أفريقيا

التوجه الفرنسي نحو أفريقيا بين دعم الاستقرار ومواجهة تداعيات الجائحة

يستقبل الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” عددًا من القادة الأفارقة ورؤساء المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتهم صندوق النقد الدولي، والبنك الأفريقي للتنمية للمشاركة في أعمال “مؤتمر دعم المرحلة الانتقالية في السودان”، و”قمة تمويل الاقتصاديات الأفريقية” اللذين ينعقدان يومي 17 و18 مايو 2021، بهدف دعم المرحلة الانتقالية للحكومة السودانية بقيادة “عبد الله حمدوك”، والتفاوض بشأن الديون المتأخرة على السودان، ومساندة الدول الأفريقية لمواجهة تداعيات أزمة الفيروس التاجي “كوفيد-19” التي انعكست بشكل سلبي على كافة الأصعدة، في محاولة لتسوية أزمة التمويل الناجمة عن الجائحة التي تقدر بنحو 300 مليار دولار.  

ومن بين الذين يحضرون المؤتمر والقمة الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” تلبية لدعوة من الرئيس “ماكرون”، لتكون بذلك الزيارة الخامسة للرئيس المصري منذ توليه السلطة في عام 2014، وذلك في سياق العلاقات التاريخية والروابط الوثيقة بين الجانبين، والدور الجيواستراتيجي لمصر في الإقليم، وجهودها في تعزيز الاستقرار وتسوية الأزمات المتلاحقة في إطار مجالها الحيوي.

وقد أوضح المتحدث باسم الرئاسة المصرية أن الرئيس “السيسي” سيركز خلال المؤتمر على الجهود المصرية لمساندة السودان على كافة الأصعدة، داعيًا المجتمع الدولي لدعم المسار الانتقالي خلال هذه المرحلة المهمة. أما فيما يتعلق بالقمة سيتطرق الرئيس إلى عدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك مع الدول الأفريقية، علاوة على آليات مواجهة تداعيات جائحة كورونا عليهم، مع ضرورة تعزيز الجهود لتسهيل عملية اندماجها في الاقتصاد العالمي، وآليات جذب الاستثمار الأجنبي إليها، ونقل التكنولوجيا للدول الأفريقية. 

والجدير بالذكر أن زيارة الرئيس “السيسي” عقد قمة مع الرئيس “ماكرون” إبان الزيارة لبحث سبل التعاون بين الجانبين، والملفات ذات الاهتمام المشترك، التي تتمثل أبرزها في الأوضاع في سوريا وليبيا وشرق المتوسط، ومستجدات القضية الفلسطينية. وكذا، من المقرر عقد مجموعة من اللقاءات مع المسؤولين الفرنسيين، ورؤساء بعض الشركات الفرنسية العالمية، والاجتماع مع عدد من رؤساء الدول والحكومات على هامش الزيارة لتوثيق سبل التعاون الثنائي.

دلالات الدعم الفرنسي للسودان

يأتي استضافة باريس للمؤتمر دعم السودان ودمجها في النظام العالمي مرة ثانية بعد ثلاثة عقود من العزلة والقطيعة، في إطار استمرار الجهود الفرنسية لمساندة مسار التحول الديمقراطي في البلاد منذ الإطاحة بالنظام السابق؛ حيث أعلنت دعمها للسودان الجديد في سياق المرحلة الانتقالية التي تشهدها، داعيةً استمرار الحوار بين جميع الأطراف السودانية تجنبًا لإثارة الفوضى والعنف. ومع تولي الدكتور “عبد الله حمدوك” رئاسة الحكومة في أغسطس 2019، قام وزير الخارجية الفرنسي بزيارة الخرطوم لتشاور حول عدد من الملفات المشتركة لتعزيز التعاون في المستقبل. وتعتبر فرنسا من أول الدولة الأوروبية التي ترغب في تقديم الدعم للحكومة الجديدة. 

كما استندت تحركات فرنسا تجاه السودان على دعم مطالب الشعب، والحفاظ على وحدة وسيادة أراضيه من أي فوضى محتملة تكاد تعصف بالبلاد، تمهيدًا لعودة الاستقرار السياسي في البلاد، وتخوفًا من تكرار السيناريو الليبي والسوري وتداعياته التي أسفرت عن تنامي الفاعلين الدوليين على أراضيهم في إطار التنافس على مناطق النفوذ، الأمر الذي أدى إلى تعقد المشهد السياسي وانقسام الأطراف الداخلية حول التسوية بشكل سلمي، وتزايد موجات اللاجئين والمهاجرين وتدفقهم نحو أوروبا هربًا من ويلات الحرب، مع احتمالية ظهور أجيال جديدة من المتطرفين، مما سيؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار داخل الإقليم الأوروبي الذي مازال يعاني حتى الآن  من الانقسام حول إدارة ملف الهجرة، فضلًا عن تعرضهم لمزيد من الهجمات الإرهابية التي جاءت بعضها كرد فعل لمشاركتهم في التحالف الدولي ضد التنظيمات الإرهابية في المنطقة.

 هذا بجانب الأهمية الجيواستراتيجية للسودان في محيطه الجغرافي، ومركزيته في منطقة شرق أفريقيا بشكل عام، وخاصة بعد أن أعلنت روسيا تدشين قاعدة بحرية لها، وهو ما قد يشير إلى زيادة النفوذ الروسي في المنطقة، وقد يكون له تأثير على المصالح الفرنسية في السودان في المرحلة المُقبلة، علاوة على أن السودان يعد شريكًا تجاريًا لفرنسا؛ فقد بلغت قيمة التبادلات التجارية بين الجانبين 126 مليون يورو عام 2018، لذلك ترغب باريس في دمجه في الاقتصاد العالمي لزيادة استثماراتها فيه.

فيما يُعد المؤتمر بمثابة رسالة دعم من فرنسا إلى الدول التي ترغب في انتهاج مسار التحول الديمقراطي، وتجلى في محاولة باريس تخفيف حدة أعباء الديون على السودان والتي تقدر بأكثر من 60 مليار دولار، وذلك بعد أن تم شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في ديسمبر 2020. وبالفعل فقد أعلن “برونو لومير” وزير الاقتصاد الفرنسي بأن “فرنسا ستقرض السودان مبلغ 1,5 مليار دولار لتسديد متأخراته من الديون لصندوق النقد الدولي في إطار دعم باريس لإنعاش اقتصادات الدول الأفريقية المتعثرة”. 

نهج استباقي

من المقرر أن تستضيف فرنسا “قمة تمويل الاقتصادات الأفريقية” بناءً على مبادرة الرئيس “ماكرون” لإنعاش الاقتصاد الأفريقي، وعودة معدلات النمو الاقتصادي إلى مسارها الطبيعي، وذلك بعد أن نشر عدد من القادة الأفارقة الأوروبيين بيانًا في أبريل عام 2020، يدعون فيه المجتمع الدولي للتصدي للتداعيات التي سببتها الجائحة على الصعيد الاقتصادي والصحي؛ حيث تم دعوتهم لحضور القمة بجانب قادة دول أفريقية أخرى، وأعضاء مجموعة العشرين، ومجموعة السبع، ورؤساء المنظمات الدولية المالية.

وستجمع القمة ما بين القادة الذين سيحضرون بشكل شخصي، والبعض الأخر عبر تقنية الفيديو كونفرانس. وذلك لمناقشة الأزمة المالية في أفريقيا في إطار تداعيات الجائحة المتنامية بعد أن حذر صندوق النقد الدولي في عام 2020 من أن “الاقتصاديات الأفريقية تواجه خطر الدخول في “فجوة مالية” تقدر بنحو 290 مليار دولار بحلول عام 2023″. 

وبالرغم من المحاولات الدولية لمواجهة ذلك والتي تجسدت في تعليق سداد 5.7 مليار يورو من قبل 50 دولة بعد أن تم منح الوقف الاختياري لخدمة الديون، الذي أقرته مجموعة العشرين ومجموعة الدول الدائنة في أبريل 2020، علاوة على إقناع مجموعة العشرين الصين والدائنين من القطاع الخاص بالمشاركة في المفاوضات المستقبلية المتعلقة بالديون، ومحاولات صندوق النقد الدولي باتخاذ تدابير جديدة متعلقة بحقوق السحب الخاص في المرة المقبلة، إلا أن ذلك لن يكون كافيًا. وهو ما أشار إليه الرئيس “ماكرون” مُحذرًا من مخاطر عدم التحرك، والتي ستساهم في تراجع الفرص الاقتصادية، وتنامي موجات الهجرة، بما في ذلك توسع نطاق الإرهاب، قائلًا: “نحن بشكل جماعي في عملية التخلي عن إفريقيا للحلول التي تعود إلى الستينيات”، داعيًا إلى “صفقة جديدة” جريئة لأفريقيا. مقترحًا “بيع ذهب صندوق النقد الدولي لتمويل قروض بدون فائدة للبلدان الأفريقية”. 

ولم يتوقف الدعم الفرنسي عند هذا الحد، فقد سبق وأن دعا الرئيس “ماكرون” خلال اجتماع مجموعة الدول السبع في فبراير 2021، الدول الغربية لتقديم 13 مليون جرعة من اللقاحات المضادة لكوفيد-19 إلى الدول الأفريقية كاستجابة سريعة للحد من تفشي الجائحة، مُعتبرًا أن التخلي عن الدول الفقيرة أمر “غير معقول”. كما صرح خلال مقابلة صحفية مع “فانيانشال تايمز” أن “تنقل الدول الغنية ما بين 3 إلى 5% من لقاحات “كوفيد-19″ الموجودة لديها إلى الدول الأفريقية، الأمر الذي سينعكس على مصلحة الفرنسيين والأوروبيين، لكون هناك أكثر من 10 مليون مواطن لديهم عائلات على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسّط”.

ويُذكر أن القادة الأفارقة حثوا صندوق النقد الدولي على “إصدار حقوق سحب خاصة للدول الأفريقية قابلة للتحويل إلى عملات عالمية مثل الدولار أو اليورو أو الين، لتزويدها بالسيولة الضرورية لشراء المنتجات الأساسية والمعدات الطبية الأساسية”، كما دعوا إلى الوقف الفوري لجميع الديون الخارجية حتى نهاية الوباء. ختامًا: تسعى فرنسا بقيادة الرئيس “إيمانويل ماكرون” إلى تعزيز نفوذها في أفريقيا من خلال التدخل في الأزمات المثارة مرتكزة على آليات التسوية السياسية، وتقديم المنح والمساعدات المالية، لمعالجة التحديات والمخاطر التي تواجه الدول الأفريقية في إطار تنامي تداعيات “كوفيد” لخلق موطئ قدم لها بعيدًا عن التاريخ الاستعماري، لاستعادة مكانتها الدولية بوصفها فاعلًا بارزًا، وإعادة الانتشار في المنطقة بشكل قوي، علاوة على سعيها في ربط تفاعلات المنطقة واستقرارها بالأمن الأوروبي، فضلًا عن رغبة الرئيس “ماكرون” في دعم شرعيته الداخلية بالتزامن مع اقتراب مع الانتخابات الرئاسية بحلول عام 2022.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى