كورونا

كورونا في الهند: أوضاع كارثية وسيناريو مرعب

بعد أن كانت السلطات الهندية منذ شهرين تقريبًا تحتفي بنجاحها في كبح انتشار فيروس كورونا، حدث تحول مفاجئ؛ إذ بات معدل الإصابات بفيروس كورونا في الهند معادلًا لنصف إصابات العالم تقريبًا، حيث تجاوزت معدلات الإصابة ال 17 مليون حالة حتى اليوم، وحدث انهيار كبير في المنظومة الصحية. وهي التطورات التي تجعلنا أمام سيناريو صعب يحمل في طياته العديد من التداعيات السلبية على نيودلهي خلال الفترات المقبلة.

أولًا-الحالة الوبائية في الهند

تكافح الهند حاليًا أمام موجة كاسحة من فيروس كورونا المستجد، سواءً على مستوى الكم أو النوع، فعلى مستوى الكم سجلت البلاد رقمًا قياسيًا عالميًا خلال الأيام الماضية، حيث تجاوز إجمالي عدد الحالات في الهند ال 17 مليون حالة، وارتفعت الوفيات بمعدل قياسي لتصل في مجملها إلى 195123 حالة حتى يوم 26 أبريل، وفقًا لبيانات وزارة الصحة الهندية.

على مستوى النوع أحالت بعض التقديرات هذا الارتفاع الهائل في إصابات ووفيات كورونا في الهند إلى متغير جديد قالت منظمة الصحة العالمية إنه اكتُشف لأول مرة في الخريف الماضي، وهو “بي 1617” أو “كورونا ثلاثي التحور”. وقد وصفت تقارير هذا النوع من الفيروس بأنه “طفرة مزدوجة”، لكن لم يثبت حتى الآن لدى الدوائر الأكاديمية والعلمية إذا ما كان هذا النوع أكثر من حيث الانتشار أو الفتك أم لا، حتى وإن كانت الشواهد العملية في الهند تشير إلى ذلك. 

بالإضافة إلى ذلك لا توجد معلومات واضحة حول مدى انتشار الفيروس المتحور بسبب عدم إجراء اختبارات للعينات على نطاق واسع في جميع أنحاء الهند، وقد أشارت وزارة الصحة الهندية الشهر الماضي إلى العثور على هذه الفصيلة في 15 إلى 20% من العينات المتسلسلة من ولاية “ماهراشترا” المتضررة بشدة، والتي تمثل أكثر من 60% من جميع الحالات النشطة في الهند.

ثانيًا- انهيار النظام الصحي

مع هذه المرحلة الحرجة التي تعيشها الهند، عانى النظام الصحي من اختناق شديد، وانهيار كبير، حيث أشارت تقارير إلى معاناة المستشفيات من نقص كبير في الموظفين، وعدد السرائر، والأدوية الرئيسية، فضلًا عن امتلاء وحدات العناية المركزة، وجميع أجهزة التنفس قيد الاستخدام تقريبًا، وأخيرًا النقص في إمدادات الأكسجين الطبي، وهو الأمر الذي يرجع إلى 3 أسباب رئيسة: الأول بُعد المسافة بين مصانع الإنتاج والمستشفيات، والثاني شبكة التوزيع الممتدة على آلاف الكيلومترات، والثالث سوء التخطيط وفق بعض المراقبين.

في هذا السياق قال رئيس الوزراء ناريندرا مودي في خطاب له مؤخرًا: “لقد جاءت زيادة الإصابات كعاصفة، وهناك معركة كبيرة تنتظرنا”، فيما قال محافظ نيودلهي “أرفيند كيجريوال”: “نظام الرعاية الصحية في نيودلهي غير قادر على استيعاب مزيد من المرضى. وإذا لم يُنفذ عزل عام الآن، فإن الوضع سيخرج عن نطاق السيطرة”. لكن سوء الأوضاع لم يقف عند هذا الحد فمع أوضاع المستشفيات باتت الأسر مجبرة على إيجاد طرق للحصول على العلاج المرضي في المنزل، لكن حتى هذا الخيار بات صعبًا مع الارتفاع الكبير في أسعار اسطوانات الأكسجين، والمكثفات، والأدوية الأساسية في السوق السوداء.

ثالثًا- أسباب ارتفاع معدلات الإصابة في الهند

هناك جملة من الاعتبارات التي يمكن في ضوئها فهم هذه الحالة الوبائية التي تعيشها الهند، والتي أدت إلى انهيار المنظومة الصحية، ومن هذه الاعتبارات: هروع الناس إلى المستشفيات بشكل مبالغ فيه وفي بعض الأوقات بدون داع، فضلًا عن انتشار السلالة الجديدة التي يُعتقد أنها أكثر انتشارًا.

 كذلك يدخل في الاعتبارات، تلك التُهم التي وُجهت لرئيس الوزراء وحزبه “بهاراتيا جاناتا” بعدم إيلائهم أولوية للصحة العامة لحساب اعتبارات سياسية داخلية وهو ما تجسد في تنظيم العديد من التجمعات السياسية الحاشدة بحضور الآلاف، والسماح بتنظيم مهرجات دينية على مستوى واسع كما هو الحال في مهرجان “كومبه ميلا” وهو مهرجان ديني كبير يحضره الملايين، فضلًا عن عدم اتخاذ السلطات إجراءات جادة للتعامل مع احتمالية وجود موجة جديدة من فيروس كورونا، خصوصًا فيما يتعلق بالاستعدادات على مستوى النظام الصحي.

رابعًا- تحركات دولية لمساعدة الهند

مع الأوضاع المأساوية التي وصلت إليها الهند، سارع الهنود خصوصًا عائلات المرضى إلى اللجوء لوسائل التواصل الاجتماعي للاستنجاد بالمجتمع الدولي، ومع هذه الظروف شرعت دول الولايات المتحدة وبريطانيا في تزويد نيودلهي بأجهزة تنفس، ومعدات تطعيم، حيث وصلت الهند يوم 27 أبريل أول شحنة إمدادات جوية من المملكة المتحدة، تشمل 100 جهاز تنفس، و95 قارورة أكسجين، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الهندية. 

وكانت المفوضية العليا البريطانية في نيودلهي قد أعلنت أنه سيتم إرسال تسع حاويات جوية محملة بالمعدات، من ضمنها 495 قارورة أكسجين، و120 جهاز تنفس، و20 جهاز تنفس يدوية هذا الأسبوع، فيما أكد البيت الأبيض أنه سيوفر معدات إنتاج اللقاحات والعلاجات والفحوص وأجهزة التنفس والوقاية فورًا للهند. لكنه لم يذكر إن كان سيرسل أيًا من 30 مليون جرعة من لقاح “أسترازينيكا” فائضة عن الحاجة حاليًا في الولايات المتحدة، وهو ما أثار اتهامات لواشنطن بتخزين اللقاحات، ومن جانبها أعلنت فرنسا عن طبيعة “عملية التضامن” التي ستتم مع الهند، حيث سترسل ثماني وحدات لإنتاج الأكسجين الطبي بواسطة “مولد” وقوارير أكسجين مسيل يتم إرسال خمسة منها في مرحلة أولى لإمداد ما يصل إلى 10 آلاف مريض بالأكسجين الطبي في اليوم، فضلًا عن معدات طبية متخصصة تتضمن 28 جهاز تنفس.

خامسًا- تداعيات الموجة الحالية على الهند

حملت هذه الموجة العاتية من فيروس كورونا العديد من التداعيات على الهند حتى الآن، وذلك على النحو التالي:

1-فرضت السلطات الهندية عمليات إغلاق شامل على أكبر مدينتين، وهو الإغلاق الذي يُتوقع أن يمتد ليشمل العديد من المدن الأخرى مع حالة الانتشار الكبير الذي تتسم به هذه الموجة من الفيروس في الهند، وهو الأمر الذي سيكون له تداعيات كبيرة اقتصاديًا على الطبقة المتوسطة والفئات الفقيرة، وقد غادر بعض هؤلاء بالفعل المدن الكبرى التي حدث فيها إغلاق شامل خوفًا من تكرار سيناريو العام الماضي، عندما كلف الإغلاق الشامل المفاجئ ملايين العمال المهاجرين وظائفهم في المدن، وأجبر الكثيرين على العودة إلى قراهم الأصلية أو المخاطرة بالموت جوعًا.

2- أحد التداعيات التي سببتها الجائحة الحالية في الهند، هو لجوء أكثر من 20 دولة بينها 4 دول عربية، لتعليق الطيران مع الهند لفترات زمنية متباينة تراوحت بين أسبوعين و “حتى إشعار آخر”، ومن هذه الدول (الولايات المتحدة– فرنسا–ألمانيا –باكستان–سلطنة عمان–الكويت–بنجلاديش–كندا –أستراليا – المغرب – الأردن) وهو المتغير الذي يفرض عزلة دولية على الهند، وسيكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد الهندي بطبيعة الحال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى