القضية الفلسطينية

الفلسطينيون داخل الخط الأخضر.. مواجهات مشتعلة في ظل مخاوف إسرائيلية غير مسبوقة

خلال الأيام الماضية، شهدت المدن والبلدات العربية داخل الخط الأخضر في إسرائيل سلسلة مظاهرات واحتجاجات غاضبة، استمرت دون توقف، وسرعان ما تحولت إلى اشتباكات بين كل من السكان العرب وبين الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين، جراء تنظيم مظاهرات تنديدا بالعدوان الإسرائيلي على المسجد الأقصى وباب العامود ومحيط البلدة القديمة في القدس، وبالقصف الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، بالإضافة إلى اعتداءات الشرطة في البلدات العربية وحماية المستوطنين الذين يستهدفون العرب. بينما اشتدت حدة الصدام بين الجانبين، وهو ما أسفر عن اعتقال الشرطة الإسرائيلية مئات السكان العرب في اللد وحيفا ويافا والناصرة وسخنين وأم الفحم وغيرها من المدن العربية داخل إسرائيل بعد إصابة العشرات نتيجة المواجهات العنيفة التي شهدتها تلك المدن.
تصاعدت وتيرة المواجهات في البلدات العربية عقب تعرض فلسطيني الداخل في إسرائيل لسلسلة هجمات من قبل يهود متطرفين الذين جابوا الشوارع لتصيد المواطنين العرب ردا على إطلاق الصواريخ من قطاع غزة بعد العدوان الإسرائيلي عليها، مرددين هتافات “الموت للعرب”، حيث أطلق المستوطنون النار باتجاه المنازل العربية، ما دفع الأهالي إلى محاولة الدفاع عن أنفسهم، الأمر الذي أدى إلى اندلاع اشتباكات مسلحة مع المستوطنين أعقبها إضرام النار في كنيس يهودي بمدينة اللد اشتدت بعدها حدة المواجهات في المناطق المختلطة.
وتواصلت التظاهرات في البلدات العربية داخل إسرائيل، تزامناً مع منح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، “المفتش العام للشرطة”، الصلاحيات بإدخال القوات إلى المدن المختلطة، وتنفيذ اعتقالات إدارية وفرض حظر تجول في اللد ونشر قوات حرس الحدود في المدينة. حيث نفذت قوات جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) مدعومة بقوات من حرس الحدود والشرطة حملات اعتقال طالت أكثر من 750 من النشطاء والصحفيين والسياسيين الفلسطينيين داخل مناطق الخط الأخضر. واعتبرتهم الشرطة الإسرائيلية مثيري شغب وفقاُ لبيان نشرته، كما قررت تمديد توقيف أكثر من 400 منهم في المحكمة على ذمة التحقيق.
وفي البيان ذاته، أفادت الشرطة الإسرائيلية أنها اتخذت عددا من الإجراءات الوقائية، بما في ذلك فرض قيود في مدينة اللد، ومراقبة شبكات التواصل الاجتماعي، والقبض على مشتبهين وهم في طريقهم إلى أماكن الشغب والاشتباك، وايضًا تم الاتصال مع قادة المجتمع المحلي، وشددت على استكرار جاهزيتها للمواجهة و مواصلتها التحقيق في محاولات التحريض عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي ورصد المشتبهين وتقديمهم للعدالة. وأعلنت السلطات الإسرائيلية الأسبوع الماضى فرض حظر للتجوال فى ساعات الليل بالمدينة بعد تصاعد المواجهات بين المتطرفين اليهود ومحتجين عرب على الأوضاع فى القدس المحتلة، وشهدت مدن أخرى من بينها عكا وحيفا ويافا مواجهات مماثلة.
وقد أثارت المواجهات داخل المدن المختلطة قلق إسرائيل، إذ شكلت خطراً كبيراً على أمن الدولة العبرية واستنفرت أجهزة الدولة بهدف الحيلولة دون اندلاع حرب أهلية تنفلت فيها الأوضا، خاصة وأن أعداد المواطنين العرب الذين جابوا الشوارع اعتراضاً على الممارسات الإسرائيلية هي الأكبر منذ نشأة إسرائيل. وقد أدى تفاقم الوضع الأمني في المدن العربية داخل إسرائيل، إلى إجبار وزير الدفاع “بيني غانتس” على سحب ثلاث كتائب من قوات حرس الحدود في الضفة الغربية، لنقلها إلى المدن العربية في الداخل بسبب تردي الوضع الأمني.

وفيما يلي، نظرة على المشهد داخل المدن العربية في إسرائيل خلال الأيام الأخيرة:
تأتي مدينة اللد كأبرز المدن العربية التي شهدت مواجهات بين العرب والقوات الإسرائيلية، إذ تأججت الصدامات في مدينة اللد المختلطة (47 ألف يهودي و23 ألف عربي)، ما أعقبه إعلان حالة الطوارئ في المدينة، كما أعلنت الشرطة حظر التجول ليلا وتم نشر وحدة “اليمام” التابعة لها في مدينة اللد الفلسطينية – وحدة شبه عسكرية إسرائيلية عالية التدريب في شرطة حرس الحدود، وواحدة من أربع وحدات خاصة في الشرطة – في محاولة لدرء خطر المزيد من أعمال العنف في اللد عقب المواجهات الساخنة بين الفلسطينيين والإسرائيليون التي تلت قيام بعض العرب بإحراق كنيس يهودي في المدينة.
وتعرض المصلون في المسجد الكبير في اللد إلى إطلاق النار من قبل مستوطنين، في أعقاب الاشتباكات المسلحة التي اندلعت بين أهالي المدينة، وجماعات المستوطنين التي جابت شوارع الأحياء العربية، محاولة الاعتداء على المنازل وتَصيّد المواطنين العرب. وتصاعدت الأمور بعد قيام بعض المتطرفين اليهود باستهداف المارة العرب ومهاجمة منازلهم في المدينة، حيث قاموا بوضع إشارات على المنازل العربية، حتى يتسنى لهم تمييزها عن المنازل الإسرائيلية، ومهاجمته، كما قاموا بإحراق العديد من السيارات المملوكة العرب.
كما شهدت المدينة عملية إنزال للعلم الإسرائيلي، ورفع علم فلسطين على عامود للإنارة في المدينة، كما وثق مقطع فيديو اشتعال النيران في مركز للشرطة في المدينة كذلك، وانطلقت الدعوات حماية جامع اللد من محاولات المستوطنين إحراقه. واعتبر رئيس بلدية اللد “يائير ريفيفو” أن إسرائيل فقدت السيطرة على المدينة والشوارع وذلك بعد عدة أيام من المواجهات العنيفة. في السياق ذاته، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي “بيني جانتس”، يوم السبت، عن تمديد حالة الطوارئ في اللد بعد زيارته للمدينة مع المفوض العام للشرطة “كوبي شبتاي”، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار المظاهرات.
في مدينة عكا، اندلعت مواجهات عنيفة ، فيما حاصرت القوات الإسرائيلية البلدة وأطلقت الغاز بشكل كثيف على المتظاهرين من فلسطينيي 48، كما قامت الشرطة بمداهمة بعض المنازل، و حاول بعض المستوطنين اقتحام مسجد الجزار ومحاولة إحراقه لكن الهجوم أحبط بسبب وجود مئات الفلسطينيين حول المسجد. جدير بالذكر، أن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين التقى، يوم الجمعة، قادة دينيين مسلمين ومسيحيين ويهود ومربين في مدينة عكا شمال إسرائيل في اجتماع طارئ بهدف الدعوة إلى الهدوء وإنهاء العنف في الشوارع.
وفي يافا، اشتبك محتجون فلسطينيون مع الشرطة التي أطلقت قنابل صوت لتفريقهم، وقام المستوطنون بالاعتداء على المنازل وإحراقها، ما تسبب في إصابة أطفال فلسطينيون، هذا بالإضافة إلى الاعتداء على الممتلكات العربية. كما تداول ناشطون مقطع فيديو يظهر إقدام ملثمين على إضرام النيران في سيارة عضو الكنيست الإسرائيلي “إفرات رايطين ماروم” أثناء وقوفها أمام مبنى في مدينة يافا، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية. على صعيد آخر، أثار فيديو للوحدة الإسرائيلية التي تم نشرها في مدينة يافا جدلا لعدم ارتداء أفرادها بطاقات تعريف بالأسماء ما يعتبر غير قانوني، حيث اعتبر البعض أن هذه الوحدة تنظيم مسلح للمستوطنين.
في سخنين بالجليل، تظاهر عشرات الآلاف، تنديدا باعتداءات الاحتلال على الفلسطينيين والممارسات الإجرامية على يد المستوطنين، وإحياء لذكرى النكبة الفلسطينية الـ73. وردد المتظاهرون خلال المسيرة، شعارات وهتافات تعبر عن التضامن مع القدس والتضامن مع غزة في صمودها إزاء القصف الذي تتعرض له، وتطالب إسرائيل بوقف العدوان، وتنادي بوحدة الشعب الفلسطيني.
في سياق آخر، تعرض بعض الفلسطينيين، من مدينة سخنين وأم الفحم، هذا الاسبوع الى اعتداء عنصري وحشي، في مدينة رمات غان، من قبل مجموعة مستوطنين، اذ كانوا في طريق عودتهم للمساكن الطلبة، وتعرضوا لهجوم من قبل بعض المستوطنين بد أن قطعوا الطريق عليهم بالسيارات وملاحقتهم بالعصي والسكاكين لينهالوا عليهم فيما بعد بالضرب المُبرح، ما أسفر عن اصابة بعضهم بجراح وكسور في انحاء اجسادهم.
‫كما نظمت الطواقم الطبية في مدينة سخنين، وقفة احتجاجا على الهجماتالمستمرة التي يتعرضون لها من الشرطة الاسرائيلية خلال توجههم الى أماكن عملهم خصوصا الذين يسكنون في الشمال ويعملون في مراكز طبية ومستشفيات، وذلك منذ أن بدأت المواجهات الأخيرة بين العرب واليهود خصوصا في البلدات المختلطة. وشارك في الوقفة وسط مدينة سخنين، طواقم التمريض والطواقم الطبية العربية العاملة بجهاز الصحة والمرافق الطبية، ورفعوا اليافطات المنددة بممارسات الشرطة الإسرائيلية بحقهم.‬
وفي أم الفحم، شنت الشرطة الإسرائيلية حملة اعتقالات شملت العشرات من الشباب الفلسطيني، وشهدت المدينة مواجهات كبيرة بين الفلسطينيون وقوات الشرطة تم على إثرها إلقاء الشرطة لقنابل الغاز المسيل للدموع و مهاجمة المنازل بكل غير مبرر. ما أسفر عن إصابة العشرات بالاختناق نتيجة اطلاق الغاز المسيل للدموع بشكل عشوائي على المنازل فضلاً عن إطلاق الرصاص المطاطي. وكانت بلدية أم الفحم قد استنكرت في بيان لها، الاعتداء على الأهالي في حي الاندلس، حيث قامت الشرطة بايقاف المركبات والإعتداء عليها وتحطيمها من قبل أفراد الشرطة.

وفي مدينةالناصرة، نظم الحراك الشبابي، مسيرة نصرة للقدس المحتلة والمسجد الأقصى، تخللها إضاءة شعلة العودة بمناسبة الذكرى الـ73 للنكبة، ورفع المشاركون الأعلام الفلسطينية في المسيرات التي انطلقت من ساحة شهاب الدين وسط المدينة باتجاه منطقة ديانا، مرددين الهتافات المنددة بجرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني”، في الوقت الذي قامت فيه القوات الإسرائيلية بتعزيز تواجدها في المكان استعدادا لقمع التظاهرات.
من جهة أخرى، شهدت قرية كفر كنا، مظاهرة احتجاجية نصرة للقدس والأقصى، وتنديدا بإطلاق الرصاص الحي والمطاطي من قبل عناصر الشرطة الإسرائيلية على المتظاهرين.
في مدينة الرملة، اعتدى المستوطنون على المواطنين فلسطينيين في شوارع المدينة، في الوقت الذي تجددت فيه المواجهات في كفر كنا والطيرة، كما قمعت الشرطة الإسرائيلية المشاركين في مسيرة حاشدة في أم الفحم.

ختاماً، لا يمكن تجاهل حقيقة أن تراكم الممارسات الإسرائيلية العنصرية ضد فلسطينيي الداخل شكلت عنصراً رئيسياً في انفجار الأوضاع داخل البلدات العربية في إسرائيل والتي مثلت بؤرة لانتفاضة داخلية محتملة قد تجبر إسرائيل لإعادة حساباتها فيما يخص سياساتها تجاه الفلسطينيين في الداخل و ما يمكن أن يسفر عن اضطهادهم و الاستيلاء على حقوقهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى