تركيا

إلى أين وصل ملف الحريات في تركيا؟

تصاعدت في تركيا منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016، ثم التحول نحو النظام الرئاسي الذي أعطى الرئيس التركي سلطات شبه مطلقة، العديد من المؤشرات التي تؤكد تحقق الفرضية القائلة بتصاعد المنحى السلطوي لمنظومة الحكم في تركيا، وهي المنظومة التي قلصت من مساحة الحريات المتاحة، وقامت بما يشبه التأميم للمجال العام، وهو الأمر الذي سنحاول الوقوف عليه في هذا المقال، من خلال تسليط الضوء على أوضاع الحريات العامة في تركيا.

أولاً- الحريات الصحفية والإعلامية:

تشير العديد من المعطيات إلى أن الفترة الحالية هي الأسوأ في تاريخ ملف الحريات الصحفية والإعلامية في تركيا، وهي النتيجة التي تأتي بالتزامن مع مساعي حزب العدالة والتنمية فرض سيطرته الكاملة على المشهد الإعلامي في البلاد، وهو ما عبر عنه ما حدث مع شبكة قنوات وإذاعة TRT الخاضعة للدولة، حيث قامت الحكومة أكثر من مرة بطرق مباشرة أو غير مباشرة بتغيير معظم العاملين في الشبكة، واستبدالهم بصحفيين وعاملين يدينون بالولاء للحزب الحاكم، بالإضافة لذلك يسيطر الحزب الحاكم على عملية إصدار التصاريح للوكالات الإعلامية والصحف، وذلك من خلال المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون الذي تسيطر عليه الحكومة، وبالتالي فسلطة الحكم هي المسؤولة عن إعطاء التراخيص والتفتيش على الوكالات الإعلامية المختلفة، وهو ما فتح المجال أمام ممارسة كافة الضغوط السياسية لخنق المجال الإعلامي وتوحيد مساره بما يخدم على توجهات النخبة الحاكمة من العدالة والتنمية، وهو السياق الذي عبرت عنه تصريحات نقابة الصحفيين التركية يوم 6 أبريل الماضي عندما قالت: “إن المنظومة الصحفية في بلادنا تمر باختبار أكثر صعوبة من أي وقت مضى”.
في هذا السياق أصدرت مؤسسة “مراسلون بلا حدود” مؤخراً تقريرها السنوي، الذي يتناول ملف الحريات الصحفية في العالم، تحت عنوان “العمل الصحفي هو اللقاح الأنجع ضد التضليل”، وهو التقرير الذي احتلت فيه تركيا مكانة متأخرة في المرتبة 154 من 180 دولة، وقد سلط التقرير الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون في تركيا، وأشار إلى أن تركيا تضم أكبر عدد من الصحفيين المعتقلين من بين الدول الواردة في التقرير، جدير بالذكر أن السلطات التركية قامت في السنوات الأخيرة وعلى وجه الخصوص منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016 بغلق ما يزيد على 175 منصة إعلامية، مما أدى إلى فقد أكثر من 12 ألف شخص من العاملين في هذا المجال لفرص عملهم.

ثانياً- التعامل مع المعارضة:

كشفت العديد من التقارير عن الأوضاع المتدنية التي وصل إليها ملف الحريات السياسية في تركيا، وهو الأمر الذي يتضح من خلال بعض المؤشرات، فقد كشف صحيفة “سوزجو” المعارضة التركية أن عدد السجناء السياسيين كان يبلغ 58 ألفاً في عام 2002، بينما وصل عام 2019 إلى 291 ألفاً و 500 سجين.
يذكر أن البرلمان التركي كان قد أقر في 13 أبريل 2020 قانوناً مثيراً للجدل، إذ يُتيح الإفراج عن عشرات الآلاف من السجناء بهدف التخفيف من الاكتظاظ في السجون خصوصاً في ظل جائحة كورونا، لكن عمليات العفو هذه لم تشمل سجناء الرأي والسياسيين، حيث شملت فئات كبار السن والأشخاص الذين يُعانون من أزمات صحية والنساء الحوامل، وهو الأمر الذي جعل منظمات دولية مثل: هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية تنتقد القانون، بالإضافة لذلك يزداد عدد السجون في تركيا بشكل سنوي، حيث أعلنت المديرية العامة للسجون ومراكز الاحتجاز التابعة لوزارة العدل التركية عام 2019، أنه تم التخطيط لبناء 193 سجناً جديداً خلال 5 سنوات بعد الزيادة الكبيرة في أعداد السجناء، وأفادت المديرية، أنه من بين هذه السجون، 126 سجناً في مرحلة الإنشاء و23 سجناً في مرحلة المناقصة و35 سجناً في مرحلة المشروع و9 سجون في مرحلة التخطيط.
وفي سياق متصل شهدت الساحة التركية خنقاً للحياة الحزبية وتضييقاً كبيراً على الأحزاب المعارضة، وهو ما يتجسد في التعامل مع حزب الشعوب الديمقراطي الكردي المعارض، والذي تم الزج بزعيميه (صلاح الدين دميرطاش وفيغن يوكسيكداغ) في السجن منذ 2016 بتهم دعم الإرهاب، وعقب الانتخابات المحلية التي عُقدت في 2019 تم تغيير رؤوساء بلديات في أكثر من نصف المراكز الإدارية التي فاز بها حزب الشعوب الديمقراطي والبالغ عددها نحو 65 مركزاً إدارياً، وعينت أنقرة حكاماً ومسؤولين آخرين من السلطات المحلية أمناء في تلك المناطق، وهو القرار الذي يمكن قرائته في ضوء أمرين: الأول يرتبط بمساعي الإئتلاف الحاكم تكريس دعائم النظام السلطوي القائم حالياً في تركيا، وذلك عبر إحكام السيطرة على البلديات وهي المساعي التي بدأت مع القرار الرئاسي رقم 17 لعام 2018، والذي تم بموجبه ربط جميع ميزانيات البلديات بخطة الموازنة العامة للدولة، أما الاعتبار الثاني فيرتبط بقلق حزب العدالة والتنمية ومخاوفه بخصوص مسألة الهوية، وما يتيحه فوز رموز حزب الشعوب في البلديات من فرص لتطبيق سياسات الهوية الناجزة في هذه البلديات.
ومؤخراً برزت العديد من المؤشرات التي تُنذر بحظر الحزب، وهي المؤشرات التي بدأت بدعوة زعيم حزب الحركة القومية “دولت باهشتلي” المتحالف مع حزب العدالة والتنمية الحاكم بإغلاق حزب الشعوب، ثم قيام مكتب المدعي العام في تركيا برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية العليا لحل الحزب وجاء في لائحة الاتهام أن “حزب الشعوب الديمقراطي يهدف إلى تعطيل الوحدة غير القابلة للتجزئة للدولة مع أمتها من خلال تصريحاتهم وأفعالهم، وإن الأحزاب التي تنخرط في سياسات الهوية مع التركيز على الدين أو العرق تمثل التحدي النهائي للديمقراطية التركية، وأن الحزب مصر على السير على خطى الأحزاب الانفصالية التي تم إغلاقها في الماضي”.

ثالثاً- الحريات الدينية وحقوق الأقليات:

تحتل تركيا منذ سنوات مكانة متدنية فيما يتعلق بالتعامل مع الأقليات، وذلك في ضوء العديد من الممارسات العنصرية التي تتم بحق هذه الأقليات، خصوصاً الأكراد، الذين تم منع الكثير من أسمائهم وأزيائهم، وتم إنكار الهوية العرقية الكردية لهم، بالإضافة لحظر لغتهم، فضلاً عن التهميش الذي تتعرض له المناطق الكردية فيما يتعلق بعمليات التنمية والتأهيل، وأخيراً العمليات العسكرية التي تُمارس بحقهم في الخارج كما في حالتي سوريا والعراق.
وربما تفسر هذه الممارسات، تسارع خُطى الكونجرس الأمريكي من أجل إصدار قانون “الحريات الدينية في تركيا والبطريركية المسكونية”، وهو القانون الذي من المفترض أن يتم الانتهاء من مسودته الأولية وطرحه للنقاش خلال الأسابيع القادمة، ويستهدف القانون بشكل رئيسي فرض رقابة إجبارية على الإدارة الأمريكية والمؤسسات التنفيذية الأخرى في البلاد، من أجل مراقبة سلوك الحكومة التركية في مجال الحريات الدينية في البلاد، وآليات وطرق تعامل السلطات التركية مع الأقليات العرقية والدينية المختلفة داخل الأراضي التركية وخارجها، وقالت المشرعة الرئيسية للقانون المُقترح “كارولين مانولي” – المقربة من اللوبي اليوناني – إن: “قانون تركيا والبطريركية المسكونية للحرية الدينية لعام 2021 سيحدث ضغوطاً ذات تأثير على تركيا، لوقف انتهاكاتها في المتعلقة بالحريات الدينية للبطريركية المسكونية… وأنه بدون متابعات وقرارات ملموسة من الولايات المتحدة، سيواصل الرئيس أردوغان العمل مع الإفلات من العقاب، وستواصل تركيا حملتها للتمييز الديني ضد المسيحيين الأرثوذكس والبطريركية المسكونية والأقليات الدينية الأخرى”.

رابعاً- وسائل التواصل الاجتماعي:

لم تقف حدود خنق المجال الإعلامي والعام في تركيا عند وسائل الإعلام التقليدية، بل امتدت إلى وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي شرعت السلطات التركية في تنفيذه عبر مسارين رئيسيين:
1- الإعلان في سبتمبر 2020 عن تأسيس ما عُرف بوحدة “مكافحة التلاعب والتضليل”، وهي الوحدة التي أعلنت السلطات التركية أنها تستهدف مواجهة العمليات النفسية والدعاية وعمليات تشويه المفاهيم الموجهة ضد تركيا، لكن مراقبين أحالوا هذا التوجه التركي إلى رغبة الحكومة التركية في إحكام قبضتها على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً بعد تعرض ابنة الرئيس التركي وزوجها وزير الخزانة والمالية لـهجوم عبر موقع تويتر إبان إعلان قدوم مولودهما الرابع.
2- قانون تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي والذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2020، وهو القانون الذي أدى إلى فرض المزيد من القيود على عمل هذه المنصات داخل تركيا، وبحسب القانون ستطلب الحكومة التركية، من شركات وسائل التواصل الاجتماعي، افتتاح مكاتب تمثيلية لها، في تركيا، ما سيضعهم تحت الولاية القضائية التركية، وفي حال لم تمتثل الشركات لهذا الشرط، فستواجه غرامات، وحظر إعلانات، وتخفيضاً كبيراً، قد يصل إلى النصف، في عرض النطاق الترددي الخاص بها، كما يسمح القانون، لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، الإبلاغ عن محتوى، يعتقدون أنه ينتهك حقوقهم، وسيتم تكليف ممثلي وسائل التواصل الاجتماعي، بالرد على هذه التقارير، في غضون 48 ساعة، أو مواجهة خمسة ملايين ليرة، كغرامات.كما سيُطلب من ممثلي الشركات، إعداد تقارير عن نشاطهم كل ستة أشهر، أو مواجهة غرامات قدرها 10 ملايين ليرة، ويمنح القانون، جمعية مزودي الوصول، في تركيا، الحق في إزالة المحتوى الذي حكمت المحاكم أنه ينتهك الحقوق، في حال لم تتمكن السلطات، من حظر الوصول إلى هذا المحتوى، إلا بواسطة الجمعية.
وقد أدى هذا التضييق الذي تمارسه السلطات التركية على منصات التواصل الاجتماعي وفق تقارير، إلى محاكمة ما يزيد على 20 ألف مواطن بسبب منشورات لهم على هذه المنصات، كان آخرهم الأستاذ والأكاديمي في الجامعة التركية – الألمانية البروفيسور مراد أردوغان، الذي كتب تغريدة على حسابه في تويتر تناول فيها الآثار السلبية لإعلام الظل، الذي يقول البروفيسور إنه يدار من قبل جماعات على شبكات التواصل الاجتماعي هدفها تزييف المسائل السياسية، ويقول إن ذلك لا يخدم إلا مصالح السلطة، وقد تم تحويله إلى التحقيق بسببها، حيث اعتبرت السلطات هذه التويتة إهانة لشخص الرئيس.

خامساً- حقوق النساء:


تعاني تركيا من اتهامات متزايدة فيما يتعلق بملف المرأة، وبدأت هذه الاتهامات تتصاعد بعدما أعلنت تركيا في 20 مارس المنصرم عن انسحابها من اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي، وهي الاتفاقية التي وقعت عليها 45 دولة، وتتضمن تشريعات ضد العنف، والاغتصاب الزوجي وختان الإناث، وما عزز النقد الموجه لتركيا والمرتبط بانسحابها من الاتفاقية، هو التقارير التي تحدثت عن فقد 27 امرأة تركية لحياتها، فضلاً عن تعرض المئات منهن للعنف منذ انسحاب تركيا من الاتفاقية.
ثم جاءت الواقعة المعروفة إعلامياً بواقعة “الأريكة”، لتعزز هذه الانتقادات، وهي الواقعة التي ارتبطت بالزيارة التي قام بها رئيس المجلس الأوروبي “شارل ميشيل”، ورئيسة المفوضية الأوروبية “فون دير لاين”، إلى تركيا في السادس من أبريل المنصرم، حيث جلس كل من أردوغان ورئيس المجلس الأوروبي على كرسي معد لهما، فيما أُبعدت “دير لاين” وتم إجلاسها على أريكة بمعزل عنهما، وهو الأمر الذي اعتبرته أثناء خطابها التالي في البرلمان الأوروبي تعبيراً عن الازدراء السياسي التركي الذي يُمارس بحق النساء العاملات في السياسة، حيث قالت: “ليس بإمكاني إيجاد مبرر للطريقة التي عوملت بها، لذلك يتعين علي أن أستنتج أن ذلك حدث لأنني امرأة”، وأضافت: “أنا رئيسة المفوضية الأوروبية، وهذا ما توقعت معاملتي على أساسه وأنا أزور تركيا، لكن ذلك لم يحدث”، فيما عبر ميشيل في كلمته أمام البرلمان الأوروبي عن أسفه لما حدث والذي قال إنه يفهم أنه أساء لكثير من النساء.

سادساً- السلطة القضائية:

قامت مقاربة العدالة والتنمية منذ سنوات على محاولة “تسييس القضاء” وهو النهج الذي أشار إليه وأكده عدد من المعطيات، حيث تحذير هاشم كيليج رئيس المحكمة الدستورية العليا في تركيا، في 2015 من أن يتحول القضاء في البلاد إلى “أداة انتقام” على يد السلطات السياسية بعد أن عززت شخصيات مدعومة من حزب العدالة والتنمية قبضتها على محاكم رئيسية، وتقديمه استقالته احتجاجا على هذا التوجه، فضلا عن كم القضاة الذين تم اعتقالهم أو فصلهم من عملهم بتهم الانتماء إلى جماعة “غولن”، بالإضافة إلى ما كشفه تقرير سابق لشبكة التوازن والرقابة الحقوقية التركية عن الديمقراطية في تركيا، والذي تضمن استطلاع رأي لـ266 ألفًا و993 مواطنًا قال أغلبهم إنهم لم يعدوا يثقوا في القضاء تحت حكم العدالة والتنمية.
وقد أكد ذلك التقرير الذي صدر في ديسمبر 2020 عن الشبكة الأوروبية للمجالس القضائية، وهو التقرير الذي أشار إلى أن “مجلس القضاة والمدعين العامين” في تركيا أصبح مجرد مؤسسة معطلة، ولا تؤدي دورها المفترض في دعم استقلال القضاء وسيادة القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى