سياسة

من الردع المعنوي للردع المادي.. كيف تعزز مقاتلات “الرافال” من القدرات المصرية الشاملة؟

أعلنت وزارة الدفاع المصرية في 4 مايو الجاري توقيع عقد مع فرنسا لتوريد 30 مقاتلة رافال، وذلك من خلال القوات المسلحة المصرية وشركة “داسو أفياسيون ” الفرنسية. وذكر البيان أن العقد المبرم سيتم تمويله من خلال قرض تمويلى يصل مدته كحد أدنى 10 سنوات. وأثار الإعلان المصري عن صفقة مقاتلات الرافال الانتباه في أوساط المراقبين ومحللي السياسات الدفاعية؛ نظرًا لعدد المقاتلات الكبير نسبيًا والمُشمل في العقد (30 مقاتلة)، والتوقيت الذي جاءت فيه الصفقة وما يحيط به من تحولات أمنية تجري بالمنطقة دفعت ببروز حالة من اللايقين تجاه غالبية التفاعلات الجيوسياسية وتبعاتها. فكيف جاءت تلك الصفقة، وكيف ستضيف لمجمل القدرات المصرية الشاملة، وما علاقتها بمخططات التنمية المستدامة من العلمين حتى سيناء ومن بورسعيد حتى أسوان؟

الرافال على المستوي التكتيكي.. حجز الزاوية في الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وباريس

بعد السقوط الدراماتيكي لتنظيم الإخوان في مصر صيف العام 2013، بعد 369 يومًا من وصولهم لسدة الحكم، اتجهت الحكومة المصرية لتنفيذ أكبر عملية تحديث شاملة لأفرع القوات المسلحة منذ تشكيل الجيش المصري بأنساقه القتالية في حقبة محمد على باشا. حيث حلت فرنسا كمزود رئيس للأسلحة والتقنيات العسكرية الحديثة لمصر خلال الفترة 2013-2017 حسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. 

إذ نجحت القيادة المصرية في التوقيع مع الجانب على عقود دفاعية لسلاحي الجو والبحرية، وكانت أبرز محطات هذا التعاون في:

  1.  استقدام حاملتي المروحيات وسفن الهجوم والإنزال البرمائي من طراز ميسترال “جمال عبدالناصر – أنور السادات” في منتصف العام 2016 بموجب عقد مع شركة “نافال جروب” الفرنسية تم توقيعه في فبراير 2015، وأرفقت صفقة حاملتي المروحيات ميسترال، بصفقة تتشكل من فرقاطة شبحية ثقيلة متعددة المهام من طراز “فريم” وتعتبر من أقوي فرقاطات الشرق الأوسط نظرًا لقدراتها المعززة على الدفاع الجوي ومكافحة الغواصات، و 4 كورفيتات ثقيلة متعددة المهام من طراز جويند 2500 تم بناء ثلاثة منها في ترسانة الإسكندرية البحرية بعد الاتفاق على نقل تكنولوجيا التصنيع للكوادر المصرية.
  1. استقدام 24 مقاتلة رافال، بموجب اتفاقية مع شركة “داسو أفياسيون” في فبراير 2015. وأتي توقيع الاتفاقية على هامش زيارة قام بها وزير الدفاع الفرنسي جان ايف لودريان القاهرة، لتأكيد دعم باريس للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مواجهة أخطار جيوسياسية أبرزها الإرهاب، بيد أن صفقة الرافال الأولي شملت إمكانية التعاقد على 12 مقاتلة إضافية بجانب الـ 24 مقاتلة المشملة في العقد. 

من هاتين النقطتين السابقتين وقف الجيش المصري وأفرعه الميدانية أمام نقطة تحول رئيسية على المستوي التخطيطي والتسليحي والعملياتي. فقدوم حاملتي المروحيات وسفن الهجوم والإنزال البرمائي قد أكسب الجيش المصري قدرة النقل التعبوي الاستراتيجي خارج الحدود الدولية. وهو ما تم ترجمته في تدشين أسطولين “الشمال – الجنوبي”. بنطاقات عمل تشمل البحرين الأبيض المتوسط، والأحمر. 

 إذ تتمتع الميسترال بمدي عملياتي يتعدى الـ 11 ألف كم، فضلًا عن قدرتها على إعاشة 658 فردا بعدد 80 قُمرة للطاقم تسع 187 فردا، بخلاف 132 قُمرة للقوات المحمولة تسع 481 فردا بإقامة كاملة لمدة تصل الى 6 أشهر. ويُمكن استيعاب حتى 900 فرد بتجهيزات الإعاشة للمهام قصيرة المدى. 

هذا بخلاف، استيعاب حتى 70 مركبة مدرعة أو 40 دبابة أبرامز أو خليط من 13 دبابة أبرامز + 58 مركبة مدرعة، أو حتى 123 مركبة مدرعة و10 دبابات أبرامز في حال عدم وجود اي مروحيات، حيث تسمح حظيرة المروحيات بحمل 35 مركبة مدرعة بوزن 13 طن لكل منها. مع الأخذ في الاعتبار مساحة سطح السفينة 5200 متر الذي يستوعب حوالي 6 مروحيات من كل الأنواع، مع وجود حظائر الطيران أسفل سطح السفينة والقادرة على استيعاب من 12 لـ 20 مروحية متوسطة.

إكساب الجيش المصري قدرة النقل التعبوي الاستراتيجي خارج الحدود الدولية، قد فرض هو الآخر جملة من الترتيبات التكتيكية:

  1. تشكيل مجموعة قتالية من القطع البحرية لمرافقة وتأمين حاملتي المروحيات، إذ تعتبر الميسترال بمثابة “هدف استراتيجي عائم” نظرًا لقدراتها المعززة في السيطرة والقيادة وإدارة العمليات القتالية والكوارث. إذ تضم نظام معلومات القيادة والتحكم البحرية (C2IS) وهو المسؤول عن أعمال القيادة والتحكم العملياتية أثناء المهام المشتركة والدولية، وأعمال نشر القطع البحرية والقوات البرية، ويملك القدرة على التوافقية والعمل البيني مع باقي البحريات على مستوى العالم المتصلة بالشبكات العسكرية والعاملة بأنظمة معلومات قيادة وتحكم أخرى. ولهذا أُرفِق مع الميسترال تشكيل الفرقاطات المعززة بقدرات الدفاع الجوي وضرب قطع السطح والأهداف الساحلية، والغواصات ولانشات الصواريخ الهجومية، لتأمين دائرة حول الميسترال لا يقل نصف قطرها عن 300 كم.
  1. وجوب تأمين مظلة جوية لكافة القطع البحرية الموجودة في تشكيلات مرافقة وحماية الميسترال ضمن مداها العملياتي الذي يتخطي عتبة الـ 11 ألف كم، فعلى الرغم من وجود قطع سطح بحرية مختصة بمهام الدفاع الجوي، إلا أن تكتيكات الحرب الحديثة “الجو / بحرية” تفرض تغطية المقاتلات لنطاقات عمل القطع البحرية ولاسيما حاملات المروحيات، وذلك للقيام بمهام التحريم الجوي، والاستطلاع والاستخبار الإلكتروني، والضرب الجراحي الدقيق. وخاصة أن قدوم الميسترال قد نقل البحرية المصرية من بحرية تأمين سواحل، لبحرية زرقاء قادرة على ارتياد أعالي البحار في النطاقات الإقليمية.

أي أنه كلما ازداد نطاق تمدد سلاح البحرية المصرية في العمق اتسع مدي سلاح الجو، ويشابه الأمر كثيرًا الدينامية التي اتسعت من خلالها أمدية المدفعية المصرية في حرب أكتوبر، فكلما تقدم القوات شرق القناة، كلما زادت المدفعية المصرية من مدى نيرانها لتغطي تقدم هذه القوات بأكبر تغطية نارية في تاريخ الحروب المعاصرة.

ما أبرز قدرات الرافال؟

تعد مقاتلات الرافال من مقاتلات الجيل الرابع ونصف، المتقدم تقنيًا. فهي بمثابة المقابل لمقاتلة الـ F35 الشبحية التي تمتلكها إسرائيل الآن وباتت تجربها في الساحة السورية وفوق الأجواء اللبنانية. 

من الخطأ الشائع النظر لمقاتلات الرافال على أنها مقاتلات متعددة المهام، فهي بالأساس مقاتلة (كل المهام). نظرًا لقدرتها على تنفيذ أكثر من مهمة في الطلعة الجوية الواحدة ولإمكاناتها في المناورة والحرب الإلكترونية وحزمتها التسليحية المميزة، ويمكن إبراز أهم القدرات كالآتي:

  • اختراق عمق العدو من ارتفاعات منخفضة.
  • الاستطلاع والدعم الجوي القريب.
  • التهديف الديناميكي، أي: “ضرب الأهداف التي يتم تعريفها في وقت متأخر جدًا أو تلك التي لم يتم تضمينها مع باقي الأهداف المحددة مُسبقًا”.
  • الضربة الجوية الجراحية ضد الأهداف الأرضية والتحريم الجوي.
  • الإمداد الجوي بالوقود للمقاتلات الصديقة.
  • حمولة تسليحية تصل لـ 9.5 طن مثبتة على 14 نقطة تعليق ببدن المقاتلة.
  • أقصي مدي عملياتي يصل لـ 3700 كم بخزانات وقود إضافية. سقف الارتفاع الأقصى 15 كم.
  • أنظمة رصد وتهديف قادرة على رصد 40 هدف، والاشتباك مع 8 في وقت واحد.
  • حزمة تسليحية تضم صواريخ “ميكا” الموجهة بالرادار النشط والأشعة تحت الحمراء. وصواريخ “سكالب” الجوالة والموجهة بالأقمار الصناعية والملاحة بالقصور الذاتي. وصواريخ “إكسوسيت” المضادة للسفن. ومجموعة من القنابل الذكية القادرة على اختراق الكتل الاسمنتية. 
  • بصمة رادارية منخفضة تصل لـ المقطع الراداري 0.1 – 0.2 متر²، 
  • حزمة سبكترا الالكترونية، وتُعد واحدة من أفضل حزم الحرب الإلكترونية للمقاتلات على مستوى العالم يتم التحكم بها بواسطة كمبيوتر مٌكوّن من ثلاث معالجات متطورة، وتتألف هذه المنظومة من (نظام للرصد + نظام للتشويش + نظام للتحذير من الصواريخ المقتربة + نظام تحذير ضد أشعة الليزر الصادرة من أجهزة التوجيه لدي العدو). 

وتخدم مقاتلات الرافال المصرية في السرب رقم 34 ” الذئاب الوحشية Wild Wolves ” التابع للواء الجوي رقم 203 ” العاصفة Storm ” ويحمل هذه الشارات:

ومن هذا الأساس التكتيكي، جاءت الحاجة لصفقة أخري من مقاتلات الرافال. إذ شكلت مقاتلات الرافال حجر الزاوية في الشراكة الاستراتيجية المصرية الفرنسية. حتى وقع الطرفان عقدًا في 4 مايو الجاري، يقضي بتوريد سلاح الجو المصري بـ 30 مقاتلة، تتسلمهم القاهرة ما بين 2022 لـ 2026. فماذا عن المستوي الاستراتيجي، وما محصلة (التكتيكي + الاستراتيجي) في تعزيز القدرات المصرية الشاملة، وتباعًا منظومة الردع؟

“الردع المادي”.. الرافال على المستوي الاستراتيجي

بعد تشظي ظاهرة الإرهاب العابر للحدود إثر موجات ما يُسمي بالربيع العربي؛ وتسارع دينامية التنافس الإقليمي الحاد بين (تركيا – إيران – إسرائيل) وتراجع الدور الأمريكي في المنطقة، وخفوت تأثيره على إيقاع التنافس الحاد بين الثلاثي الإقليمي السالف ذكره؛ تعاظمت التحديات والتهديدات المصرية القادمة من عدة إحداثيات (الجناح الشرقي للمنطقة العربية + ليبيا + شرق المتوسط + البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي).

بيد أن هذه الإحداثيات قد غطت جميع الاتجاهات الاستراتيجية لمصر. وربما للمرة الأولي في تاريخها المعاصر تواجه الدولة المصرية مصفوفة من التهديدات المنطلقة من كافة الاتجاهات الاستراتيجية. وتراوحت هذه التحديات والتهديدات ما بين “النمطية / الغير نمطية”، وفي كلا النمطين اقتضت الحاجة لامتلاك سلاح جو قادر على الوصول لمناطق في عمق هذه الاتجاهات، فضلًا عن مواكبته لمهام الحرب الحديثة. وتباعًا توفير الدعم الجوي اللازم لقدرة النقل التعبوي الاستراتيجي لمصر والمكتسبة حديثا بفضل قدوم حاملات المروحيات ميسترال. ومن هذه التهديدات الاستراتيجية والتي تقع ضمن المدي العملياتي لمقاتلات الرافال:

  1. تهديد مناطق الاختناق المرورية البحرية والمضائق في المنطقة والمرتبطة بالبحر الأحمر وتباعًا قناة السويس. وفي هذا الصدد نشر المرصد المصري ورقة تحليلية بعنوان “الصراع على المضائق البحرية في المنطقة وأساليب المعالجة المصرية“. 
  2. بروز شبكة تحالفات إقليمية “دولية + فواعل من غير الدول” معادية للدولة المصرية، وخاصة بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013. وقد وظفت هذه التحالفات مختلف الأدوات الإعلامية والاستخباراتية والإرهابية ليس فقط لمواجهة تمدد الدور المصري في المنظومة الأمنية الإقليمية ومحاولة فرض وقائع ميدانية في الاتجاهين “الغربي والجنوبي” لابتزاز الدولة المصرية؛ بل لمحاولة تأليب داخله، وحرف القطاعات الشعبية المصرية عن موروثها الوطني والقيمي.
  3. تهديد الأمن المائي المصري من قِبل إثيوبيا ببناء سد النهضة، والتعنت لقرابة العقد في مسارات المفاوضات ورفض الوساطات الدولية، والإصرار على الملء من دون اتفاق ملزم وقانوي يراعي مصالح دول المصب. 

من هذه النقاط الثلاثة الرئيسة، تحتم على القيادة المصرية، الانتقال من مرحلة “الردع المعنويالذي يعني امتلاك القدرة على ردع الخصوم والأعداء من المساس بالأمن القومي، والإضرار بالمصالح المصرية بالقوة الصلبة والذكية؛ لمرحلة “الردع المادي”، ويعني عدم التردد في استخدام القوة والتعبير عنها داخل الاتجاهات الاستراتيجية. 

وبالنظر إلى أسطول سلاح الجو المصري الذي يعد الأكبر في العالم الذي يجمع بين الطائرات الامريكية والروسية والفرنسية والصينية؛ نجد أنه واكب في الثمان سنوات الأخيرة، ومن حيث المدي العملياتي، التطور الحاصل في كل من:

  • اتساع رقعة نشاط الميليشيات الإيرانية والتركية في الإقليم ومنشآت البني التحتية العسكرية التابعة لهما.
  • تقليل الفارق بين سلاح الجو المصري والإسرائيلي.

وفي هاتين النقطتين احتلت الرافال فيهما أدوارًا رئيسة، ولعل في قصف سلاح الجو المصري أهداف في الجفرة الليبية، مايو 2017، دليلًا على كون مقاتلات الرافال ذراع مصر الطولي في الجو

وما يفسر الرغبة المصرية في الاستفادة القصوى إجراءات التحديث الشامل للقوات المسلحة، اتجهت مصر لتطوير منشآتها للبني التحتية العسكرية، بتدشين 5 قواعد عسكرية كبري على أطراف الجغرافيا المصرية، أبرزهم قاعدتي “برنيس” في اقصى الجنوب الشرقي على البحر الأحمر، و “جرجوب” في اقصى الشمال الغربي. هذا فضلًا عن قاعدة محمد نجيب في المنطقة الغربية العسكرية والتي تعد من أكبر قواعد الشرق الأوسط ونقطة انطلاق وتمركز للجيش المصري في الاتجاهين الشمالي والغربي. 

وعليه، فإن مقاتلات الرافال تضيف لمنظومة الردع المصرية، مفهوم قدرة الضرب الاستباقي عالي الدقة، والاستجابة السريعة، والتهديف الديناميكي تجاه العدائيات المختلفة من منشآت بني تحتية وصولًا لتشكيلات عسكرية معادية. لتصب مقاتلات الرافال في وزن نوعين الردع “المعنوي + المادي”. لتعزز قدرة الوصول والاستجابة لخمسة نقاط حساسة داخل المجال الحيوي المصري (شرق المتوسط + ليبيا + الساحل والصحراء + مضيق باب المندب وبحر العرب + الجناح الشرقي للمنطقة العربية).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى