الاقتصاد الدولي

الفرصة القادمة: النحاس

أهلًا بحضراتكم وسهلًا في النسخة الثانية من تقريرنا وزن الوقت، الذي يستهدف إلقاء الضوء على مُشكلات قد تبدو بسيطة للغاية وغير مطروقة في إعلامنا المحلي، وفي كامل إعلام المنطقة، لكنها تُشكل فُرص أو تحديات ضخمة لاقتصادنا الوطني، وينقسم تقريرنا اليوم إلى قسمين:

· بداية نستعرض مع حضراتكم تأثير أزمة الرقائق الإلكترونية التي تضمنها تقريرنا الأول بعدما ضربت الاقتصاد المصري.

·وثانيًا نُلقي نظرة على فُرصة واعدة للغاية لاقتصادنا الوطني تتمثل في الاستثمار في تعدين وتصنيع النحاس.

بداية علينا أن نذكر  حضراتكم بالنسخة الأولى من تقريرنا في يوم 22 مارس والذي تناول بالتفصيل مُعضلة الرقائق الإلكترونية، وتوقع أن تضرب الاقتصاد المصري ، فترفع أسعار السيارات الجديدة والمُستعملة.

التأثيرات بدأت تتجلى فعلًا، حيث نشرت جريدة البورصة تقريرًا في 6 مايو، تُشير فيه إلى أن قطاع السيارات في مصر يواجه عجزا كبيرا في مدخلات إنتاج الصناعة، بعد توقف مصانع الرقائق الإلكترونية ECU العالمية بسبب جائحة كورونا، وكانت أول الشركات تأثرًا بالأزمة هي “غبور أوتو” التي لم تعد قادرة على مواجهة بعض الطلبيات، وأصبحت تعتذر عنها كما فعلت بمبادرة الإحلال.

ومن جانبه يُلخص خالد سعد، الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات، إن الفترة الحالية تشهد صعوبات كبيرة أمام مصنعي السيارات في مصر، بسبب نقص العديد من مستلزمات الإنتاج،  وعلى رأسها وحدات الرقائق الإلكترونية ECU، وتوقع أن العديد من الشركات المحلية قد تعانى الفترة المقبلة من قلة الإنتاج، موضحا أن الشركات المشاركة في مبادرة إحلال السيارات قد تتأخر في تسليم الدفعات الخاصة بها أو تعتذر عنها إذا لم تتوافر تلك الشرائح الإلكترونية، وهو ما قد يؤثر بشكل كبير الفترة المقبلة على أسعار السيارات المحلية بزيادات كبيرة نظرا لقلة معروض السيارات.

ورغم سوء الأنباء بالنسبة للاقتصاد المصري، إلا أنها تُشير إلى الأهمية الكبيرة التي والغرض الأساسي من تقريرنا، حيث تنبأنا بهذه الأحداث قبل 6 أسابيع ونصف من بدأ إدراك السوق لها، وثلاثة أشهر على الأقل من بدأ ظهور التأثيرات الفعلية على السوق، والتي ما زالنا ننتظرها في الوقت الحالي.

ننتقل بحضراتكم إلى تقرير اليوم والذي سيركز على أحد الفُرص الجديرة بالاهتمام المُتاحة أمام الاقتصاد المصري، سواء الحكومة، المُستثمرين الأجانب والمحليين.

كُنا قد أشارنا في عدد من تقاريرنا إلى ما يُسمى بالدورة الفائقة، والتي تعني أنها اتجاه صعودي مُستمر لأسعار السلع الأساسية خاصة الزراعية والمعدنية وسلع الطاقة لفترات طويلة تجاوز عدة سنوات، وقد تناولنا هذه الظاهرة بقدر وافر من التفصيل في تقريرنا “تأثير إغلاق قناة السويس على الاقتصاد العالمي”، في يوم 30 مارس 2020.

وباختصار تتجه أسعار السلع المعدنية والغذائية للارتفاع لأكثر من 12 شهرًا مُتوالية دون انقطاع مُنذ إبريل 2020، وحتى الشهر الجاري، لتصل في الوقت الحالي في مُعظمها  لأعلى من مُستويات ديسمبر 2019، أي ما قبل أن تضرب الجائحة الاقتصاد العالمي وتؤثر على أسعار هذه السلع.

أحد أهم المعادن التي تشهد أسعارها ارتفاعات سريعة للغاية، هي النحاس، والذي استقرت أسعاره  في ذات اليوم (09 مايو2020) من العام الماضي عند مستوى 2.46 دولار للرطل أو 4920 دولار للطن، إلى 4.7488 دولار للرطل أو 9498 دولار للطن اليوم، أي ارتفاع بنحو الضعف في عام واحد، كما يوضح الشكل التالي:

في 06/05/2021 الموافق الخميس CNBC قد نشرت تقريرًا تشير فيه إلى مُذكرة نشرها بنك أوف أمريكا يتوقع فيها ارتفاع الأسعار إلى نحو 20 ألف دولار للطن في عام 2020 نتيجة للفجوة الضخمة بين الطلب والعرض في السوق، وهو ما توقع البنك معه أن يكون العجز الحالي هيكليًا، أي سيستمر لفترات طويلة في الاقتصاد العالمي.

في 08/05/2021 نشرت Economist تقريرًا تناول مُذكرة أخرى من بنك Goldman Sachs، أن الأسعار قد تصل إلى 15 ألف دولار للطن في عام 2025.

وأرجع تقرير Goldman Sachs الأسباب اعتباره الأسباب وراء ارتفاع الأسعار إلى أن النحاس موصلًا مرنًا وفعالًا من حيث التكلفة للحرارة والكهرباء، وبالتالي يعد النحاس مُدخلًا حيويًا للتكنولوجيا الخضراء و الطاقة المُتجددة.

حيث يتطلب بناء سيارة كهربائية أربعة أو خمسة أضعاف كمية النحاس التي تحتاجها السيارة التي تعمل بالبنزين. كما يدخل النحاس في الكابلات لمحطات الشحن الكهربائية وفي الألواح الشمسية وتوربينات الرياح.

وفي الوقت الحاضر ، يبلغ الطلب “الأخضر” السنوي على النحاس مليون طن ، أو 3٪ فقط من العرض. يعتقد البنك أن يرتفع إلى 5.4 مليون طن بحلول عام 2030.

لدينا في مصر دافعان أساسيًا في السوق المحلي يجعلان الاستثمار في تعدين أو تصنيع النحاس فرصة جديرة بالنظر:

أولهما: أن لدى مصر مناجم نحاس مُنتشرة في الصحراء الشرقية وشبه جزيرة سيناء، غير مُستغلة بشكل لائق في الوقت الحالي، أهمها سرابيط الخادم وفيران وسمرة، وكذلك في  أبو سويل ووادي حيمور وعكارم.

أما الثاني: فإن المشروع المصري الأساسي للخروج من الأزمة الاقتصادية المُستمرة مُنذ عشرات السينين يتمحور أساسًا في التحول إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة، والذي يستهدف ذلك إنتاج الطاقة الكهربية من الشمس والرياح بغرض تصديرها، وكذلك استيرادها من دول الخليج لإعادة تصديرها إلى أوروبا، مما يخلق طلبًا غير محدود سواء على النحاس اللازم لكابلات الربط، أو لتصنيع الخلايا الشمسية.

كذلك أظهرت الحكومة نية أكيدة للتحول إلى تصنيع السيارات الكهربية من مصنع النصر للسيارات بنحو 25 ألف سيارة سنويًا، بالإضافة إلى توقيع عقد آخر مع شركات صينية لتوطين صناعة الألواح الشمسية بقدرة خمسة جيجا وات سنويًا، وهو مُحرك آخر للطلب الفائق على النحاس.

تُشكل التحركات الأخيرة على أسعار النحاس إذًا فرصة أمام الاقتصاد المصري، لكنها كذلك تمثل تحديًا سيقف عائق كبير وسيرفع تكلفة تحيقي المشروعات المصرية المُستقبلية، مما يجب العمل  على تحييده في الوقت الحالي.

في النهاية نتمنى أن تلفت هذه اللمحة نظر بعض المُستثمرين الوطنين إلى قطاع التعدين وصناعة المعادن بشكل عام وفي مصر، وعلى وجه الخصوص النحاس الذي يمُثل عنصر واعد للغاية في الوقت الحاضر والمستقبلين المتوسط والطويل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى