الأمريكتان

ترامب يربح “حرب الزعامة” داخل الحزب الجمهوري

منذ ان غادر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب البيت الأبيض في يناير 2021، في أجواء غير مسبوقة عقب اضطرابات الكونجرس والانتخابات الرئاسية نوفمبر 2020 التي شابها خروقات غير مسبوقة على الديمقراطية الأمريكية، تحول مقر الرئيس السابق في فلوريدا إلى ما يشبه مقر زعيم ديني في المنفى، حيث يتقاطر عليه العشرات من الساسة والإعلاميين لترميم شعبيتهم عبر الوقوف بجانب ترامب، صاحب التيار السياسي الشعبي الأكبر بين أجنحة الحزب الجمهوري.

ولعل قوة هذا التيار، التيار الترامبي، هي السبب الرئيس حتى اليوم في عدم ذهاب ترامب إلى المحاكمة كما حاول بعض ساسة الحزب الديمقراطي المهيمن على البيت الأبيض والكونجرس، أو حتى قيام زعماء الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب بإزاحته من ترتيبات مستقبل الحزب.

وعقب خروجه من البيت الأبيض، جرت مداولات عصيبة بين زعماء ونشطاء وممولي الحزب الجمهوري عن الكيفية التي يجب للجمهوريين ان يتعاملوا بها مع ترامب والترامبية، ففي بادئ الأمر كان هنالك توجه للحرس القديم في الحزب بالتخلي عن ترامب والعودة إلى نهج المحافظين الجدد في ثوب جديد، بالإضافة إلى بارونات النفط وأباطرة تكساس ذوي التاريخ العائلي الطويل داخل الصفوف الجمهورية.

رد ترامب سريعًا بالتجاوب مع فكرة تأسيس حزب جديد، باسم الحزب الوطني الأمريكي، ما يعني عمليًا ان الرجل الذي ينسب إليه إعادة تأسيس الحزب الجمهوري عام 2016 وقاده إلى واحدة من أكبر انتصاراته في انتخابات نوفمبر 2016، هو نفسه الذي سوف يتسبب في انهيار الحزب وانشقاق قواعده الجماهيرية المتوقع أن تنحاز للحزب الوطني على حساب الحزب الجمهوري.

وانتصر التيار القومي على التيار المحافظ داخل الحزب الجمهوري، بالاتفاق على تنصيب دونالد ترامب زعيمًا والترامبية مرجعية للحزب الجمهوري، وبدأ ساسة الحزب في إبعاد المعارضين لترامب من المناصب القيادية داخل الحزب، وكان آخرهم وأبرزهم ليز تشيني عضوة مجلس الشيوخ وابنة نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني.

ونجح ترامب في عملية إزاحة ليز تشيني من منصب رئيس مؤتمر الحزب الجمهوري، مقابل تنصيب النائبة الشابة إيليز ستيفانيك – القادمة من نيويورك – في 14 مايو 2021، ما يعد حسمًا مدويًا لصراع الزعامة داخل الحزب الجمهوري لصالح ترامب.

ستيفانيك سبق وأن وقفت ضد محاولات عزل ترامب عن الرئاسة عام 2019، وقتذاك أشار اليها ترامب بالقول “نجمة جمهورية جديدة”، وبرغم من محاولات الديمقراطيين لإسقاطها في انتخابات الكونجرس نوفمبر 2019 في نيويورك معقل الديمقراطيين، إلا أن دعم ترامب لـ “نجمة الجمهوريين الجديدة” قد أمن لها الاحتفاظ بمقعدها داخل الكونجرس الذي تحتله منذ عام 2015 حينما اعتبرت وقتذاك أصغر سيدة في تاريخ الكونجرس.

وللمفارقة فإن ستيفانيك تحظى بغضب الجناح المحافظ داخل الحزب، وينظرون إليها بوصفها ليبرالية وليست محافظة، ولكن التوجه المحافظ ليس شرطًا في أجندة التيار القومي الذي ينافس التيار المحافظ داخل الحزب الجمهوري، لذا لا عجب أن تنحاز الليبرالية الشابة داخل الحزب الجمهوري إلى التيار القومي برئاسة ترامب بدلًا من التيار المحافظ أو المحافظين الجدد حيث تتمركز ليز تشيني.

إسقاط ترامب لابنة ديك تشيني يوضح حرب الزعامة التي خاضها ترامب مع الأسر الرائدة والمؤسسة للحزب الجمهوري، إذ تضم القائمة إضافة لأسرة تشيني كلاً من آل بوش واسرة جون ماكين بولاية أريزونا حيث اشتكت أرملته سيندي ماكين من النفوذ الترامبي المفاجئ في الولاية، وكذا آل رومني وآل موركوفسكي. ميت رومني يحاول السيطرة على شعبيته في ولاية يوتا أمام المد الترامبي، بينما ابنة شقيقه رونا ماكدانيل رومني، قد اضطرت لحذف اسم العائلة من مشاركتها الرسمية للبقاء في منصبها داخل الحزب بولاية ميتشجان.

الزعامات التقليدية للحزب تنظر إلى ترامب بوصفه قائد “حرب الإلغاء” لتاريخ الزعامات التقليدية، وأن ما يجرى منذ صيف 2016 هو استيلاء القوميين الترامبيين على الحزب، خاصة حينما هاجم ترامب في ذلك الصيف إرث الريجانية – نسبة الى حقبة الرئيس الجمهوري رونالد ريجان – ووصف السياسي والمفكر الأميركي باتريك بوكانان بأنه “عاشق هتلر”، وغرد عن آل بوش عام 2013: “نحتاج إلى بوش آخر في المنصب، بقدر ما نحتاج إلى أوباما لولاية ثالثة” في إشارة الى مساعي جيب بوش للترشح للرئاسة.

آرني كارلسون الحاكم الجمهوري السابق لولاية مينيسوتا وصف المتغيرات الجارية في الحزب بأنها ثورة متطرفة من ترامب بحق التيار المحافظ وباقي قواعد الحزب الجمهوري، وهو الوصف المحبب للتيار القومي الأمريكي الذي يرى نفسه في حالة ثورة ضد التيارات السياسية التقليدية في المجتمع الأمريكي.

وفى نفس السياق طرحت بعض الأصوات الجمهورية فكرة الانشقاق بالتيار المحافظ عن الحزب والذهاب الى تأسيس “الحزب الجمهوري الجديد” وترك الحزب القديم لترامبية، ورغم ان بعض القيادات الجمهورية تناقش هذا الاقتراح حتى الساعة إلا أنه من المتوقع ألا يذهب الجمهوريون إلى هذا الاختيار لنفس الأسباب التي جعلت ترامب يقرر عدم الذهاب إلى خيار الحزب الجديد، ألا وهو ضيق الوقت وصعوبة ترتيب حزب جديد في اقل من عامين لخوض انتخابات الكونجرس نوفمبر 2022.

انتصار مؤقت وتراجع تكتيكي

ورغم ان المشهد العام داخل الحزب الجمهوري ينبئ بسيطرة تامة لترامب ونشطاء تياره السياسي، حتى أن بعض القيادات داخل الحزب الديمقراطي وإدارة جو بايدن تحدثت علنًا عن قناعتها بالتعامل مع ترامب باعتباره مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية نوفمبر 2024، ولكن هذه السيطرة لا يمكن وصفها إلا بالتراجع التكتيكي للجمهوريين والسماح بانتصار مؤقت لترامب.

ذلك لأن الحزب لا يمكن أن يخسر ترامب في الوقت الحالي وتياره السياسي؛ إذ سوف يكون مطلوبًا من الجمهوريين إعادة ترميم الحزب وبناء شعبيته مرة أخرى في أقل من عامين استعدادًا لانتخابات الكونجرس نوفمبر 2022 أو ما يطلق عليه إعلاميًا “التجديد النصفي”.

هكذا فإن ترامب والترامبية في واقع الأمر في مرحلة اختبار قوة، بشكل مرحلي في انتخابات الكونجرس 2022 وبشكل حاسم في انتخابات الرئاسة نوفمبر 2024، فإذا نجح ترامب وتياره في استرداد الأغلبية بالكونجرس أو مجلس الشيوخ على أقل تقدير، فإن فوزه ببطاقة الحزب للترشح الرئاسي عام 2024 سوف تصبح محسومة. أما لو فشل ترامب في إعادة الجمهوريين الى صدارة الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي، فإنه سوف يعاني من وجود أصوات قوية ضده للترشح في انتخابات 2024.

ختامًا، يمكن اعتبار سنوات ما بين انتخابات 2020 و2024 الرئاسية في أمريكا هي مرحلة انتقالية للحزب الجمهوري لإعادة التأسيس والهيكلة، ما بين إخضاع الترامبية للاختبار الصارم والأخير، أو خسارة الترامبية لهذه الفرصة وما يتبعها من ظهور تيار جديد داخل الحزب يدمج ما بين التيار المحافظ والتيار القومي دون أن يكون لترامب أو الترامبية تلك الشعبية الجارفة التي يمتلكها اليوم.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى