مقالات رأي

د. محمد حسين أبو الحسن يكتب : “لحظة الحقيقة” تقترب

يقال إن مأساة الإنسان في الأرض لم تبدأ بخداعه للآخرين، بل عندما خدع نفسه، وتلك حقيقة تنطبق على النظام الإثيوبي الذى يصنع مأساته الذاتية ومآسي للآخرين، نظام فاقد للصلاحية والشرعية، فى دولة تعانى هشاشة مركبة وثارات بين مكوناتها الإثنية، على نحو يجعل من تعايشها وانصهارها فى بوتقة وطنية أمرا شبه مستحيل، ولأن نظام آبى أحمد، فشل فى إطفاء نيران الحرب الأهلية، شمال وغرب وشرق وجنوب إثيوبيا، ركب صهوة الخداع ملقيا باللوم على أطراف خارجية، ولم ينس وهو فى غمرة الإفك أن يؤكد أن الملء الثاني لسد الخراب (النهضة) سيكون فى موعده.

فضحت الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، حقيقة ما يجرى فى إثيوبيا، مؤكدة أنه لا نهاية فى الأفق للصراعات العرقية المسلحة التى قتلت الآلاف مع نزوح مليون شخص، نتيجة المظالم والتهميش، وتعانى القوات الفيدرالية الإثيوبية حرب عصابات فى أقاليم: تيجراى وأورومو المتاخم للعاصمة، وأمهرة، وعلى الحدود مع السودان والصومال، وذكرت وكالة رويترز أن جماعة مسلحة سيطرت على مقاطعة كاماشى التابعة لإقليم بنى شنقول المقام به (سد النهضة) غرب إثيوبيا، منذ يوم 19 الشهر الحالي.

وأمام العنف المتأجج، آثر آبى أحمد خداع النفس والآخرين، وبدلا من لجم التناقضات، علق الجرس فى رقبة قوى خارجية، كأنه يهيئ الإثيوبيين لحرب مقبلة، حيث اجتمع مجلس الأمن الوطني الإثيوبي برئاسته، السبت الماضي، وخرج ببيان يقول: إن قوى داخلية وخارجية، تعمل على إغراق البلاد في صراع وفوضى، مشددا على أنه برغم المؤامرات سنقوم بعملية الملء الثاني في موعدها. وأضاف أن القوى الخارجية تعلم أنه إذا نجحت إثيوبيا فى تجاوز هذه التحديات فستكون دولة إقليمية ذات نفوذ مؤثر في محيطها.

بيان يكشف أن (سد الخراب) ليس إلا وسيلة لفرض نفوذ إثيوبيا وتركيع دولتي المصب، وأنها ستمضى فى الطريق إلى آخره، تتعجل النزال، غير عابئة بمصالح الآخرين أو الاتفاقيات قديمها وجديدها. بعدما غرست الحكومات الإثيوبية المتعاقبة كراهية (الآخرين) فى قلوب الشعب بالأكاذيب، وكأننا فى معادلة صفرية. إن تلك المشاعر المخادعة والسياسات السلبية الخطيرة هي أكبر دافع لنا,  للتحصن بكل الوسائل، من أجل ضمان عدم تأثيرها على النيل. إن قرار (الحفاظ على النيل) سيكون في اعتقادي أهم من إقامة الأهرامات وطرد الهكسوس وتحرير مصر من الاستعمار وتأميم القناة وحرب أكتوبر وغيرها.. لأن أهمية النيل تسمو على ما عداها، فهو حياة مصر وكرامتها وسر تفردها، وسيكون لهذا القرار إذا ما اضطررنا إليه تأثيرات عارمة بعضها سلبى خارجيا، لكنه سيعيد التوازن والألق إلى الشخصية المصرية، ويرفع شعبية النظام السياسي إلى حدود اسطورية، ويفجر طاقات التحدي والإبداع. كما أن قضايا جوهرية فى نظرة العالم إلينا سياسيا واقتصاديا وعسكريا ستظل مرهونة بإثبات قدرة المصريين على حماية النيل مفتاح وجودهم، وفرض إرادتهم وتصويب الأوضاع, ولا أشك لحظة واحدة بأن مصر تستطيع فعل ذلك برشاقة واقتدار وبصيرة، حتى لو توهم بعضهم أنها تقف وحيدة، وأن الحلفاء يطوقون إثيوبيا، ذلك أن أهم دروس التاريخ تعلمنا بأن (القوة) فى لحظة الحقيقة (تصنع الحق) وتحميه، فما بالك بحقوق مكتسبة منذ فجر التاريخ فى النيل نهر الحضارة.

  بأي ثمن ينبغي منع إثيوبيا من انتهاج خطوات أحادية تؤثر فى تدفق النيل، وعلى مصر ألا تطالب بحصتها بل بزيادتها، فالخداع الإثيوبي مستمر، بإسناد من قوى إقليمية ودولية, هدد نظام أديس أبابا حياة الشعوب الإثيوبية بالحروب الأهلية، وحياة شعوب الصومال وجيبوتي وكينيا والسودان بالأطماع فى الأرض والمياه، لكن مصر لا يجوز خداعها, بل علينا الانتباه إلى أن النظام الإثيوبي قد يقبل تحت الضغوط بتوقيع اتفاقية مع مصر والسودان، وبعد أن يملأ السد ينسحب من الاتفاقية أو يتنكر لها؛ كأنها غير موجودة؛ مثلما تجاهل اتفاقية 1902 التى منحته منطقة بنى شنقول، مقابل عدم إقامة منشآت على النيل الأزرق، وفى النهاية أقام سدودا واحتفظ ببنى شنقول، وحينما تذكره بالاتفاقية 1902 يقول: لا نعترف بالاتفاقيات الاستعمارية، مع التذكير بأن إثيوبيا كانت دولة مستقلة عند توقيع الاتفاقية بينما مصر والسودان كانتا تحت التاج البريطاني!. ومادامت إثيوبيا تصرّ على إنشاء سدود، فلابد من إعادة اقليم بنى شنقول المقام عليه السد، لأنه أرض سودانية، مثلما استعادت روسيا القرم من أوكرانيا, تفاديا لأوضاع جيوسياسية لا يمكن احتمالها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى