السودان

عراقيل أمام وضع الاقتصاد السوداني على مسار النمو

استضافت فرنسا اليوم مؤتمر “باريس” لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان الذي يهدف إلى تعميق اندماج السودان مع المجتمع الدولي واستعراض الإصلاحات التي تقوم بها حكومة السودان من أجل إبراز فرص الاستثمار في السودان في القطاعين العام والخاص. وتسعى الخرطوم خلال أعمال المؤتمر إلى تقديم خطة اقتصادية تنموية بقيمة 15 مليار دولار، تهدف لإعادة البلاد على مسار النمو، وخفض نسب التضخم وزيادة قيمة العملة المحلية أمام النقد الأجنبي، وخفض نسب الفقر والتضخم وإقامة مشاريع استثمارية.

وينقسم المؤتمر إلى 3 جلسات، الأولى حول “السودان الجديد” والثانية تستعرض “الإصلاحات الاقتصادية وبيئة الأعمال”، فيما تناقش الجلسة الثالثة “موائد مستديرة” الفرص الاستثمارية المتاحة في قطاعات البنية التحتية والزراعة، والطاقة والتعدين وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

ويبحث المؤتمر بشكل أساسي إمكانية إزالة أعباء الدين الخارجي للسودان البالغة 60 مليار دولار، بشكل كلي أو جزئي، وتسديد متأخرات البلاد للبنك الدولي التي تبلغ مليارًا و100 مليون دولار، وتلك الخاصة ببنك التنمية الإفريقي والتي تصل 413 مليون دولار. 

وفي هذا الإطار، يستهدف المقال استعراض أبرز التحديات الاقتصادية التي تعرقل جهود التنمية في السودان، مع تحليل أهم الأسباب التي ساهمت في تفاقم الوضع الاقتصادي في البلاد وتدهور علاقاتها الاقتصادية الخارجية مع المجتمع الدولي.

التحديات الاقتصادية في السودان

يعاني السودان من ارتفاع الدين العام كقيمة إجمالية وكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن قفزات متتالية في معدل التضخم بالتوازي مع تدهور قيمة العملة الوطنية مما أسفر عن انكماش الاقتصاد المحلي بشكل ملحوظ، وهو ما يُمكن توضيحه على النحو الآتي:

  1. معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي:

يتضح من الشكل التالي أن نمو الاقتصاد السوداني سجل أدنى مستوياته خلال عام 2012 عند 17-% ليتعافى بعد ذلك حتى عام 2017، ليشهد بعد ذلك انكماشًا بنحو 2.3% خلال 2018 و2.5% خلال 2019.

https://lh4.googleusercontent.com/Ndti7IF8brqnJvZJ6xbgxlcMQEJYt3f05MdDW38hWmJAIh4fiFuAqH8ReRSZb0jz9ZsoUGRaBN88NOUzYJgExOpyu3QqDf3rQkDdL7GoND7OsQBTFinzD7UNsSHu0-OTFhljTV4

الشكل (1): نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي Source: Knoema, Sudan – Gross domestic product in constant prices growth rate.

  1. الدين الخارجي:

تبلغ نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي في السودان 295.2‬%، في حين وصلت نسبة الدين الخارجي لإجمالي الناتج المحلي إلى ما يتجاوز 100%، وهو ما يُمكن إيضاحه من الرسم التالي:

الشكل (2): إجمالي الدين الخارجي ونسبته للناتج المحلي، المصدر: بنك السودان المركزي، التقرير الاقتصادي السنوي.

يتضح من الشكل السابق ارتفاع نسبة الدين الخارجي من إجمالي الناتج المحلي إلى 145.8% بحلول 2019 مقارنة مع 59% خلال 2010 بنسبة زيادة قدرها 86.8%، في حين صعدت قيمة الدين الخارجي من 37.8 مليار دولار في 2010 مسجلة 51.2 مليار دولار بحلول 2019، وهو ما يمثل زيادة بنحو 35.4% خلال الفترة محل الدراسة. وبهذا تعتبر السودان من الدول الأكثر مديونية حول العالم.

  1. الاحتياطي النقدي:

يعاني السودان من تآكل قيمة الاحتياطي النقدي وهذا ما يمثل خطرًا على الاقتصاد في ظل اعتماد البلاد على الواردات في تأمين احتياجاتها الأساسية وارتفاع قيمة الدين الخارجي بالإضافة إلى تدهور قيمة العملة الوطنية (الجنيه السوداني). 

وقد تضرر الاقتصاد السوداني بشدة عندما انفصل جنوب البلاد عام 2011، مما كلفه ثلاثة أرباع إنتاجه النفطي، وهو مصدر مهم للعملة الأجنبية. وأعلن البنك المركزي السوداني في بداية عام 2020 أن احتياطي النقد الأجنبي لديه ما يكفي حاجة البلاد من الاستيراد لمدة تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة، وذلك مع تفاقم وضع الديون الخارجية واعتماد الدولة على الاستيراد مع تضييق الخناق على إمكانية نفاذ صادرتها للخارج وعدم استخدام القنوات الرسمية لتحويلات العاملين في الخارج، فضلًا عن تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وهو ما يُمكن إيضاحه من الشكل التالي:

https://lh5.googleusercontent.com/eIh_94qOdJokOUkNGoqnxelcsHR3eFiMTLmoo9rpHdvpTH6OZR1p48Qw_3FcfnvGmFdPdEpoKAkwGJGweT_azlxVzuqvDse8EAqO9hcJTPMj7kbh6V_t6fqEOcFidFUs8986pS4

الشكل (3): تطور الاحتياطي النقدي –متضمنًا الذهب- (مليار دولار)Source: Knoema, Sudan – Total international reserves including gold in current prices.

وكذا، تدهور الاحتياطي النقدي –متضمنًا الذهب- للسودان منذ عام 2010 وحتى 2017 –وفقًا للبيانات المتاحة- بنحو 82.8%، حيث انخفض من 1.036 مليار دولار في 2010 حتى 178 مليون دولار في 2017.

  1. سعر الصرف:

فقد الجنيه السوداني فقد 95.3% من قيمته أمام الدولار خلال خمس سنوات، وهو ما دفع البنك المركزي فبراير الماضي إلى خفض سعر صرف الجنيه السوداني أمام الدولار بنحو 700% من 55 جنيهًا إلى 375 جنيهًا من أجل القضاء على الفجوة الموجودة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في السوق الموازي، وبهدف تجاوز أزمة اقتصادية مُقعدة والحصول على إعفاء دولي من الدين. وفيما يلي يتضح تأثير هذا القرار إلى سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار.

الشكل (4): سعر صرف الجنيه السوداني في السوق الرسمي

  1. التضخم:

يتسم معدل التضخم في السودان بالارتفاع المستمر بشكل مطرد، وأرجع الجهاز المركزي للإحصاء ارتفاع التضخم إلى زيادات في جميع مكونات مجموعة الغذاء والمشروبات، خصوصًا أسعار الخبز والحبوب واللحوم والزيوت والبقوليات والسكر، إضافة إلى زيادات بالأسعار في مجموعتي السكن والنقل. وهو ما يتضح من الرسم التالي.

الشكل (5): تطور معدل التضخم شهريًا، المصدر: بنك السودان المركزي النشرة الاقتصادية الشهرية.

من الشكل السابق يتضح أن معدل التضخم سجل اتجاهًا تصاعديًا مستمرًا منذ ديسمبر 2019 وحتى يناير 2021 ليصل إلى أعلى مستوياته عند 304.3% مع توقعات باستمرار هذا الارتفاع عقب خفض سعر الصرف.

جذور الأزمة الاقتصادية

تأثر الاقتصاد السوداني بشدة خلال السنوات الأخيرة بسبب العديد من العوامل التي يرتكز أهمها على فرض العقوبات الأمريكية التي بدأت عام 1993 عندما قررت واشنطن إدراج الخرطوم في قائمة الدول الراعية للإرهاب نظرًا لاستضافة الأخيرة لزعيم تنظيم القاعدة حينذاك “أسامة بن لادن” قبل أن يغادر البلاد عام 1996 بضغوط أمريكية.  وفي نوفمبر 1997، أصدر الرئيس الأسبق “بيل كلينتون” قرارًا تنفيذيا -تحت مبرر دعمه للإرهاب الدولي- بفرض عقوبات مالية وتجارية على السودان، تم بموجبها تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية للخرطوم، كما ألزمت واشنطن الشركات والمؤسسات الأمريكية بعدم الاستثمار في السودان أو القيام بأي نشاط اقتصادي معها.

ومع تولي الرئيس “دونالد ترامب” إدارة البيت الأبيض، بدأ ملف رفع العقوبات وإزالة السودان من قائمة الإرهاب يتحرك بسرعة أكبر من ذي قبل؛ إذ أعلن رفع بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على الخرطوم، وبالتزامن مع التغييرات التي حدثت في السودان وإسقاط نظام البشير -الذي كانت تعتبره واشنطن عائقًا أمام السلام- قررت واشنطن في ديسمبر 2019 شطب السودان من لائحتها السوداء الخاصة بحرية المعتقد. وقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو”، في الرابع عشر من ديسمبر 2020، أن واشنطن قررت رفع اسم السودان رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وذلك بعد سبعة وعشرين عامًا على وضعها في تلك القائمة.

وفضلًا عن العقوبات التي عزلت السودان عالميًا، عانى الاقتصاد السوداني من تداعيات جائحة كورونا والفيضانات التي تعرض لها البلاد في سبتمبر الماضي والتي أسفرت عن تدمير البنية التحتية.
وفي الختام، يتبين أن مؤتمر “باريس” أحد الأدوات التي سوف يستخدمها المجتمع الدولي من أجل مساعدة الاقتصاد السوداني على تجاوز التحديات الاقتصادية التي سبق الإشارة إليها والمتمثلة في ارتفاع الدين الخارجي وتهاوي سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى