السودان

الاستثمار في الثروات الزراعية بوابة السودان الأولى نحو النهوض

على مدار اليومين 17 و18 من مايو 2021 يجتمع قادة أوروبا وأفريقيا بباريس، في مؤتمر هو الاول من نوعه منذ انطلاق ثورة الشباب السوداني في أواخر عام 2018. ويأتي هذا الحدث المهم بهدف مؤازرة ودعم دولة السودان الشقيقة خلال الفترة الانتقالية التي تعيشها حاليًا، لتركز فاعليات المؤتمر على دعم الاقتصاد الوطني السوداني من خلال محورين؛ أولهما التصرف في الديون المتأخرة على السودان والتي تفوق قيمتها 60 مليار دولار. وثانيهما جذب حركة الاستثمار الأجنبي للدولة في مجالات مختلفة مثل الطاقة والتعدين والبنية التحتية والموانئ.

ويعد المجال الاستثماري الزراعي من أبرز الملفات المطروحة على طاولة المؤتمر، وذلك للأهمية الاقتصادية التي تتمتع بها البيئة الزراعية داخل المجتمع السوداني، فـ 38% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة السودانية قائم على الزراعة، وتمثل المنتجات الزراعية 80% من جملة صادرات البلاد غير البترولية إلى العالم الخارجي، بالإضافة إلى ذلك يعتمد أكثر من 80% من سكان البلاد على النشاط الزراعي كمصدر للعمل وكسب العيش. 

مقومات زراعية استثنائية

تتميز البيئة الطبيعية لدولة السودان بأنها صالحة لنشاطي الزراعة والرعي في العديد المناطق، فوفقًا لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO, هناك مساحة من الأرض السودانية تبلغ في حجمها 68 مليون هكتار وهي قابلة للاستخدام في الأعمال الزراعية. وهناك 19 مليون هكتار أخرى من الغابات التي يمكن استغلالها في الرعي المفتوح لقطعان الماشية، ويمثل مجموع تلك الأرضي الزراعية والرعوية ما نسبته 47% من إجمالي مساحة دولة السودان والتي قدر إجماليها في عام 2016م بأكثر من 185 مليون هكتار.

وتتميز أراضي النشاط الزراعي والرعوي في السودان بالتنوع الكبير في طبيعة التربة, وهو ما يجعلها قابلة لإنتاج أنواع مختلفة من المزروعات, ويساعد على تقبلها لفصائل مختلفة من الماشية بدون إحداث أضرار جسيمة لخواصها الطبيعية, ففي الشمال والشمال الغربي من البلاد توجد الأرض ذات الطبيعة الصحراوية والتي تستخدم بالأساس في زراعة المحاصيل المقاومة للجفاف وعلى رأسها السمسم وهو أهم منتج تصديري لدى البلاد. وتستخدم تلك الأراضي في رعي قطعان الإبل التي يبلغ حجم التصدير السنوي منها أكثر من 200,000 رأس، فيما تتميز مناطق وسط وشرق السودان بتربتها الطينية الغنية والتي تساعد على زراعة المحاصيل المجهدة للتربة مثل القطن والذرة.

أما المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية فتتميز بالوفرة الشديدة للموارد المائية بها، فإلى جانب خصوبتها التي تماثل مناطق الوسط والشرق من البلاد، فإنها تتميز أيضًا بهطول الأمطار الموسمية بمستوى ارتفاع يفوق في متوسطه 900 ملي متر سنويًا، وهو ما يساعد على زراعة محاصيل تصديرية مهمة مثل البن والشاي والفواكه. وكذلك فإن وفرة المياه بها تساعد على خلق مناطق عشبية غنية، وهو ما يوفر المراعي الملائمة للمواشي كبيرة الحجم كالأبقار. 

وإلى جانب ما سبق توجد أراضي منطقة جبل مرة غرب البلاد، والتي تمتاز دون سواها من أراضي السودان بوجود مناخ شبيه بمناخ البحر المتوسط، وهو ما يساعد على زراعة أنواع محددة من الفواكه مثل التفاح والفراولة. وتوجد أيضًا أراضٍ سهلية واقعة على المنطقة الشرقية بجوار ساحل البحر الأحمر، وتوفر تلك الأراضي مساحات واسعة لرعي الماشية في فصل الشتاء.

تاريخ عريق من العمل الزراعي

تعد الزراعة أحد الأعمدة التي قامت عليها حضارة السودان القديم في عهد المملكتين النوبية الكوشية والنوبية المسيحية, وكانت الزراعة سببًا في استتباب تاريخ السودان بعد الفتح الإسلامي لها في عام 31 هجريًا, لكن ملف الزراعة في السودان شهد دفعة قوية خلال فترة الحكم المصري لتلك البلاد, ففي عام 1867م بدأت الحكومة المصرية في تشييد مشروع دلتا طوكر الزراعي بالمنطقة الشرقية من البلاد جنوب بورت سودان, التي تعد أحد اخصب الأراضي في كل قارة أفريقيا. ولقد كان القطن أول المحاصيل المنتجة بالمشروع، ويعتبر مشروع دلتا طوكر واحد من أنجح المشروعات الزراعية بالسودان حتي يومنا هذا نظرًا لاعتماده على الزراعة العضوية التي تجد قابلية للتصدير بالأسواق الخارجية، كما تتميز أرض المشروع بقربها الشديد من موانئ بورت سودان، وهو ما يسهل عمليات نقل المنتجات الزراعية إلى العالم الخارجي عن طريق البحر.  

مشروع الجزيرة الزراعي كان ثاني المشروعات الزراعية الكبرى بالبلاد، حيث بدأ العمل عليه في 1911، ولقد شهد المشروع توسعًا على مدار العقدين التاليين لتبلغ مساحته الكلية قرابة المليون فدان وهو ما جعله في حينها أكبر مزرعة في العالم، ولقد كان ذلك المشروع بمثابة العمود الفقري للاقتصاد السوداني، حيث ركز مشروع الجزيرة على زراعة المحاصيل الاقتصادية التصديرية ذات القيمة العالية مثل القطن. وقامت سلطات الحكم في ذلك الوقت بتعمير مشروع دلتا القاش والذي كان يقع في حينها على مساحة 18,000 فدان، فاعتمد ذلك المشروع على فكرة الري المنظم لأرض الزراعية، وهو ما جعله قابل لزراعة محاصيل مثل القطن والذرة ومختلف أنواع الخضروات.

في عهد الجمهورية استمرت مجهودات تشييد المشروعات الزراعية على نفس المنوال, ولقد كانت البداية في عام 1958م بتأسيس مشروع وادي الحلفا الجديد بجنوب شرق السودان والذي أقيم على مساحة 400,000 فدان, وينتج ذلك المشروع مجموعة من الغلال الاستراتيجية مثل القمح والذرة الرفيعة إضافة إلى عدد كبير من الخضر والفواكه, وقامت الدولة بتأسيس مشروع السوكي الزراعي بولاية سنار في عام 1970م وذلك لتحقيق التقدم الاقتصادي بتلك المنطقة, حيث خطط المشروع في حينها ليكون على مساحة 120,000 فدان, ولقد اهتم المنتجون في تلك المنطقة بإنتاج المحاصيل النقدية التي تناسب المناخ المداري السائد مثل القطن طويل التيلة والفول السوداني, ويهتم المشروع أيضًا بتربية الماشية اعتمادا على ما يتوفر من الحشائش والأعشاب الطبيعية التي تنبت في المنطقة طوال العام.

ولقد أقامت الحكومة السودانية في عام 1970 مشروع الرهد الزراعي في المنطقة الواقع بين ولايتي الجزيرة والقضارف على مساحة 300,000 فدان، وتعد أرض المشروع من أكثر الأرضي خصوبة بالسودان لذلك يزرع به مجموعة من المحاصيل الاستراتيجية بالإضافة إلى المحاصيل الاستهلاكية لتغطية الحاجة المحلية.

مستقبل زراعي واعد

حُرم السودان خلال العقود الماضية من إمكانية استغلال وتطوير ثرواته الزراعية بسبب العقوبات الدولية التي فرضت على البلاد إبان حكم نظام الرئيس السابق عمر البشير. وكانت البيروقراطية والفساد المستشريان في أجهزة الدولة سببًا في إحجام المستثمرين الدوليين عن الدخول للسوق السوداني، لكن السودان بعد ثورة ديسمبر 2018 يتوجه ناحية المستقبل بخطي واثقة، ويفتح ذراعيه للمستثمرين من أجل الانخراط بمجهوداتهم وأموالهم في هذا القطاع الرئيس من الاقتصاد السوداني.

وتعد المحاصيل الاستراتيجية من أكثر أنواع المزروعات التي يحتاج السودان إلى زيادة حجمها خاصة محصول القمح، فعلى الرغم من توافر المياه المطلوبة للزراعة وتوفر الأرض الخصبة، إلا أن السودان ما زال يعاني من نقص في ذلك النوع من الحبوب، إذ يستورد السودان سنويًا أكثر من 2 مليون طن من القمح، وهو ما يكبد الخزانة العامة للدولة أكثر من مليار دولار، في حين أن البلاد لا تنتج سوي 750 ألف طن القمح. ويستورد السودان أيضًا أكثر من 80% من احتياجاته السنوية من الذرة والأرز.

ولحل تلك المشكلة التي تتمثل في وجود فجوة بين إنتاج واستهلاك المحاصيل الاستراتيجية, سعت حكومة الدكتور عبدالله حمدوك خلال السنوات الماضية إلى تعديل مناخ الاستثمار الزراعي من خلال تعديل القوانين القديمة المعرقلة لحركة المستثمرين, وتدشين خطط مدروسة لجذب الاستثمارات الزراعية خاصة العربية منها, وهو ما لاقى بالفعل قدرًا من القبول لدي الدول الصديقة والشقيقة للسودان, فأبدى عدد من الدول خلال العام الماضي الرغبة في تطوير المشروعات الزراعية الكبرى في البلاد والتي تأثرت بشدة خلال فترة حكم نظام البشير, فيما ينتظر خلال السنة الحالية 2021 أن تتوافد العشرات من الاستثمارات الزراعية الجديدة على السودان, خاصة بعد الحركة الديبلوماسية النشطة التي تنفذها الحكومة السودانية بمساندة الأشقاء والأصدقاء الدوليين وفي مقدمتهم مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى