الولايات المتحدة، وفى رصيدها أكثر من ٤٥ حق نقض “فيتو ” استخدمته الإدارات الأمريكية المتعاقبة في مجلس الأمن لحماية إسرائيل، وهو ما شكل نوعًا من أنواع الحصانة والإفلات من العقاب المشجع لإسرائيل على استمرار انتهاكها لحقوق الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى