السودان

عودة السودان: قمة باريس “أهداف ودلالات”

تمثل استضافة “باريس” لمؤتمر دعم السودان والذي بدأ في السابع عشر من مايو 2021، نقطة داعمة وجوهرية نحو عودة الخرطوم للحاضنة الدولية مرة أخرى، ومؤشرًا على إيجابية الخطوات التي اتخذتها الإدارة الانتقالية منذ توليها السلطة، ولعل هذا المؤتمر الذي يأتي تحت رعاية الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” يُحدد خارطة طريقة استثمارية تُعزز من فرص الاستقرار الاقتصادي داخل السودان الذي لطالما كان أحد محركات الحراك الشعبي السوداني.

ولعل جملة الديون البالغة نحو 60 مليار دولار وحالة العجز في السداد بفضل القيود التي كانت مفروضة على السودان على خلفية ممارسات نظام “البشير”، يُشكل عقبة حقيقية نحو استكمال مسار الإصلاح الاقتصادي والسياسي أيضًا، بالرغم من الخطوات الإيجابية الأخرى التي تم اتخاذها خلال المرحلة الانتقالية، ومن ثٌم فإن هذا المؤتمر يُشكل حجر زاوية مهم لإعادة الانخراط مرة أخرى.

أهمية مزدوجة

إن المتأمل لمؤتمر باريس لدعم السودان، يجد أنه يُمثل أهمية مزدوجه سياسية واقتصادية يمكن توضيحها في الآتي:

  1. يُشكل هذا المؤتمر مناخًا ديناميكيًا ونافذة سياسية داعمة لمسار التحرك السوداني خلال تلك المرحلة الحرجة، ومظلة وحاضنة سياسية مهمة لدعم السودان سياسيًا واقتصاديًا، خاصة وأن هذا المؤتمر هو نواة جملة من المؤتمرات الأخرى الرامية لذات الأهداف من بينها التطلع لعقد مؤتمر مماثل في واشنطن خلال عام 2022 وكذلك في طوكيو، وهو بمثابة رواج للسياسات السودانية وللدولة في مرحلة ما بعد “البشير”، وكسر حالة العزلة السياسية والاقتصادية التي كانت مفروض عليها.
  2. واتصالًا بالنقطة السابقة؛ فإن المؤتمر يُعد خطوة نحو إعادة انخراط ودمج السودان في المنظومة الدولية خاصة في أعقاب النجاحات المختلفة التي حققتها على مستوى السياسة الداخلية، وبالتالي فهو فرصة تسويقية للتطورات المختلفة التي حدثت منذ الإطاحة بنظام البشير.
  3. يُعد مؤتمر باريس منصة مهمة وحيوية للترويج للمجالات المختلفة والمشروعات الحيوية لطرحها كنافذة للاستثمارات الأجنبية في الخرطوم، مما يُعزز معه فرص استقرار الوضع الاقتصادي الداخلي، وقد برز ذلك الاهتمام من جانب الإدارة السودانية عبر إعداد قائمة بــ 18 مشروعًا في مجالات الصناعة والطاقة والزراعة والبنية التحتية والتعدين والموانئ، وبالتالي فهو يُمثل انفراجه كبيرة نحو دعم مسار الإصلاح الاقتصادي والتنمية بكافة صورها. 
  4. يعكس هذا المؤتمر النجاح الملحوظ للسودان في تجاوز التحديات الداخلية وذلك عبر إتمام المصالحة الداخلية والتحرك بخطوات مطردة في عملية التحول الديمقراطي، وهو الأمر الذي يؤكد أن الخرطوم تأهلت بصورة كبيرة للعودة مرة أخري للتفاعل والاندماج مع العالم.

دلالات متباينة

تأتي قمة باريس بالتزامن مع جملة من المتغيرات المحلية والإقليمية يمكن توضيحها في النقاط التالية:

  1. تأتي تلك القمة في أعقاب النجاح الذي حققته الدولة السودانية على الصعيدين السياسي والتشريعي/ القانوني وكذلك الأمني، والذي برز مؤخرًا في إلغاء جملة من القوانين المقيدة للحريات والتي كانت مفروضه إبان حقبة البشير، إلى جانب الإصلاح السياسي والحزبي وإطلاق شراكة مع الجانب المدني لإدارة المشهد الانتقالي، ليس هذا فحسب بل إن النجاح الحقيقي في إقرار المصالحة والسلام الداخلي مع الحركات المسلحة والتي جاء آخرها مع الحركة الشعبية “جناح الحلو” في مارس 2021. 
  2. يتزامن ذلك المؤتمر مع حالة الانفتاح الدولي تجاه السودان والتي جاءت في أعقاب الإجراءات الإصلاحية المتخذة من الجانب السوداني، علاوة على التحولات الدولية والتي جاء أبرزها رفع اسم السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب من واشنطن منذ ديسمبر عام 2020، إضافة إلى التوجه لتطبيع العلاقات مع الجانب الإسرائيلي، مما يُفهم منه خلق علاقات متوازنة مع الأقطاب الإقليمية والدولية المؤثرة.
  3. نتيجة للسابق، فإن القمة تأتي في أعقاب استئناف الدعم من المؤسسات التمويلية الدولية والتي برزت بصورة كبيرة خلال اجتماع المجلس التنفيذي لكل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المنعقد في الثالث والعشرين من مارس، وذلك للنظر في أهلية حصول السودان على تخفيف لأعباء الديون عبر المبادرة الخاصة بالدول الفقيرة والدائنة “هيبيك”، وقد أوصى الاجتماع بأهلية السودان للانخراط ضمن تلك الفئة.
  4. علاوة على السابق؛ فإن المؤتمر يأتي كذلك بعد إجازة البرلمان السوداني المؤقت في أبريل 2021 بإجراء تعديلات جوهرية على قانون الاستثمار والذي يعزز من تيسير الإجراءات ويُشكل حافزًا أمام المستثمرين الأجانب، ولعل هذا القانون راعى الاعتبارات المختلفة التي تتطلبها البنية الاستثمارية وعلى رأسها تفعيل نظام النافذة الواحدة ومعالجة القضايا الخاصة بالأراضي والنزاعات المتعلقة بها. وضمن الاهتمام الفرنسي للدفع بهذا المسار واستعدادات الحكومة لهذا المؤتمر جاءت زيارة المبعوث الفرنسي الخاص للسودان “جان ميشيل ديموند” معبرة عن التعاون الحقيقي بين الجانبين والرغبة الفرنسية في إعادة الحضور في القلب الإفريقي عبر بوابة المساعدات التمويلية والاستثمارية.

هذا إضافة إلى التعديلات القانونية الأخرى المتمثلة في إنهاء الاعتماد على النظام المالي الأحادي والإسلامي والتوجه لنظام مالي مزدج، إلى جانب تدعيم الشراكة بين القطاعيين الخاص والعام، وكلها تُعزز من فرص انخراط الشركات العالمية والمصارف الدولية في السوق المحلي السوداني.

انعكاسات محتملة

تُمثل فرنسا وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي ثاني أكبر الدائنين للسودان بعد الكويت، وبالتالي من شأن هذا المؤتمر أن يساعد الخرطوم في الاستقادة من المبادرات الخاصة بتخفيف أعباء الدين، وبالتالي إسقاط أو جدولة الديون الموقعه على السودان، ويمثل مجالًا لمزيد من التعاون وتقديم المنح المختلفة وهو ما برز من خلال إعتزام فرنسا تقديم قرض “تجسيري” يصل لنحو 1.5 مليار دولار وذلك بغرض تسوية الديون السودانية لصالح صندوق النقد، خاصة في ظل موافقة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على اعتبار السودان من بين الدول التي تستحق الحصول على مبادرة (هيبيك) والتي تحقق في نهاية المطاف تصفير الديون الخاصة بصندوق النقد الدولي.

إلى جانب السابق؛ يحقق المؤتمر قدرًا كبيرًا من ضمان دخول مستثمرين وشركات أوروبية متعددة للانخراط في الاقتصاد السوداني وتحريك المشروعات الحيوية، خاصة في قطاعات البنية التحتية والقطاع الزراعي وقطاع الطاقة والمعادن وقطاع الاتصالات، من بينها طرح فكرة مشروع ميناء جديد في منطقة سواكن الساحلية إلى جانب مشروع تأهيل النقل الجوي وكذلك تأهيل الخطوط البحرية، وهي بمثابة أهداف استراتيجية للدولة ولعل تلك المشروعات تمثل حافزًا للشركات الأوروبية للاستثمار بها.ختامًا؛ لقد شهد السودان تحولات إيجابية في خضم السياق الدولي، على خلفية التطورات السياسية والاقتصادية الداخلية، بما أهله لإعادة انخراطه مرة أخرى على الساحة الدولية وفتح نوافذ التواصل مع الفاعلين الدوليين المؤثرين وكذلك المؤسسات التمويلية الدولية، وهو الأمر الذي يُعزز من فرص الاستثمارات الأجنبية في السوادن بما يحقق حالة من الاستقرار الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى