السد الإثيوبي

سفير مصر لدى واشنطن في مقال بفورين بوليسي: واشنطن وحدها تستطيع إنقاذ مفاوضات سد النهضة الآن

عرض – هايدي الشافعي

نشر موقع مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، يوم الخميس 29 ابريل 2021، مقالًا للسفير “معتز زهران” سفير مصر لدى الولايات المتحدة، حول أزمة سد النهضة الإثيوبي، بعد أن أعاقت إثيوبيا المفاوضات الأخيرة التي تمت برعاية الاتحاد الإفريقي في كينشاسا. وأشار المقال إلى التعنت الإثيوبي طوال المفاوضات، والتجاوزات الإثيوبية في الإجراءات الأحادية مع العديد من دول الجوار، وتأثير الملء الثاني لسد النهضة على مصر إذا تم بإرادة منفردة، وكيف يمكن لواشنطن أن تتدخل لإنقاذ المفاوضات الآن، قبل أن تؤثر أي إجراءات أحادية قد تتخذها إثيوبيا على أمن المنطقة.

فأوضح السفير”معتز زهران” في بداية مقاله أنه في أوائل أبريل، أحبطت إثيوبيا عملية وساطة أخرى، هذه المرة بقيادة الاتحاد الأفريقي، لحل أزمة متصاعدة على نهر النيل؛ إذ تقوم إثيوبيا ببناء سد النهضة الإثيوبي الضخم (GERD)، والذي من شأنه أن يعطل مصدرًا رئيسًا للمياه لمصر والسودان. وتمثل المفاوضات ما وصفته وزارة الخارجية المصرية بـ “الفرصة الأخيرة ” لإثيوبيا لحل النزاع المستمر منذ 10 سنوات.

ومع اقتراب إثيوبيا من ملء خزان السد من جانب واحد للمرة الثانية -وبالتالي تجاوز ” الخط الأحمر” الذي حدده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي- قد يكون الأمر متروكًا للولايات المتحدة للمساعدة في التوسط في حل سلمي، ومنع الاضطرابات في المنطقة التي تتطلع بلا شك قوى التطرف والإرهاب إلى استغلالها.

ولفت المقال إلى أن إدارة بايدن التي تدرس حاليًا أفضل سياسة لإدارة هذا الوضع يجب أن تعمل الآن. فمستقبل النيل الذي يمثل شريان الحياة لملايين المصريين والسودانيين على المحك. في عام 2011، دون استشارة أي من جيرانها في اتجاه مجرى النهر، بدأت إثيوبيا في بناء سد خرساني يبلغ ارتفاعه 509 قدم -وهو كبير بما يكفي لخزان يمكنه تخزين ضعف كمية المياه الموجودة في بحيرة ميد، أكبر خزان اصطناعي في الولايات المتحدة- على النيل الأزرق، وهو جزء حيوي من نهر النيل.

إذا تم ملء وتشغيل السد من جانب واحد، فقد يتسبب في إلحاق ضرر اجتماعي واقتصادي وبيئي لا يحصى في اتجاه مجرى النهر في مصر والسودان. وفي العام الماضي، في انتهاك لمعاهدة عام 2015، بدأت إثيوبيا عملية ملء أولية للسد. والآن تتعهد إثيوبيا بالمضي قدمًا في مرحلة ثانية كبيرة من ملء الخزان هذا الصيف، وذلك من خلال رفض الدعوات إلى حل عادل وبما يتفق مع سياستها الراسخة المتمثلة في استغلال الأنهار الدولية من جانب واحد.

إن التهديد الذي يشكله سد النهضة ليس افتراضيًا ولكنه حقيقي

وتطرق المقال إلى الأضرار التي قد يسببها ملء سد النهضة من جانب واحد، حيث أشار إلى إن قطع إمدادات أساسية من المياه من شأنه أن يزيد بشكل كبير من المخاطر التي يشكلها تغير المناخ في المنطقة. كواحدة من أكثر البلدان جفافًا في العالم، مع أقل من واحد على ستة عشر من موارد المياه المتجددة مثل إثيوبيا، تواجه مصر بالفعل نقصًا حادًا في المياه، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع مستويات سطح البحر. في الواقع، يعيش المصريون حاليًا تحت خط الفقر المائي، ومع قلة هطول الأمطار السنوية، فإن البلاد تعتمد بالكامل تقريبًا على نهر النيل للحصول على المياه المتجددة. لإدارة مثل هذه الظروف، تبنت مصر نظامًا وطنيًا لإعادة استخدام المياه عدة مرات في الزراعة، مما يحقق أحد أعلى كفاءة نظام الري الشامل في العالم.

وعلى الرغم من ادعاءات إثيوبيا بأن مشاريع الطاقة الكهرومائية لن تسبب أي ضرر، فإن ملء وتشغيل سد إثيوبيا من جانب واحد من شأنه أن يزيد الأمور سوءًا بسرعة لكل من مصر والسودان، مما يتسبب في أضرار بيئية واجتماعية اقتصادية خطيرة، مما قد يجبر أعدادًا كبيرة من العائلات على ترك منازلهم. علاوة على ذلك، سيكون لسد النهضة أيضًا آثار ضارة على السد العالي في أسوان في مصر، وهو سد متعدد الأغراض، وهو أكبر مصدر للطاقة المتجددة في مصر ولا غنى عنه في تأمين الاحتياجات المائية لمصر والسودان. حيث تشير الأمم المتحدة إلى أن كل انخفاض بنسبة 2 في المائة في المياه المتاحة يؤثر على مليون شخص.

وأشار السفير معتز زهران إلى دراسة أجراها مركز “Deltares” الهولندي، المتخصص في البحوث التطبيقية في مجال المياه والجوفية والبنية التحتية حول العالم، تناولت تأثير ملء سد النهضة الإثيوبي من جانب واحد على مصر، وتوصلت الدراسة أن ملء سد النهضة الإثيوبي من جانب واحد قد يؤدي إلى نقص المياه في مصر أكثر من 123مليار متر مكعب، وأنه في القطاع الزراعي وحده، كل نقص بقيمة 1 مليار متر مكعب من المياه الناتجة عن ملء السد أو تشغيله من جانب واحد ستؤدي إلى إجبار 290 ألف شخص على ترك العمل، وتدمير أكثر من 321.230 فدانًا من الأراضي المزروعة، وزيادة 150 مليون دولار في الواردات الغذائية ، وخسارة 430 مليون دولار من الإنتاج الزراعي.

وأوضح المقال أنه في الوقت الحالي، يتسبب سد آخر بنته إثيوبيا في أضرار جسيمة في كينيا. حيث كانت التداعيات شديدة لدرجة أن اليونسكو حذرت من انقراض بحيرة توركانا في كينيا. وكانت هناك أيضًا تقارير وبحوث حول الإجراءات التي تتخذها إثيوبيا من جانب واحد، بما في ذلك في حوض جوبا وشبيلي، دون تشاور مسبق مع الصومال، وتأثيرها السلبي المهم على الوصول إلى المياه والأمن في الصومال.

يمكن أن يؤدي عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الناجم عن مثل هذه السياسات الأحادية إلى مزيد من الاضطرابات في المنطقة. وتعمل إثيوبيا على تأجيج النيران من خلال تشويه سمعة السودان ومصر من خلال دفع الرواية الشعبوية المضللة التي تحاول وصف أي وجميع المخاوف بشأن سد النهضة على أنها متجذرة في الاستعمار، مدعية أن جيرانها في المصب يعارضون تنمية إثيوبيا ويحاولون فرض “المعاهدات الاستعمارية” على إثيوبيا.

تم تصميم هذا الوصف الخاطئ للسماح لإثيوبيا بصرف الانتباه عن التزاماتها القانونية الدولية الفعلية تجاه جيرانها في اتجاه المصب، والتي تشمل العديد من المعاهدات الدولية التي وقعتها إثيوبيا -جميعها بدون استثناء واحد، كدولة مستقلة ذات سيادة- بما في ذلك في 1902، و1993، و2015. خدمت هذه المعاهدات ولا تزال تخدم المصالح الوطنية لإثيوبيا، بما في ذلك، على سبيل المثال، ما يتعلق بحدودها. ومع ذلك، في حين أن إثيوبيا جنت الفوائد من توقيع هذه المعاهدات، فقد حاولت مرارًا وتكرارًا التنصل من التزاماتها المتعلقة بنهر النيل بموجب نفس المعاهدات.

كان من الممكن تجنب الوضع كما هو عليه اليوم

أشار المقال إلى أنه كان من الممكن تجنب الوضع الحالي، حيث كان هناك حل قابل للتطبيق مطروحًا على الطاولة . في عام 2019، بعد عقد من الرفض القاطع لأي نوع من الاتفاق، ناهيك عن مشاركة أي وسطاء أو مراقبين، قبلت إثيوبيا أخيرًا مشاركة ومساهمة واشنطن والبنك الدولي في هذه العملية. كانت الدول الثلاث على وشك توقيع اتفاق عادل، اتفاق تسوية مستوحى من نموذج التعاون الناجح الذي يحكم حوض نهر السنغال. ولكن في الساعة الحادية عشرة، ادعت إثيوبيا أن الاتفاقية المقترحة حرمت إثيوبيا من حقها في توليد الكهرباء بكفاءة من سد النهضة أو الخضوع لمشاريع مستقبلية، وأنها حاولت فرض حصص مياه لا تشترك فيها إثيوبيا.

وعلى عكس الادعاءات الإثيوبية، أكدت هذه الصفقة التوفيقية لإثيوبيا أنها ستولد الطاقة الكهرومائية من سد النهضة على نحو مستدام عند المستويات المثلى، في جميع الظروف الهيدرولوجية، مع حماية دول المصب من الجفاف المدمر. نصت بشكل لا لبس فيه على أنها ليست اتفاقية لتخصيص المياه، واعترفت بوضوح بحق إثيوبيا في الاضطلاع بمشاريع مستقبلية على النيل الأزرق وفقًا للقانون الدولي المعمول به، وسمحت للأطراف بإعادة النظر في الاتفاقية في غضون 10 سنوات.

واليوم، بعد عام واحد، ما زالت المفاوضات تتعثر تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، وكشفت تصريحات إثيوبيا الآن السبب الفعلي لتخليها عن محادثات واشنطن: إثيوبيا ترفض أي اتفاق ملزم قانونًا بشأن قواعد ملء وتشغيل السد الجديد، مطالبة بإطار عمل من المبادئ التوجيهية غير الملزمة التي يمكن أن تغيرها حسب هواها. وهذا يتعارض مع اتفاقية عام 2015 بشأن إعلان المبادئ بين الدول الثلاث.

وذلك على الرغم من أن البيانات السياسية الإثيوبية تتحدث عن التزامها بعملية الوساطة التي يقودها الاتحاد الأفريقي، مستشهدة بمبدأ “الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية”، فإن تصرفات إثيوبيا تقوض، في الواقع، دور الاتحاد الأفريقي. وقد تجلى ذلك من خلال رفض إثيوبيا القاطع، في الاجتماع الأخير الذي عقد في كينشاسا، بجمهورية الكونغو الديمقراطية، في أبريل، لمقترحات مشتركة متعددة من السودان ومصر لتمكين العملية التي يقودها الاتحاد الأفريقي. وذلك لأن إثيوبيا تفضل دورًا رمزيًا لرئيس الاتحاد الأفريقي على أن يكون له دور نشط.

من خلال الدبلوماسية المبدئية، يمكن لإدارة بايدن إعادة ضبط المفاوضات المتعثرة.

يلوح عصر جديد من الاستقرار والازدهار الاقتصادي المشترك في الأفق في إفريقيا والشرق الأوسط، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى القيادة الثابتة للولايات المتحدة. ويعد أحد الأمثلة على التغييرات المرحب بها التي تجتاح المنطقة هو اتفاقيات التطبيع الأخيرة التي توسطت فيها الولايات المتحدة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، والتي كانت تذكرنا بمعاهدة مصر الرائدة مع إسرائيل -التي توسطت فيها الولايات المتحدة أيضًا- منذ أكثر من 40 عامًا.

ومن هذا المنطلق، يشير السفير “معتز زهران” في نهاية مقاله إلى أن الولايات المتحدة تمتلك النفوذ اللازم لتشجيع إثيوبيا بنجاح على الانخراط بحسن نية في مفاوضات سد النهضة والامتناع عن الإجراءات الأحادية والسعي لتحقيق المصالح الذاتية الضيقة، والتي أضرت بالمصالح المشروعة لجيرانها. وكذلك فإن التماس الخبرة من الشركاء الدوليين، بما في ذلك الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، لدعم عملية الوساطة التي يقودها الاتحاد الأفريقي، سيكون ذا قيمة كبيرة في جعل المفاوضات تؤتي ثمارها في أقرب وقت ممكن.

سيضمن هذا الاقتراح أيضًا عدم وجود مجال لتوجيه أصابع الاتهام بشكل خاطئ، ولن يكون من المجدي تحدي حيادية كل هؤلاء الشركاء بقيادة رئيس الاتحاد الأفريقي، كما فعلت إثيوبيا مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد أن تخلت إثيوبيا عن عملية الوساطة التي قادتها الولايات المتحدة العام الماضي.

في سياق متصل، يُظهر التاريخ أن التقدم على طول نهر النيل يمكن أن يكون هشًا، ويمكن أن يكون لنزاع واحد آثار ضارة تزعزع استقرار المنطقة وتصل إلى حلفائنا في الغرب. كما سيؤدي الفشل في حل المشكلة المتصاعدة بسرعة بشأن سد النهضة إلى تسريع الآثار المدمرة بالفعل لتغير المناخ في المنطقة، وإطلاق موجة من الهجرة غير الشرعية إلى الغرب، وفتح الباب أمام صراعات جديدة وحتى الإرهاب في الشرق الأوسط وشرق إفريقيا.

وبالتالي، من خلال الدبلوماسية المبدئية، يمكن لإدارة بايدن إعادة ضبط المفاوضات المتعثرة، وتحقيق حل عادل لجميع الأطراف، وبذلك، في نهاية المطاف، حماية مصالحها الاستراتيجية مع ثلاثة حلفاء إقليميين مهمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى