مصر

من أرشيف الوطن: “الدراما التسجيلية” النموذج الجماهيري الأنجح في تأريخ الجرائم وتوثيق البطولات

تميزت الدراما الرمضانية موسم 2021 باستمداد أحداثها من وقائع حقيقية عاشها المصريون على مدى عشر سنوات من الزمان، وقد اعتمدت المسلسلات التي حققت أعلى مشاهدات في السباق الرمضاني وحظيت بإشادة من النقاد على الدمج بين التوثيق والمعالجة الدرامية فحققت طفرة في تناول الأحداث الحقيقية خصوصًا تلك المرتبطة بأحداث قريبة زمنيًا إلى حد كبير.

ملحمة الاختيار في نسختها الثانية اعتمدت بشكل كبير على التأريخ والتوثيق لجرائم الإخوان التي لا يزال المصريون يتذكرونها ولبطولات رجال الشرطة الذين فقد المئات منهم منذ أحداث يناير 2011، ويحسب للمعالجة الدرامية أنها حولت المادة الصماء لتناول بطولات رجال الشرطة الشهداء إلى صوت وصورة يمكن إعادتهم لعدد لا نهائي من المرات؛ مما يحفظ حق هؤلاء الشهداء بالنسبة للأجيال القادمة. ومنحت المعالجة لهذه المادة الجامدة الحياة فأعادت بعثها وإخراجها لجموع المصريين بصورة تليق بمن فقدوا أرواحهم فداءً للشعب والوطن.

فسحر الصورة هو ما يميز الفن السينمائي والتلفزيوني الذي تصل رسالته إلى أكبر عدد من الجماهير وإن كان مكلفا، لكنه سهل في الوصول وتكون رسالته أقوى من غيره من الوسائل، حيث يستخدم فيها العاطفة، في ظل أن هناك قضايا كثيرة جدا إذا تمت معالجتها عن طريق الكتابة تفشل.

بعد اجتماعي

ومن الناحية الفنية يمكننا القول أن الاختيار 2 تفوق على المعالجة الدرامية التي حظي بها الجزء الأول بسبب الاهتمام بالبعد الاجتماعي بشكل أكبر خلال الجزء المذاع حاليًا، مع الوضع بالاعتبار أنه بعد نجاح الجزء الأول من الاختيار كان صناع العمل أمام تحدٍ لإخراج عمل على نفس القدر من التميز على أقل تقدير. وكذلك فإن ما يميز التناول الدرامي للإرهاب هذا العام، أنه قدم نظرة شمولية لهذه الأنظمة الإرهابية وذلك على مستوى أكثر من عمل درامي وليس في عمل واحد، كما شاهدنا طوال الموسم في مسلسلات الاختيار والقاهرة كابول. 

أهمية تسجيل الانشقاقات

بالنظر إلى عدد العمليات الإرهابية التي نفذها ضباط منشقون عن الداخلية والتي وصلت إلى 18 عملًا إرهابيًا ارتُكبت من قبل 4 ضباط ظهرت أهمية خاصة لتسجيل تلك الأحداث ومرتكبيها.

C:\Users\owner\Downloads\ارهاب_9.jpg

فعرض مسلسل الاختيار 2 جانبًا من العمليات الإرهابية التي شارك فيها هؤلاء الضباط الذين اعتنقوا الفكر التكفيري، وشنوا هجمات ضد الضباط والأفراد بمختلف المحافظات، كان على رأسها اغتيال 3 قضاة بمدينة العريش في سيارة ميكروباص، واستهداف القضاة المشرفين على الانتخابات البرلمانية بشمال سيناء ما أسفر عن استشهاد قاضيين و4 من قوات الشرطة وسائق، هذا فضلًا عن التخطيط لاغتيال الرئيس عبد الفتاح السيسي.

أما الضباط المشقون فهم خيرت سامي عبد المجيد، ومحمد جمال عبد العزيز، وإسلام وئام أحمد، وحنفي جمال محمد. وفور اكتشاف وزارة الداخلية أمر الضباط قامت بتعميم منشور بأسمائهم وصورهم وبياناتهم، وحذرت من اقترابهم من الأماكن الحيوية، وطالبت المواطنين بالإدلاء بأي معلومات تفيد وتسهل عملية القبض عليهم.

إضافة إلى أن التحقيقات التي جرت حول الضباط الـ4 أكدت أنهم من خريجي دفعة 2012 بكلية الشرطة، والتحقوا بأحد قطاعات الأمن المركزي، وشاركوا في فض اعتصام رابعة العدوية، وأدوا عملهم بقوة، وحضروا واقعة استشهاد اثنين من زملائهم، هما الشهيدين محمد جودة ومحمد سمير، وكانوا يدافعون عن عملية فض رابعة، معبرين عن حزنهم بسبب استشهاد زملائهم.

وكشفت التحقيقات، أنه خلال عامي 2014 و2015، بدأ الضباط في التردد على أحد الأماكن لتلقي دروسًا دينية على يد أحد العناصر التكفيرية، وتم رصدهم بمعرفة قطاع الأمن الوطني، وجرى إبعادهم من إدارة العمليات الخاصة ذو الطابع الأمني الحساس.

جرائم القيادات

وكما حرص صناع العمل على توثيق بطولات شهداء الشرطة، حرص على توثيق جرائم بعض القيادات الإخوانية البارزة ومنها عملية استهداف الإرهابي محمد كمال، عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان الإرهابية، والمسؤول الأول عن كياناتها المسلحة، والذي كان مختبئًا بإحدى الشقق بمنطقة البساتين بالقاهرة برفقة حارسه الإرهابي ياسر شحاتة. وكانت وزارة الداخلية نشرت بيانًا عقب تصفية أعضاء الجماعة الإرهابية الذين حاولوا الفرار من قوات الأمن وذلك من خلال إطلاق الأعيرة النارية تجاه قوات الشرطة، إلا أن القوات تعاملت معهم وقامت بتصفيتهم.

C:\Users\owner\Downloads\resize.jpg

الإرهابي محمد كمال هو مؤسس الجناح المسلح للتنظيم الجماعة، ولجانه النوعية بالبلاد، والقائم على إدارة وتخطيط وتدبير عملياته العدائية التي كٌلفت بها عناصره خلال الفترة الماضية من قيادات التنظيم بالخارج، وكان على رأسها اغتيال الشهيدين النائب العام السابق الشهيد هشام بركات، والعقيد وائل طاحون، ومجموعة من ضباط وأفراد هيئة الشرطة والقوات المسلحة، ومحاولة اغتيال المفتي السابق الدكتور علي جمعة.

جرائم ضد شركاء الوطن

وكذا، حرص التناول الدرامي للأحداث على عرض الجرائم التي ارتكبتها الجماعة الإرهابية بحق دور العبادة المسيحية فجاء المشهد الأخير من الحلقة الثانية والعشرين من مسلسل الاختيار 2، ليعرض لقطات حادث تفجير الكنيسة البطرسية بالعباسية أواخر شهر ديسمبر عام 2016، والتي نفذها الانتحاري التكفيري محمود شفيق محمد مصطفي. 

C:\Users\owner\Downloads\2302887.jpg

انضم الانتحاري لخلية يعتنق مؤسسها وعناصرها الفكر التكفيري، وهي خلية الكنائس ومن بينهم سيدة، حيث نفذوا العملية، وتمكنت أجهزة الأمن من القبض عليهم في اليوم التالي للحادث.

ردود أفعال واسعة

أما عن رد الفعل الجماهيري فإنه منذ أن بدأ الإعلان عن مسلسل تلفزيوني مصري يتناول أحداثا أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومواقع التواصل في مصر تشهد جدلًا صاخبًا بلغ حدته بعد عرض الحلقة الخامسة من مسلسل الاختيار 2 التي دارت أحداثها حول فض قوات الأمن اعتصامًا لأنصار الرئيس الإسلامي محمد مرسي في محيط مسجد رابعة العدوية في القاهرة عام 2013.ومع كل حلقة جديدة من المسلسل تزداد حالة الشد والجذب بين المصريين.

وما أن تم بث الحلقة الخامسة من “الاختيار2″، حتى برزت منازلة إعلامية بين القنوات المصرية والقنوات المعادية بينما انقسم متابعو المسلسل إلى فريقين انبرى كل واحد منهما في عرض صور ولقطات من الحلقة الخامسة مرفقة بشهاداته الخاصة لما حدث في أغسطس 2013. وعلى الرغم من أن العمل الدرامي حرص على مزج المشاهد الدرامية بمشاهد حقيقة لتوثيق فض الاعتصام ما يدل على حيادية صناع المسلسل. وبذلك فقد فكك رواية الإخوان التي كانت مبنية على صناعة المظلومية إضافة إلى أن الاختيار 2 نجح بجزأيه في توضيح مفهوم وضرورة الإصلاح الديني، وفي تصحيح الكثير من المغالطات الفكرية التي رسختها حركات الإسلام السياسي. بينما حذر البعض الآخر من أن هذه النوعية من الأعمال من الممكن أن تعيد مصر إلى دائرة الاستقطاب السياسي والاجتماعي.

C:\Users\owner\Downloads\20210308041059659.jpg

 ويأتي مسلسل الاختيار في إطار توجه فني عام لإنتاج عدد من المسلسلات الدرامية المقتبسة من ملفات المخابرات المصرية أو تلك التي تحمل طابعا مشابها. ومن بين تلك الأعمال “مسلسلي “هجمة مرتدة” و”القاهرة كابول”. وهو اتجاه محمود لأن تلك المعالجات الدرامية تنجح في تجميع العائلة وتوعية الشباب بخطر التطرف وغرس القيم الوطنية.

سحر الصورة

ومهما كانت الاتفاقات أو الاختلافات فإن الدراما سلاح مهم جدًا في المجتمع المصري لأنها تخاطب كل المستويات الموجودة في المجتمع، لذلك يجب استغلالها وتوظيفها بالشكل الصحيح. وفي هذا الإطار فإن أحداث مسلسل “الاختيار 2” تناقش فترة مهمة من تاريخ مصر والشعب كله يريد أن يرى ماذا فعلت مؤسسات الدولة في الحفاظ على الوطن وكم التضحيات التي بذلت والتخطيط العلمي الذي تعمل به تلك الأجهزة.

مع الوضع بالاعتبار أن النقل عن أحداث حقيقية، يتطلب نقل ما حدث كما هو، لكن بشكل يتناسب مع محددات وقواعد الدراما التليفزيونية، لأن هذا العمل سينقل المشاهد من مقعده الذي يجلس عليه إلى عالم الأحداث وقت وقوعها، وهنا يبرز الدور المهم الذي تلعبه الدراما في تشكيل وعى المشاهد وزيادة الحس الوطني بداخله، خصوصًا أننا نعيش عصر التقنيات الحديثة التي تساعد المخرج في تنفيذ المعارك بشكل أشبه بالحقيقة، مما يزيد من تأثير المسلسل في وجدان المشاهد.

وفي نفس الإطار فإنه علينا أن نتعامل مع الواقع الذي نعيشه، بمعنى أن الجيل الحالي أصبح لا يهتم بالقراءة وخلال الفترة الحالية يستقي الشباب معلوماتهم من الإنترنت؛ لذلك أصبح في الوقت الحالي العبء الأكبر يقع على عاتق الدراما التليفزيونية التي تستطيع أن تنقل البطولات التي لم يرها أحد إلى الشاشة، حتى يتعرف عليها الجمهور.

C:\Users\owner\Downloads\9B3BD51C-94E3-4650-B965-4DB18B921ACF.jpg

 خصوصًا أن القطاع الأعرض من الشباب لا يهتم بمتابعة الأخبار ومجريات الأحداث ولكن التعرض لعمل درامي يثير لديه التساؤلات ويجعله يبحث ويحقق في أصل الموضوع، وعلى سبيل المثال لو تعرض المسلسل لأحداث كرداسة، فالطبيعي أن يتساءل المشاهد العادي ماذا حدث في هذه المنطقة، ولماذا يتجمع فيها الإرهابيون؟ ولماذا تم حصار قسم الشرطة هناك ومن هم الأبطال الذين قاوموا هؤلاء الإرهابيين؟ وغيرها من الأسئلة التي يخرج منها المشاهد بجرعة كبيرة من المعرفة، والتي تزيد لديه الوعي وكان السبب فيها هي الدراما الوطنية.

ويمكننا عن طريق ما تقدم أن نؤكد أن السينما والدراما التليفزيونية هما عنصرا توثيق لأحداث التاريخ الحديث لمصر ولذلك فإنه إذا أردنا كشف الغطاء عن بعض العمليات البطولية، فالمهم هو كيفية تحويلها لمسلسل درامي، لكن الأهم أن ينفذ بشكل جيد خصوصا أن لدينا الآن جيلا جديدا من المخرجين والفنيين الذين يستطيعون إخراج عمل فني في أبهى صورة، تستطيع أن تجذب إليه أنظار المشاهدين وتعريفهم بالتضحيات التي قام بها أبطال من أجل البلد حتى يصبحوا قدوة للشباب.

ولابد أن نتذكر دائمًا أن مصر تعتمد دائما على قوتها الناعمة في توصيل وفهم الأشياء، لأن المجتمع لديه تفاوت في المسألة التعليمية، ولذلك فقد تستطيع أغنية مدتها دقائق معدودة أن تجمع الناس على هدف واحد مثلما حدث أيام حرب الاستنزاف ونصر أكتوبر، كذلك المسلسل الدرامي الذى يعرض يستطيع أن يؤثر بشكل مباشر في المشاهدين، ويزيد من الانتماء الوطني لديهم. 

وهذه النوعية من الأعمال تعيد أيضًا إحياء فكرة أن الدولة المصرية فاعل وليست مفعولًا به، وأن هناك من يخطط ويذهب للخصم في عقر داره، ويقوم بتنفيذ خطته بدقه متناهية وينجح في ذلك عن طريق الضربات الاستباقية، ولذلك فإن توظيف القوى الناعمة المتمثلة في الدراما يسهم في إعادة تشكيل وعى المواطن المصري، وحاليا توجد رؤية ثاقبة أسهمت في تحويل المشهد الدرامي لمشهد حقيقي يعبر عن قيمة مصر وقواها الناعمة وتشكيل الوعى الاجتماعي.

في نهاية المطاف فإن للفن دور مهم للغاية في صناعة الوعي وبناء الإنسان، فالوعي مرتبط بالفهم وسلامة الإدراك، والفنون دائمًا ما تلعب دورًا محوريًا في المجتمع الإنساني.

القاهرة – كابول أم كابول- القاهرة؟

C:\Users\owner\Downloads\173-234425-tariq-lotfi-ramadan-drama-cairo-kabul_700x400.jpg

بطلنا في هذا العمل هو الكاتب عبد الرحيم كمال، الذي سلط الضوء على قضية لها بعدها المصري والعربي والعالمي، وهي تسييس الدين وتديين السياسة.

العمل الذي بين أيدينا ركز على عرض عدة تنويعات في القضية بزوايا مختلفة عن الإرهاب الذي يتستر بالدين الإسلامي، لذلك هناك تكامل في المشاهد ومنطق لوجود توجه لمحاربة التطرف، مع الوضع في الاعتبار أن هناك جرأة في عرض الأحداث وعدم التستر على بعض العناصر الفاسدة، وهنا من الضروري أن نؤكد على أن هناك مساحة من الحرية في عرض الأحداث والوقائع كاملة، مما لعب دورا مهما في توصيل الفكرة، وقد يشكل هذا تأسيسًا يتم البناء عليه فيما بعد لرؤية تطور كبير في معالجة مثل هذه القضايا من خلال الفن. 

يسلط القاهرة – كابول الضوء على مشهد جنازة أم كلثوم 1975 حيث بدأ بث المعلومة التي تحيل هذا الطفل إلى قنبلة موقوتة ضد الفن وقبل ذلك ضد الحياة، بينما هناك من الأصدقاء الأربعة من هو على النقيض تمامًا حيث يحلم بالفن ومنهم من هو مولع بالإعلام وكيف أنه من الممكن أن يكون أداة لتزييف الحقيقة، إضافة إلى تقديم الجانب الأمني في شخصية الضابط، كل منهم إذًا اختار الطريق، الذى يعبر عن قناعاته وأفكاره، ونجح المخرج في عبور أدق مشهد درامي وأكثرها عمقا، وهو ما يؤكد أن عبد الرحيم كمال يشكل حالة مختلفة، تمنح خصوصية الكاتب وهجا وألقا، كما أنه يسبح في مساحة درامية تشبهه.

 وقد تضمنت الحلقة الثانية من أحداث المسلسل مشهد الرباعي الشهير الذي أصبح حديث السوشيال ميديا حيث شكل مبارزة فنية بين الأصدقاء الأربعة، هذا المشهد أدى إلى أن المتلقي أصبح جزءًا من الحالة التي يراها، وبالتالي بدأ بالتفكير كالشخصيات والتفكير في الأسس والدوافع فيما يشكل حالة من المكاشفة الإنسانية. 

C:\Users\owner\Downloads\63008ed7-2a02-4135-aedd-1876c0e956f1.jpg

والمسلسل بشكل عام إذ تدور أحداثه بين القاهرة كإحدى العواصم الكبرى التي استهدفها الإرهاب، وكابول عاصمة أفغانستان، التي كان يسيطر عليها بعض التنظيمات المتطرفة، وقد اختار المؤلف أربع شخصيات رئيسة حدد بدقة ملامح كل منها لتنطلق منها الأحداث.

البداية الصادمة للمسلسل جاءت مع حادث مقتل الشيخ الذهبي وزير الأوقاف المصري عام 1977 على يد “جماعة التكفير والهجرة”، وانتقلت بالمشاهد إلى وقوع عملية انتحارية بأحد المعسكرات الأميركية بأفغانستان، قام بها أحد أتباع الشيخ رمزي، وتخللت اللقطات الأولى من العمل مشاهد وثائقية لجنازة أم كلثوم، وعن طريق الفلاش باك يستعيد المخرج حوار بين الطفل رمزي وجاره الذي يخبره فيه أن الغناء حرام، وكذلك يأتي مشهد اغتيال الرئيس السادات عام 1981 في الحلقة الثانية ليزرع هذا الجار المتطرف في الطفل بذور التطرف، ويبدأ في السيطرة على عقله.

 عبد الرحيم كمال باختصار استطاع أن يقيم بنية تحتية لملابسات الإرهاب مع وعي تام بالتعامل مع شخصياته فيقدم بناءً فكريًا ونفسيًا لكل منها، باحثًا عن أسباب التحول، وكيف نمت جذور الإسلام السياسي في المجتمع. وبلمحةٍ عامة، يطرح “القاهرة كابول” أسئلة عن مصدر الإرهاب والتطرّف في العالم العربي مثلًا، ويفتح قضايا كثيرة عن علاقة المال والسلطة والإعلام، وكيف تؤثر في بعضها بعضا. 

وقد تنوعت المُعالجات الدرامية المصرية الخاصة بقضايا العنف والإرهاب بتنوع الآراء والثقافات وزوايا التناول، لكن القليل منها هو الذي اعتنى برصد مواطن التطرف وأسبابه وذهب بعيدًا عن النطاق الجغرافي المحلي، مُتتبعًا خطوط وخيوط الأزمة منذ بداياتها وحتى تفاقمها، مرورًا بكافة التفاصيل الكبيرة والصغيرة، مصادر التمويل والعمليات والشخصيات والتجارب الإنسانية والشخصية في رحلة قادة التيارات الذين يقطنون الصحاري والجبال، والمتأزمين بأفكارهم ودوافعهم والحاملين لشعار دولة الخلافة التي يسعون لتأسيسها ويتحملون في سبيلها عناء المطاردة والشتات والقتل.

القاهرة – كابول يقدم بانوراما مُتكاملة ليس عن الإرهاب فحسب كنتيجة للطموح والجموح والمجازفة بالأرواح والأموال، وإنما يطرح للتداول ما يشبه الدراسة الاجتماعية والنفسية للعناصر المتورطة في جرائم العنف على خلفيات عقائدية.

وكذلك، فإن اسم العمل أو عنوانه “القاهرة-كابول” يوحي بوجود خط إنتاج للإرهاب والإرهابيين مصدره القاهرة ونهايته كابول، وهو الخطأ الذي لم ينتبه إليه صُناع المسلسل، حيث أن المنطق بحسب المقصود والمُستهدف دراميًا يستوجب أن تكون كابول مقدمة في العنوان على القاهرة لتُصبح الدلالة في محلها، فكابول هي المنبع والمصب، بينما القاهرة هي إحدى المحطات.

ولكن يحسب للعمل أنه انتقل العمل الدرامي برشاقة بين الصحاري والجبال إلى المحاولات الأمنية لرصد بؤر الإرهاب في الأحياء الشعبية وتتبع خيوطها واقتفاء أثر أصحابها، وهو المضمار الذي يجتهد فيه ضباط الأمن الوطني.

المسلسل بشكل عام يقدم دراما مُتعددة المستويات والأبعاد ويمثل قفزة للأمام في مسار المعالجات الأمنية والنوعية لقضايا الإرهاب والعنف وما يترتب عليها من نتائج وآثار سلبية وأضرار مُجتمعية يدفع فواتيرها المواطن البسيط، القاطن في كابول أو القاهرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى