السودانسياسة

قمة باريس لدعم السودان: دوافع الحضور المصري ورهانات الأطراف المشاركة

للمرة الأولى منذ إجراءات الإغلاق لمواجهة تداعيات جائحة كورونا، تستضيف العاصمة الفرنسية باريس فعاليتين كبيرتين؛ هما مؤتمر باريس لدعم المرحلة الانتقالية في السودان، وقمة تمويل الاقتصاديات الأفريقية، اللذين يكتسبان أهميتهما من طبيعة موضوعاتهما والتوقيت الزمني لانعقادهما في ظل متغيرات صحية وإقليمية وإفريقية وسودانية دقيقة. وهما يمثلان وفاءً لوعود أوروبية بدعم القارة الإفريقية تأخرت كثيرًا بفعل تداعيات أزمة كورونا. وعلى مدار يومي 17 و18 مايو يلتقي قادة العديد من الدول الأفريقية والأوروبية والعربية ومسؤولين من المؤسسات الدولية لبحث سبل دعم السودان ودفع الشراكة الاقتصادية مع القارة السمراء.

حسابات المشاركة المصرية

قَبِل الرئيس السيسي دعوة نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون للمشاركة في القمتين الخاصتين بأفريقيا، وترتبط الدعوة والاستجابة بحسابات دقيقة لطرفيها، نستعرضها على النحو التالي:

• الرؤية المتطابقة لقضايا القارة: تدرك باريس أهمية الشراكة والتنسيق مع القاهرة بخصوص القضايا الأفريقية، انطلاقًا من ثقل الأخيرة بالقارة وحرصها على دعم جهود الأمن والاستقرار والنمو الاقتصادي وتحسين الأوضاع المعيشية لشعوبها، وقد طرح البلدان فكرة “التعاون الثلاثي” لتنمية أفريقيا وتنفيذ مشروعات بها، وهو ما عبر عنه السفير المصري بباريس علاء يوسف في تصريحات للصحفيين قال فيها إنه “يجرى حاليًا بحث إمكانية تنفيذ مشروعات مشتركة بعدد من الدول الأفريقية”.

ويشترك البلدان في وجهتي نظريهما تجاه قضايا الاستقرار والأمن ودعم التنمية الاقتصادية بالقارة السمراء، وقد ظهر ذلك جليًا في الأزمة الليبية؛ إذ اتفقا على ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة واستعادة الاستقرار وخروج القوات الأجنبية والميليشيات الإرهابية، واتخاذ الحل السياسي سبيلًا وحيدًا للتسوية عبر إجراء الانتخابات في موعدها وصولًا إلى حكومة موحدة تضمن سيادة واستقلال ليبيا. فضلًا عن الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الساحل بالنسبة لكلا الدولتين ومساعيهما للتنسيق والتعاون المشترك أمنيًا وسياسيًا في ضوء متغيرات جديدة مع مقتل الرئيس التشادي أدريس ديبي، وفي ظل مشاركة قوة مصرية ضمن قوات حفظ السلام في مالي. 

• الشراكة المصرية الفرنسية عبر المتوسط: للمرة السادسة يحل الرئيس السيسي ضيفًا على باريس، بما يترجم عمق ومتانة العلاقات الثنائية التي انتقلت إلى شراكة استراتيجية في قضايا التنمية ومكافحة الإرهاب، تتمثل مؤشراتها في حصول مصر على منظومات تسليح جوية وبحرية متقدمة أبرزها 54 طائرة رافال وفرقاطات فريم وجوويند وحاملة المروحيات ميسترال والتدريبات العسكرية، إلى جانب تنفيذ مشروعات فرنسية مختلفة في مجالات النقل والبنية التحتية والتعليم (الجامعة الفرنسية بمصر) والسياحة والصحة خاصة مواجهة فيروس كورونا واللقاحات. ويقدر حجم التجارة بين البلدين بنحو 3 مليارات يورو، وحجم الاستثمارات الفرنسية بمصر 5 مليارات يورو مع وجود أكثر من 165 شركة فرنسية بمصر توفر 350 ألف فرصة عمل.     

ومع مساعي باريس للانخراط في قضايا المنطقة، نظرت للقاهرة كشريك مفيد ومفتاح للحل والاستقرار فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط وأفريقيا بوصفها أكبر بلد عربي وتجيد التعامل مع القضايا الأمنية لدول الجوار، والتقت وجهات نظر البلدين إلى حد التطابق أحيانًا في ملفات شرق المتوسط وليبيا وسوريا والعراق ولبنان والقضية الفلسطينية والتطرف ومكافحة الإرهاب، ما خلق “صفاءً كاملًا” في سماء العلاقات الثنائية ومنح القاهرة بعدًا محوريًا واستراتيجيًا ومقعدًا متقدمًا في السياسة الفرنسية جنوب المتوسط، وبالتالي من المنطقي أن تكون القاهرة أحد المدعوين الرئيسين لاجتماع يتعلق بدولة عربية أفريقية. 

• العودة المصرية لأفريقيا: أولت مصر أهمية خاصة بالقارة ضمن رؤيتها الجديدة عقب ثورة 30 يونيو لصياغة سياسة خارجية متوازنة تراعي مصالحها الاستراتيجية، فانطلقت لإقامة شراكات استراتيجية ثنائية مع العديد من الدول، وشاركت في كافة الفعاليات الأفريقية، وتبنت العديد من المبادرات منها مبادرة “إسكات البنادق” لإنهاء الحروب والنزاعات في القارة، ومبادرة علاج مليون أفريقي من فيروس سي، والبرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب الأفريقي، ومنحة جمال عبد الناصر للقيادة الأفريقية، ومبادرات إعادة الإعمار، ومشروعات البنية التحتية خاصة ما يتعلق بالربط البري أو المائي أو الكهربائي، وغيرها.

بل حرصت مصر على أن تكون صوت أفريقيا في كافة الفاعليات الدولية كقمتي مجموعتي السبع والعشرين، عبر تبني الرؤية الأفريقية للقضايا محل النقاش؛ فقد ركزت كلمات الرئيس السيسي على دعم الأمن والاستقرار ومحاربة الإرهاب، وإقامة مشروعات تنموية مختلفة، وتقديم مساعدات للدول، ومساهمة المجتمع الدولي في مواجهة تداعيات التغيرات المناخية، وتوفير لقاحات فيروس كورونا والمساعدة في التعافي من تداعيات الجائحة.

وقد عبر السفير المصري بباريس عن الدور المصري بقول: “إن إفريقيا تثق بدور مصر التي لا تمتلك أية أجندات خاصة، بل أنها تهدف إلى مد جسور الشراكة والتنمية وتعزيز الصداقة والاستقرار وتحقيق مصالح إفريقيا وإعادة الإعمار بإفريقيا، والشعوب الإفريقية تقدر جهود مصر”.

• العلاقات الاستراتيجية المصرية-السودانية: تحمل المشاركة المصرية في مؤتمر باريس لدعم المرحلة الانتقالية بالسودان رسالة دعم ومساندة للخرطوم، وهي رسالة حرصت القاهرة إلى إيصالها دائمًا بأشكال متعددة عبر احترام خيارات الشعب السوداني ودعم المسار الانتقالي وحشد الدعم الدولي لإحداث تنمية شاملة في السودان ومخاطبة الجهات المانحة كالبنك الدولي وصندوق النقد لإعادة جدولة ديون السودان؟

ويأتي ذلك في ظل انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والأمنية والعسكرية والثقافية والتعليمية والدينية خلال العاميين الأخيرين، منذ سقوط نظام الإنقاذ بقيادة الرئيس السابق عمر البشير في 11 أبريل 2019، بعد فترة من التذبذبات في العلاقات بين البلدين صعودًا وهبوطًا وصفها المحللون بحالة من “المد والجزر”؛ إذ سعت السلطة الانتقالية الجديدة إلى التخلص من إرث سياسة الإنقاذ الخارجية.

وتتحرك كل من الدولتين باتجاه الأخرى انطلاقًا من أن كليهما يمثل امتدادًا حيويًا وعمقًا استراتيجيًا للأمن القومي للثانية، وارتباط مصيرهما بعدد من القضايا المشتركة كمياه النيل ومواجهة الإرهاب والأمن في منطقتي القرن الإفريقي والبحر الأحمر ومكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية وقضايا اللاجئين والنازحين والتنسيق في ملفات ليبيا وجنوب السودان والصومال. وعليه تنظر مصر إلى استقرار على السودان بوصفه عنصرًا هامًا لضمان أمنها على الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي.

• استعادة الدور المصري: تكتسب مصر مصداقية دولية انطلاقًا من ثوابت سياستها الخارجية القائمة على إرساء السلام والأمن والاستقرار، ما يجعلها ضيفًا مرحبًا به في الفاعليات الدولية المختلفة، وزاد على ذلك تجربتها الناجحة والملهمة في تحقيق انتقال سياسي سلمي، وإدارة برنامج إصلاح اقتصادي ناجح، وهزيمة الإرهاب، والتعاطي مع الأزمات الإقليمية والدولية. 

الاعتبارات السودانية والفرنسية لعقد القمة

تحركت باريس باكرًا لدعم عملية الانتقال الديمقراطي في السودان، وقدمت الدعم لهياكل السلطة الانتقالية شملت في جزء منها تقديم 60 مليون يورو مساعدات للسلطات الانتقالية، وعرض المساعدة في إعادة بناء علاقاتها مع مؤسسات الإقراض الدولية وتسوية ديونها الخارجية، والضغط من أجل حذف اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب. وها هي اليوم تستضيف إحدى الفعاليات التي تشكل نقطة فاصلة في تاريخ السودان ونقلة نوعية لجهوده في تخطي الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المركبة، خاصة أن المنظم هي دولة محورية في الاتحاد الأوروبي ذات ثقل إقليمي ودولي.

وتنطلق فرنسا نحو السودان من عدة اعتبارات هامة؛ أولها موقعها الجغرافي الذي يجعلها البوابة الشرقية لمنطقة الساحل التي تعتبرها باريس منطقة نفوذ تاريخية، وامتلاكها حدودًا ممتدة مع دول ذات ثقل إقليمي عربيًا وأفريقيًا كمصر وإثيوبيا، وامتداد حدودها إلى دول مضطربة سياسيًا وأمنيًا كليبيا وتشاد.  وثانيها، اعتبار تجربة الشراكة العسكرية-المدنية التي يمثلها عبد الفتاح البرهان وعبد الله حمدوك نموذجًا جيدًا يُمكن الاقتداء به في عمليات الانتقال الديمقراطي بالقارة –تركز باريس على تشاد بدرجة كبيرة حيث تولى المجلس العسكري برئاسة نجل إدريس ديبي السلطة -وهو ما يؤكده حرص باريس على دعوة قطبي السياسة السودانيين. وثالثها، محاولة باريس استعادة علاقاتها الأفريقية الوثيقة بعدما تراجعت إلى حد كبير في عملها الأفريقي ولم تعد ضمن أكبر 5 مستثمرين في القارة.

أما على الصعيد السوداني فذهنية المسؤول المشارك في القمة تركز على هدفين رئيسين، الأول الاندماج الدولي، من خلال إعادة تقديم نفسه إلى المجتمع الدولي كدولة ساعية إلى التنمية والاستقرار والانتقال الكامل إلى الحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان وترسيخ دولة القانون والانخراط الإيجابي والفعَّال في المنظومة الدولية والإقليمية، ونفض صورة الإرهاب التي لحقت به على مدار ثلاثين عامًا، وهو ما عبر عنه البيان الصادر عن المجلس السيادي باعتبار المؤتمر يهدف إلى “التطبيع الكامل للسودان في المجتمع الدولي”، وتأكيد أن السودان بعد خروجه من قائمة الدول الراعية للإرهاب لم يعد معزولًا عن العالم.

والثاني تجاوز الأزمة الاقتصادية العميقة ودعم عوامل الاستقرار السياسي والانتقال الديمقراطي، فقد أشعلت الأزمة الاقتصادية الشرارة الأولى للانتفاضة الشعبية ضد البشير، وبالتالي سيكون مدى نجاح التفاعل معها وقطع خطوات جادة نحو التخفيف من آثارها وتداعياتها على المواطن السوداني أحد العوامل الأساسية في تقييم أداء الحكومة الانتقالية. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، شهد السودان تدهورًا اقتصاديًا حادًا مع تضاعف الفقر وبلوغ معدل التضخم إلى أكثر من 300% ونقص السلع الأساسية مثل الوقود والكهرباء والأدوية وانقطاع التيار الكهربائي، وقد تفاقمت هذه التحديات بسبب جائحة كورونا.

وعليه، انطلقت الخرطوم نحو خطوات جادة للإصلاح الاقتصادي شملت إدخال تعديلات جوهرية على قانون الاستثمار لتيسير الإجراءات وتحفيز المستثمرين، وتسوية متأخراته مع بنك التنمية الأفريقي (413 مليون دولار) والبنك الدولي (مليار و100 مليون دولار)، بما أتاح له الوصول إلى تمويل بملياري دولار، وإلغاء دعم الوقود الذي كان يشجع على التهريب واستنزاف الميزانية وارتفاع التضخم، وتحرير سعر الصرف بما قلص نطاق الفساد وفتح الباب أمام تحويلات المساعدات الدولية وشجع السودانيين في الخارج على البدء في توجيه تحويلاتهم عبر النظام المصرفي الرسمي، مما يساهم في تكوين احتياطيات النقد الأجنبي في البلاد.

إلى جانب زيادة تعريفة الكهرباء، وتحسين الشفافية من خلال نشر المزيد من البيانات الاقتصادية، بما في ذلك أسماء 600 شركة مملوكة للدولة، وإخضاع الشركات المملوكة للجيش المنخرطة في الأنشطة المدنية لإشراف وزارة المالية، وسن قوانين بشأن الاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص وإنشاء لجنة لمكافحة الفساد، واتباع النظام المصرفي المتعارف عليه.

وامتدادًا لتلك الجهود تكتسب قمة باريس أهمية كبيرة بالنسبة للخرطوم في ملفين: الأول هو إعادة تقديم نفسها لمجتمع الأعمال العالمي كوجهة استثمارية واعدة وغنية بمواردها حيث ستعرض الوفد السوداني الفرص الكامنة للاستثمار في قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية الطاقة والتعدين والبنية التحتية والتحول الرقمي وغيرها لخلق فرص عمل وتحريك عجلة الإنتاج. 

والثاني يتعلق بتخفيف أعباء الديون الخارجية المقدرة بـ 60 مليار دولار وحوالي 12% منها مستحقة لأعضاء نادي باريس. وقد وعدت فرنسا بتوفير 1.4 مليار دولار لدفع الديون المستحقة لصندوق النقد الدولي مثلما فعلت الولايات المتحدة إزاء البنك الدولية وبريطانيا إزاء بنك التنمية الأفريقي. وإذا سدد السودان متأخراته للمؤسسات المالية الدولية، يمكنه الاستفادة من الإعفاء الذي تقدمه مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون “هيبيك”، وبعد ذلك من المحتمل أن يستغرق الأمر سنتين أو ثلاث سنوات للوصول إلى الإعفاء الكامل من الديون. وهذا من شأنه أن يمكّن السودان من تصفية جميع ديونه الخارجية تقريبًا والوصول إلى تمويل واسع النطاق للبنية التحتية والإنفاق الاجتماعي.ختامًا، تشكل قمة باريس من أجل دعم المرحلة الانتقالية السودانية فرصة لعودة السودان إلى المجتمع الدولي، والحصول على دعمه في المسار الانتقالي وانتشال الاقتصاد من أزمته من خلال جذب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية المباشرة وتخفيف عبء الديون، بما يساهم في تحقيق النمو الاقتصادي وتحقيق الاستقرار السياسي وتهيئة الأجواء لانتقال ديمقراطي سلمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى